مشاريع بالمليارات لا تنفذ: ما سر «ضجيج» الهيدروجين الأخضر بالمغرب؟

في وقت يخفت فيه «ضجيج» الهيدروجين الأخضر في العالم والمنطقة، ويتوالى إلغاء عشرات المشاريع، يتصاعد «ضجيج» مشاريع بمئات المليارات في المغرب. ما يثير التساؤلات حول هذه الاندفاعة المستغربة للإعلان عن مشاريع مشكوك في إمكانية تنفيذها بسبب ارتفاع التكلفة وعدم وجود مشترين ولا ممولين لهذه المشاريع.
شملت الموجة الأخيرة من فورة الهيدروجين الأخضر في المغرب الإعلان عن موافقة الحكومة على مشاريع جديدة تقدر قيمتها بحوالي 300 مليار دولار. إضافة إلى الإعلان عن وجود 20 مشروعاً آخر قيد الدراسة. ما يمكن ان يضاعف حجم الاستثمارات.
العيساوي: انتهت مرحلة الضجيج التي تضمنت كل ما لا ينجح، وبدأت مرحلة العمل الحقيقي والتركيز على ما ينجح
وتتضح صوابية هذه التساؤلات بالنظر إلى أن نسبة المشاريع المنفذة فعلاً إلى المشاريع المعلنة لا تتجاوز 1 في المئة عالمياً. أما نسبة المشاريع التي دخلت مرحلة التنفيذ، فلا تتعد 7 في المئة. علماً إن نسبة كبيرة من المشاريع قيد التنفيذ معرضة للتوقف، أو لتصغير الحجم في ظل عدم التزام المشترين باتفاقيات الشراء المبدئية الموقعة.
إقرأ ايضاً: ألوان الهيدروجين: قوس قزح طاقة المستقبل
إقرأ أيضاً: الهيدروجين الطبيعي: الثروة المهملة والمجهولة
ويبدو ان المرحلة المقبلة ستشهد العودة إلى الواقعية وإلى الاكتفاء بإطلاق المشاريع القابلة للمنافسة والنجاح. وقد لخص سامي العيساوي، من شركة “بلومبرغ إن إي إف” الوضع بقوله: «لقد انتهت مرحلة الضجيج، التي رأينا خلالها كل ما لا ينجح، وبدأت مرحلة العمل الحقيقي التي يفترض التركيز خلالها على ما ينجح». وليبقى الصوت الأعلى والأكثر موضوعية هو صوت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في المغرب، ليلى بنعلي التي صرحت بأن «الدولة يجب أن لا تقدم أي دعم مالي لمشاريع الطاقات الجديدة، بما فيها الهيدروجين الأخضر. محملة القطاع الخاص وحده مسؤولية المخاطر المالية والتكنولوجية وإثبات تنافسية المشاريع.

«نيوم» كنموذج للمشاريع الناجحة
أما ما ينجح، فهي المشاريع التي تتوافر لها ثلاثة شروط أساسية تتمثل بتوافر المشترين والتمويل والموارد الطبيعية اللازمة. ويمكن اعتبار المشروع النموذج في هذا المجال، هو «نيوم للهيدروجين الأخضر» في السعودية. فقد توافرت له الشروط الثلاثة. إذ تم بيع الإنتاج سلفاً ولمدة 30 عاماً، لأحد الشركاء وهي شركة «أير بردوكتس». الأمر الذي ساهم بتوفير كامل التمويل، بمبلغ 8.2 مليار دولار عند الإغلاق المالي. ويقع المشروع في منطقة تمتاز بوفرة الشمس والرياح. كما توفر للمشروع شرط إضافي لا يقل أهمية هو صيغته التكاملية والدائرية في إطار مشروع «نيوم» العملاق. ولذلك فإن المشروع يعتبر الأسرع تنفيذاً في العالم إلى جانب أنه المشروع الأكبر حتى الآن. وينطبق ذلك على مشروع آخر في السويد تدعمه شركة «إتش 2 غرين ستيل»، H2 Green Stee .
أسباب التعثر
عوامل عديدة تضافرت لجعل مشاريع الهيدروجين الأخضر في المغرب وغيره من الدول النامية والمتقدمة، غير قابلة للمنافسة وبالتالي للتنفيذ. أهمها ارتفاع تكلفتها مقارنة بأنواع الهيدروجين المستخرجة من الغاز. ما يعني عدم وجود مشترين مستعدين للارتباط بعقود ملزمة لشراء الإنتاج. وهو ما يؤدي حكماً إلى إحجام المؤسسات والمصارف عن التمويل.
إقرأ أيضاً: «نيوم للهيدروجين الأخضر»: أرقام قياسية ونموذج استرشادي
وتقدر تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر وفق أفضل السيناريوهات وباستخدام أجهزة التحليل الصينية الرخيصة، بأربعة أضعاف تكلفة الهيدورجين الرمادي المنتج من الغاز الطبيعي. وبأكثر من ضعفي تكلفة الهيدروجين الأزرق المنتج من الغاز مع خاصية التقاط الكربون. والأخطر من ذلك هو ميل هذه التكلفة إلى الثبات بعكس ما متوقعا. إذ تقدر “بلومبرغ إن إي إف” ان التكلفة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانت خلال العام الماضي، أعلى بنسبة 55 في المئة مقارنة بتوقعات العام 2022.
يضاف إلى ذلك عامل يتعلق بعدم اليقين بشأن مستقبل هذا النوع من المشاريع. وذلك في ضوء طول مدة تحقيق العائد على الاستثمار. والذي يتراوح بين 20 و 30 عاماً، مقابل 10 إلى 20 عاماً لمشاريع الطاقة الشمسية والرياح. ويرجع ذلك إلى أن مشاريع الهيدروجين الأخضر تتطلب بناء مرافق بنية تحتية عالية التكلفة مثل محطات تحلية المياه ومنشات التخزين وطرق التوريد والنقل، إضافة إلى أجهزة التحليل الكهربائي.
لماذا إذن الاندفاعة المغربية ؟
عند هذا الحد يعاد طرح التساؤل حول أسباب وخلفيات تلك الاندفاعة المستغربة نحو مشاريع الهيدروجين الأخضر في المغرب. والتسابق الحماسي بين الشركات للفوز بالرخص.
طبعاً هناك من يرجع السبب إلى حرص الشركات على حجز مقعد لها في صناعة مقبلة على فورة كبيرة في حال النجاح بتطوير التكنولوجيا المناسبة التي تؤدي إلى تخفيض التكلفة. وكذلك في حال ضخت الحكومات استثمارات كافية لتطوير البنية التحتية للتصدير والنقل والاستهلاك الخ… وأخيراً في حال العودة إلى اعتماد سياسات حكومية داعمة وتوفير حزم سخية من الاعفاءات والحوافز.
بدون وجود عملاء يقبلون الشراء بأسعار مضاعفة، لا يوجد ممولون ولا مستثمرون ولا مشاريع قابلة للتنفيذ
لكن هناك شكوك جدية في صحة هذا الرهان مع ميل الحكومات في أميركا وأوروبا إلى تقليص الدعم والتمويل المخصص للسياسات المناخية ولتطوير مصادر الطاقة المتجددة. ومعروف ان تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي وآليات الدعم الحكومي للطاقة المتجددة، تتطلب عدة سنوات في الاتحاد الأوروبي وأميركا. وقد أدت الخلافات حول تفاصيل الدعم إلى إبطاء التقدم في أوروبا. وبدأت بعض الحكومات بمراجعة جدية لسياسات الدعم. أما في أميركا فيبدو واضحاً عمق وسرعة «الردة» عن سياسات مواجهة التغير المناخي التي تقودها الإدارة الحالية.
هل هي مجرد صفقات عقارية؟
وبناء على كل ذلك، هناك جهات مغربية تحذر من «قطبة مخفية» وراء الاندفاعة نحو مشاريع الهيدروجين الأخضر تتمثل بوجود صفقات عقارية. حيث تخوض الشركات صراعاً محموماً للفوز بأوسع مساحات ممكنة من الأراضي المخصصة للطاقة المتجددة. وهو صراع مشابه لما جرى سابقاً بشأن تخصيص الأراضي للمشاريع الزراعية أو العمرانية في المغرب ومصر والسودان وغيرها من الدول العربية والأفريقية. حيث انتهى المطاف بنزاعات قضائية صعبة وتسويات أصعب. نجمت عن عدم تنفيذ المشروعات أو تنفيذها بشكل جزئي واستخدام الأراضي لغير الأغراض المنصوص عليها.
وكانت الحكومة المغربية قد أعلنت عن رصد مساحة إجمالية تبلغ مليون هكتار لمشاريع الهيدروجين الأخضر. كما أعلنت انها تدرس 40 طلباً مقدماً من شركات أجنبية ومحلية لإنشاء مشاريع متوسطة وكبيرة الحجم.
وتدلل المصادر على صحة ذلك بالإشارة على سبيل المثال إلى مطالبة شركة عالمية مثل “سي دبليو بي غلوبال (CWP GLOBAL)، الحكومة بتخصيص قطعة أرض لا تقل عن 200 ألف هكتار لمشروع كبير للهيدروجين الأخضر. وذلك بدلاً من المساحة المقررة لكل مشروع وهي 30 ألف هكتار. وينطبق ذلك على عدة شركات عربية وعالمية.
مهما يكن ورغم أهمية تطوير كافة مصادر الطاقة الممكنة، فإن فورة مشاريع الهيدروجين الأخضر في المغرب تبقى مثيرة للتساؤلات. خاصة وأن هذا النوع من الهيدروجين لا يعتبر الخيار الأجدى من الناحية الاقتصادية ولا حتى الخيار الأفضل من الناحية البيئية.
ولتبقى الحقيقة، أنه يصعب إيجاد عميل مستعد لشراء الوقود بأسعار مضاعفة. وبدون وجود مشترين لا يوجد ممولون ولا مستثمرون ولا مشاريع قابلة للتنفيذ.