أوروبا أمام الخيار المؤلم: مقايضة الأمن بالمناخ

المصائب لا تأتي فرادى. وآخر مصائب أوروبا وربما أكثرها خطورة، هي تخلي أميركا عن المساهمة الفاعلة في توفير الحماية العسكرية لها. ما يعني اضطرارها إلى حشد تريليونات الدولارات للإنفاق العسكري، واقتطاع جزء كبير منها من مجالات أخرى. فهل تكون سياسات المناخ ودعم الطاقة المتجددة الضحية الأولى، في عملية مقايضة مؤلمة للأمن بالمناخ؟

يجدر التذكير بداية، بأن اعتماد الولايات المتحدة لسياسة «أميركا أولاً»، شكل انقلاباً أو زلزالاً سياسياً واقتصادياً. لأن هذه السياسة تؤسس عملياً لقيام نظام عالمي جديد على أنقاض النظام الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية. وعلى أوروبا مواجهة هذا الزلزال الذي وصفه رئيس الوزراء البريطاني بـ«مفترق طرق تاريخي»، وهي مثقلة بالتحديات والمصائب. فأوروبا قارة عجوز تشيخ بسرعة، وفاتورة معاشات التقاعد والتقديمات الاجتماعية باهظة. وقد سعت لحل تلك المشكلة بفتح أبواب الهجرة ما يخلق مشاكل أكثر تعقيداً. والدول الأوروبية تعاني من معدلات نمو متواضعة لا تتجاوز 1 في المئة. وستتفاقم هذه المشكلة في ظل الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة على حلفائها قبل خصومها. وتعاني أوروبا أيضاً مشكلة ارتهان مقلق للصين في توفير السلع الاستهلاكية والمكونات الرئيسية للصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة. وارتهاناً أكبر لروسيا أو أميركا في توفير احتياجاتها من الغاز.

إقرأ أيضاً: بين أمن الطاقة وأمن المناخ: إرتبكت أميركا وأربكت العالم (1 من 2)

في ظل كل تلك المصائب والتحديات، يطرأ تحدي الأمن كأولوية مطلقة، فارضاً على قادة أوروبا البحث عن المجالات التي «سيضحون» بها لتوفير الأموال اللازمة للانفاق العسكري. وقد بدأ فعلاً درس الخيارات المتاحة سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أم على مستوى كل دولة على حدة. وتشمل هذه المجالات: تخفيض كبير بتقديمات الرعاية الاجتماعية والصحية، وتخفيض أكبر بالمساعدات الخارجية، إضافة إلى زيادة الضرائب والرسوم الجمركية.

ظهور مصطلح «إصلاح سياسة المناخ»

لما كان كل واحد من هذه الخيارات يحقق نتائج متواضعة وتداعيات كارثية، بدأت تتصاعد الدعوات لإعادة النظر بالسياسات المتعلقة بالتغير المناخي، ودعم الطاقة المتجددة. وليظهر لأول مرة مصطلح «إصلاح سياسة المناخ»، الذي كرره بيورن لومبورغ في مقال نشره في جريدة التلغراف البريطانية. ودعا فيه صراحة إلى التراجع عن هدف صافي الانبعاثات الصفري. وأشار إلى أن الإنفاق على شراء مكونات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية الخ.. بلغ العام الماضي في بريطانيا وحدها حوالي 52 مليار جنيه إسترليني (67 مليار دولار). واعتبر ان هذا المبلغ كفيل بمضاعفة الإنفاق الدفاعي للمملكة المتحدة.

مقايضة الأمن بالمناخ، بالأرقام

يستند دعاة مقايضة الأمن بالمناخ إلى جملة من المعطيات والأرقام. من بينها أن الإنفاق الدفاعي في دول الاتحاد الأوروبي لم يتجاوز في العام 2020 مبلغ 240 مليار يورو. ورغم ارتفاعه إلى حوالي 326 مليار يورو في 2024، فلا يزال يمثل أقل من 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. في حين ذكرت وكالة “رويترز” نقلاً عن مصادر في الاتحاد الأوروبي، أن تحقيق الأمن العسكري من دون الاعتماد على الولايات المتحدة، يتطلب زيادة الانفاق الدفاعي والاستثمارات إلى ما يعادل 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وذلك ما أكدته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بإشارتها إلى وجود خطة أوروبية تقضي بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 800 مليار يورو. وذلك بهدف مواجهة تداعيات الانسحاب الأميركي المحتمل، كما ذكرت وكالة “أسوشيتد برس”. وتشير تقديرات متطابقة إلى أن التخلص التدريجي من الارتهان للولايات يتطلب زيادة إجمالي الإنفاق العسكري الى ما بين 500 و 600 مليار يورو سنوياً بالحد الأدنى.

طبعاً هناك تحديات ومعوقات كثيرة تواجه زيادة الإنفاق العسكري «والاستقلال» عن أميركا، تشمل على سبيل المثال، الانقسامات السياسية بشأن الاستراتيجيات العسكرية، الردع النووي، الاعتماد المفرط على الاستخبارات الأميركية، طول المدة اللازمة لخلق الطاقات الانتاجية، وتطويع القوات والتدريب إلخ… ولكن التحدي الأكبر والعائق الأهم يبقى التمويل.

الطاقة المتجددة الضحية المحتملة

تقدر التكاليف السنوية لدعم الطاقة المتجددة في الاتحاد الأوروبي بأكثر من 20 مليار دورلار سنوياً وترتفع إلى 40 مليار دولار في حال اعتماد سيناريو الإسراع في التحول الطاقي. وكانت المفوضية الأوروبية أعلنت سابقاُ عن خطط لإنفاق حوالي 47 مليار دولار خلال العام الحالي لتوسيع نطاق توليد الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة والشبكات.

اما بالنسبة لتنفيذ السياسات المتعلقة بتحقيق هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول العام 2050، فتقدر التكاليف بحوالي 2 تريليون دولار سنوياً. ويحتاج قطاع النقل فقط إلى استثمارات تقدر بنحو 40 مليار يورو سنوياً. وللعلم فقط، فإن تحقيق صافي انبعاثات صفري على مستوى العالم يتطلب ضخ استثمارات تصل إلى 275 تريليون دولار.

ويجادل خبراء الطاقة بأن مواجهة تداعيات التغير المناخي، لا تتم بزيادة الإنفاق غير العقلاني على دعم الطاقة المتجددة لفرض التوسع باستخدامها بشكل مصطنع. بل بالاستثمار في البحث والتطوير والابتكار لتخفيض تكلفتها وجعلها منافسة. بما يكفل جعل استخدامها يستند إلى الحاجة وليس إلى النوايا الحسنة تجاه البيئة والمناخ. وكذلك بالاستثمار في الابتكار لتخفيض البصمة الكربونية للنفط والغاز. وكذلك تطوير تقنيات التقاط الكربون من مصادره مباشرة أو من الهواء. إضافة إلى التوسع في عمليات التشجير، بدلاً من تدمير الغابات وتجريف التربة لاستخراج المعادن النادرة المستخدمة في الطاقة المتجددة.

هل تشكل هذه الأرقام المقلقة معطوفة على المعطيات المتعلقة بتراجع أميركا المتسارع عن سياسات مواجهة التغير المناخي ودعم الطاقة المتجددة، مبرراً وفرصة لكي تعيد أوروبا حساباتها، ولتحذو حذو أميركا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: