لبنان وتحديات ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة

يعود ملف التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، ليستأثر بالاهتمام المحلي، وربما الإقليمي والدولي. خاصة بعد استعادة النفط والغاز مكانتهما في مزيج الطاقة عقب الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها. وأخذا دفعاً قوياً مع الإدارة الأميركية الجديدة وإعلانها حالة طوارئ وطنية للطاقة والعمل على خفض أسعارها.

غازي محمود*

إلا أن ترجمة الاهتمام المحلي بإعادة الزخم إلى عملية التنقيب، والذي عبر عنه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في أكثر من مناسبة، تعترضه عقبات عدة وعلى اكثر من مستوى. لا سيما على مستوى السياسات والآليات المعتمدة لإدارة قطاع النفط والغاز والتي لم تُراعِ المصلحة الوطنية. ومن هذه العقبات أيضاً ما هو نتيجةً لاتفاقيات الاستكشاف والإنتاج.

ولعل العقبة الأهم تكمن في إتمام ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لا سيما منها الشمالية وحل مشكلة النزاع الحدودي الناجم عن اختلاف خط الحدود بين الترسيم اللبناني والسوري. وهو النزاع الذي يعرقل التنقيب عن النفط والغاز شمالاً. حيث لم يتمكن لبنان من مباشرة التنقيب في الرقعة رقم 9، إلا بعد ترسيم الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة. وذلك على الرغم من توقيع اتفاقية للاستكشاف والإنتاج مع ائتلاف شركات TotalEnergies الفرنسية، و ENI الإيطالية، وNovatek الروسية (حلت محلها شركة قطر للطاقة لاحقاً) ، في دورة التراخيص الأولى العام 2017.

ترسيم ملتبس وخاطئ مع قبرص

وقع لبنان مع قبرص اتفاقية لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في العام 2007. ولكن لم تتم المصادقة عليها حتى الآن. وتبين لاحقاً أن الترسيم المعتمد غير دقيق، لأنه تم تعيين الحدود بالاستناد إلى خط الوسط من دون الأخذ بمبدأ النسبة بين طول شاطئ كلا البلدين. وهي تبلغ نحو 1.83 للبنان مقابل 1 لقبرص. وذلك وفق ست نقاط جغرافية محددة من “1” إلى “6” كما هي مبيّنة على الخريطة المرفقة، وفي قائمة الإحداثيات الجغرافية الملحقة بالاتفاق.

حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة من النقطة 7 شمالاً إلى النقطة 23 جنوباً.

بنتيجة الاتفاق، لم يحصل لبنان سوى على مساحة تبلغ 17573.7 كلم مربع بدلاً من 20217.55 كلم مربع، فيما لو طُبق معيار النسبة والتناسب بين طولي الاتجاه العام لشاطئي كلا البلدين. الأمر الذي حرم لبنان من مساحة تبلغ 2643.85 كلم مربع. في حين حصلت قبرص على 13691.641 كلم مربع.

وتمت إعادة دراسة مسودة الاتفاق من قبل لجنةٍ عينها مجلس الوزراء اللبناني في ديسمبر 2008. وخَلُصت اللجنة في أبريل 2009 الى تعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية من جانب واحد. حيث أضافت النقطة 7 الى شمال النقطة 6 باتجاه سوريا والنقطة 23 الى جنوب النقطة 1 باتجاه إسرائيل. وتمّ إيداع الإحداثيات الجديدة لدى الأمم المتحدة في يوليو 2010.

… وترسيم منقوص مع إسرائيل

تم تحديد الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية بمفاوضات غير مباشرة بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، بوساطة أميركية وبرعاية الأمم المتحدة. انتهت بترسيم الحدود استناداً إلى ما عرف بالخط 23. ومن المفارقات أن إسرائيل كانت قد اعتمدت منذ مارس 2009 الخط 23 في رسم وتوزيع الرقع (البلوكات) في المنطقة الشمالية من منطقتها الاقتصادية الخالصة.

إقرأ أيضاً: ترسيم الحدود البحرية: لغم البلوك 72 “الإسرائيلي” والكاسحة اللبنانية

وتجدر الإشارة الى أن الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية تقع عند الخط 29، بحسب دراسة أعدها في العام 2013 العقيد في الجيش اللبناني مازن بصبوص. واعتبر فيها أن الخط “23” يفتقر للشروط العلمية التي تعتمد في ترسيم الحدود البحرية. وكذلك كان رأي المكتب الهيدروغرافي البريطاني UKHO الذي كلّفته الحكومة اللبنانية بدراسة الحدود البحرية التي تفصل بين المنطقتين الاقتصاديتين لكل من لبنان وإسرائيل.

وبقبول الدولة اللبنانية للخط 23، تكون قد تجاهلت القاعدة المسلّم بها في مجال ترسيم الحدود، وهي قاعدة احترام الحدود المتوارثة (Uti possidetis juris)، ووجوب احترام اتفاقية بولِيه – نيوكومب (Paulet–Newcombe Agreement) المقرة في 7 مارس من العام 1923، والتقيد بمقتضياتها. والتي نصت على أن حدود لبنان مع فلسطين تبدأ من رأس الناقورة على البحر الأبيض المتوسط حتى 50 متراً من خط القمم. ولذلك لم يتم استكمال الترسيم بسبب الخلاف على النقطة البرية التي ينطلق منها الخط 23 والمعروفة بالنقطة (B1). ولا يزال الترسيم منقوصاً، حيث توجد مسافة غير مرسمة اصطلح على تسميتها «خط الطفافات».

وبغض النظر عما تقدم، فقد أصبح الخط 23 هو الحدود الجنوبية، بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، في 27 أكتوبر 2022.

… ولا ترسيم مع سوريا

أما الحدود الشمالية للمنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وسوريا فليست أفضل حالاً، وهي لا تزال بدورها عالقة. والترسيم المعتمد من قبل كل من البلدين يظهر تداخلاً في الحدود تفوق مساحته 750 كيلومتراً مربعاً لصالح الجانب السوري.

يقتطع الترسيم السوري حوالي 750 كلم2 من المياه اللبنانية

ويعود هذا التداخل الى الاختلاف في الأصول المتبعة في الترسيم. حيث اعتمد لبنان في الترسيم على ما يسمى “العدالة بتقسيم المياه” مختاراً طريقة “النقاط المتساوية التباعد” التي تجعل من خط الوسط المتساوي الأبعاد بين ساحليّ الدولتين خطاً للحدود بينهما. بينما اعتمدت سوريا طريقة رسم خط افقي ينطلق من منتصف النهر الجنوبي الكبير الى البحر بناء على خطوط العرض.

إقرأ أيضا: غاز لبنان: «هزة» ترسيم الحدود البحرية التركية السورية و«إرتداداتها» (1 من 2)

يشمل هذا التداخل الرقعتين رقم 1 و 2  في المنطقة اللبنانية. الأمر الذي لا يشجع الشركات النفطية على العمل في هاتين الرقعتين. وما يستدعي بالتالي التفاوض مع سوريا على ترسيم الحدود للوصول إلى اتفاق يُنظم سبل استثمار وتقاسم الإنتاج في حال وجود مكامن متداخلة. واليوم وبعد سقوط النظام السابق وتولي إدارة جديدة الحكم في سوريا، لا بد من التوصل إلى اتفاق حول ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في أقرب فرصة ممكنة. فمن دون هذا الترسيم لن يجد كلا البلدين شركات مستعدة للتنقيب عن النفط والغاز في الرقع المتنازع عليها.

الخلاصة

إن استكمال ترسيم الحدود البحرية اللبنانية يمثل خطوة أساسية في سياق تأكيد سيادة لبنان على مياهه البحرية وحماية موارده الطبيعية، وضمان استثمارها بالشكل الأمثل. واليوم، ومع انطلاق العهد الجديد في لبنان وسقوط النظام السابق في سوريا، تلوح فرصة مهمة للبنان لمطالبة الإدارة السورية الجديدة بضرورة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين وفق أسس عادلة ومتفق عليها دولياً. ذلك أن هذا الترسيم يُعد خطوة مفصلية لا بد منها للحفاظ على حقوق البلدين وفتح آفاق استغلال ثرواتهما النفطية بطريقة تعزز أمنهما الاقتصادي.

أقرأ أيضا: لبنان: الأولوية لإنشاء شركة وطنية للنفط وهيئة وطنية للترسيم

إلى جانب ذلك، تبرز أهمية إعادة مراجعة اتفاقية الترسيم مع قبرص. خاصة بعد الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل على النقطة 23 . فهذا التطور يستدعي من قبرص تعديل مقاربتها لترسيم الحدود.  نظراً لكون النقطة رقم 1 لم تعد تشكل نقطة التقاء ثلاثية. كما تبرز أهمية إعادة تحديد خط الوسط وفقاً لمبدأ التناسب والأخذ بعين الاعتبار طول الاتجاه العام للشاطئ في البلدين.

ويتعين على لبنان إعادة تقييم اتفاقية ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل، مستفيداً من الاحتضان الدولي، ولا سيما الدعم الأميركي، للضغط باتجاه مراجعة الشروط المجحفة بحق لبنان. ويشمل ذلك إعادة النظر في المساحات التي تنازل عنها. وكذلك استكمال الترسيم داخل المياه الإقليمية انطلاقاً من خط الحدود البرية عند النقط B1. ما يمنع إسرائيل من الاحتفاظ بأي وجود داخل المياه اللبنانية.

مع استكمال الدولة لأركانها واستعادة المؤسسات الدستورية لدورها الفاعل، يصبح من الضروري إعادة التفاوض مع كلٍّ من قبرص وإسرائيل، لتصحيح الأخطاء التي تشوب الاتفاقات المبرمة واسترجاع حقوق لبنان في مياهه وثرواته. فالعودة عن الخطأ وتصحيحه فضيلة، والمطالبة بالحقوق المهدورة واجبٌ على كل مسؤول.

* باحث في الشؤون الاقتصادية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: