سوريا تجذب «عمالقة» النفط… فهل يفتح ملف ترسيم الحدود البحرية؟

يشهد قطاع النفط والغاز السوري تحولات دراماتيكية تتمثل باستقطاب «عمالقة» شركات النفط الإقليمية والعالمية وتحديداً الأميركية. ويؤشر ذلك إلى إمكانية كبيرة لتموضع سوريا الجديدة على خريطة الطاقة الإقليمية، في حال توافر شرطين أساسيين. الأول، تحقيق اكتشافات تجارية من النفط والغاز. والثاني التوصل إلى تسويات مستدامة لملف ترسيم الحدود البحرية مع قبرص وتركيا ولبنان. وهو الملف الأكثر حساسية وتعقيداً من الناحية السياسية، نظراً لتأثيره على التوازنات في شرق المتوسط.

التطور الأبرز كان توقيع مذكرة تفاهم بين شركات قطر للطاقة QatarEnergy وتوتال إنيرجيز وكونكو فليبس والشركة السورية للنفط، بتاريخ 11 مايو 2026. وتهدف المذكرة إلى تقييم إمكانات المنطقة البحرية رقم 3. إضافة إلى وضع إطار لمباحثات فنية وتجارية مستقبلية بين الشركاء. وجاءت هذه المذكرة بعد الخطوة التاريخية لشركة شيفرون Chevron الأميركية، بتوقيع مذكرة تفاهم في فبراير 2026 مع المؤسسة العامة للنفط في سوريا و«مجموعة يو سي سي القابضة» UCC Holding القطرية لتقييم استكشاف النفط والغاز في المياه البحرية السورية.

أولاً: تحقيق اكتشافات تجارية

يجدر التنويه بداية إلى أن اهتمام الشركات الدولية بالغاز السوري، لا يقتصر على «إيعاز سياسي» كما يشيع البعض، بل لأن المياه البحرية السورية تُعد جيولوجياً ضمن حوض المشرق Levant Basin، وهو الحوض الذي شهد اكتشافات كبيرة في إسرائيل وقبرص ومصر. ما يعزز فرضية وجود امتدادات جيولوجية ومكامن مشابهة لحقول تمار وليفياثان وأفروديت.

إقرأ أيضاً: نفط سوريا: معضلة العقود مع إيران بعد استعادة الحقول من «قسد»

كما أُجريت خلال السنوات الماضية مسوحات زلزالية ثنائية وثلاثية الأبعاد أظهرت مؤشرات أولية لوجود مكامن محتملة، رغم عدم استكمال تلك المسوحات واعتماد تقنيات قديمة لتنفيذها. ما يسمح بالاستنتاج أن إجراء مسوحات جديدة متكاملة وبتقنيات حديثة، يمكن أن يعزز فرضية وجود احتياطيات بكميات تجارية. خاصة وأن أكثر من ثلثي الأراضي والمياه البحرية السورية لم يتم استكشافه حتى الآن.

لماذا تهتم الشركات الأميركية بالغاز السوري؟

وعليه، فإن انخراط شركات كبرى مثل شيفرون وكونكو فليبس وتوتال إنيرجيز وقطر للطاقة وغيرها لاحقاً، في قطاع الطاقة السوري هو نتيجة تضافر عاملين رئيسيين. الأول يتمثل بإمكانية كبيرة لوجود احتياطيات قابلة للاستخراج ومجدية تجارياً. ومعروف أن هذه الشركات باتت تمتلك أصولاً مهمة في كل إسرائيل وقبرص ومصر. ما يجعل اهتمامها بموارد النفط والغاز في المياه البحرية السورية جزءاً من رؤية أوسع تتعلق ببناء منظومة غاز إقليمية مترابطة، قد تشمل لبنان مستقبلاً.

يضاف إلى ذلك أن سوريا تمتلك تاريخاً طويلاً في إنتاج النفط والغاز. إضافة إلى توافر بنية تحتية وأطر قانونية وتنظيمية لا ينتقص من أهميتها أنها تحتاج إلى تطوير وتحديث. أما العامل الثاني، فيرتبط بالتوجهات السياسية وإعادة رسم خرائط الطاقة والتوازنات في شرق المتوسط. وهو يأتي في جانب منه في إطار الاستراتيجية الأميركية لإعادة الاعتبار للنفط والغاز كمكون رئيسي في نظام الطاقة العالمي، وما يرتبط بذلك من إعادة تشكيل للتوازنات الدولية، وتحديداً في ما يتعلق بالتنافس مع الصين.

قطر وتركيا: الاقتصاد والجغرافيا السياسية

لا يقل الحضور القطري والتركي أهمية عن الاهتمام الأميركي. فدخول شركة قطر للطاقة إلى الملف السوري يعكس رغبة الدوحة في توسيع حضورها في شرق المتوسط، مستفيدة من خبرتها كأحد أكبر منتجي الغاز المسال في العالم، ومن قدرتها على لعب دور المحفز والمستثمر في آن واحد.

 إقرأ أيضاً: إحياء الترسيم البحري بين تركيا وليبيا: الغاز يعيد رسم خرائط شرق المتوسط

أما تركيا، فتتعامل مع الملف من زاوية أوسع بكثير من الاستثمارات النفطية. فأنقرة ترى في سوريا بوابة استراتيجية لإعادة التموضع في شرق المتوسط، سواء عبر مشاريع الطاقة أو من خلال أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالحدود البحرية. وتحدثت تقارير إعلامية تركية وغربية خلال الأشهر الماضية عن مناقشات أولية تتعلق بإمكانية توقيع اتفاقيات تعاون بحري وطاقة بين أنقرة ودمشق، في خطوة قد تحمل تداعيات مباشرة على التوازنات القائمة في شرق المتوسط.

ثانياً: الغاز السوري وعقدة ترسيم الحدود البحرية

مع تصاعد اهتمام الشركات الأميركية والدولية بملف النفط والغاز في المياه البحرية السورية، يتوقع أن يوضع ملف ترسيم الحدود البحرية على نار حامية. فمن المعروف أن شركات النفط العالمية تتجنب العمل في مناطق نزاعات حدودية. وخصوصاً في منطقة شرق المتوسط المثقلة بالنزاعات التاريخية وتعقيدات الجغرافيا، وأضيف إليها الآن مصالح النفط والغاز.

وتبرز هنا عدة أسئلة أساسية أهمها:
•  هل تتجه دمشق إلى ترسيم حدودها البحرية مع تركيا بدون التفاهم مع قبرص؟
•  ماذا سيكون موقف قبرص ومن ورائها اليونان والاتحاد الأوروبي، والأهم من ذلك كله ماذا سيكون موقف الولايات المتحدة؟

 هل يفتح ملف الحدود البحرية مع لبنان؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية لأن أي اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين سوريا وتركيا، قد يعيد خلط الأوراق في شرق المتوسط، ويؤثر على حسابات قبرص واليونان وحتى مشاريع الغاز الإقليمية القائمة. خاصة إذا اعتمد هذا الترسيم كلياً أو حتى جزئياً، المنظور التركي للمنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من تركيا وقبرص بشطريها اليوناني والتركي. إذ سيمثل مثل هذا الترسيم ورقة تفاوضية قوية بيد تركيا في نزاعها التاريخي على الحدود البحرية مع قبرص واليونان. وتزداد أهمية هذه الورقة إذا حظي الترسيم بموافقة أو حتى عدم اعتراض من قبل أميركا.

إقرأ: غاز لبنان: «هزة» ترسيم الحدود البحرية التركية السورية و«إرتداداتها» (1 من 2)

وتكتسب هذه السيناريوهات بعداً أكثر واقعية، بعدما سارعت تركيا عقب سقوط نظام الأسد إلى طرح ملف ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، عبر تصريحات رسمية تحدثت عن نية بدء مفاوضات وفقاً للقانون الدولي، ما أثار استنفاراً قبرصياً ويونانياً مبكراً.

شاهد: ترسيم الحدود اللبنانية: معضلة مع سوريا ومأزق مع قبرص

أما لبنان، الذي وقع اتفاق ترسيم حدوده البحرية الجنوبية مع إسرائيل عام 2022، فقد يحظى بفرصة استكمال ترسيم حدوده البحرية إذا قررت دمشق فتح هذا الملف. خصوصاً أن بعض المناطق البحرية لا تزال تحتاج إلى تحديد نهائي وواضح.

وبالتالي، فإن دخول الشركات الكبرى إلى المياه البحرية السورية قد يحفز السعي لإيجاد تسويات للنزاعات الحدودية كانت مؤجلة لسنوات طويلة.

ماذا عن روسيا؟

يبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقاً بمستقبل الوجود الروسي في قطاع الطاقة السوري. فخلال حكم الأسد، حصلت شركات روسية على امتيازات واسعة في قطاع النفط والغاز، بما في ذلك عقود للاستكشاف البحري. ففي العام 2013، وقعت شركة Soyuzneftegaz الروسية عقداً للتنقيب قبالة الساحل السوري. وقد تعثر تنفيذ المشروع لاحقاً بفعل الحرب والعقوبات. كما وقعت شركات روسية أخرى اتفاقيات لاحقة للاستكشاف والإنتاج في المياه البحرية السورية.

وتثير التطورات الحالية تساؤلات حول مصير هذه العقود: فهل ستبقى قائمة؟ أم تتم إعادة التفاوض عليها؟ أم تتجه دمشق إلى إعادة توزيع الأدوار وحفظ حصة لروسيا بموافقة أميركا؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على إلغاء العقود الروسية، لكن دخول شركات أميركية وغربية وخليجية إلى القطاع يعني بدون شك تراجع دور الشركات الروسية، مع إبقاء الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات.

الخلاصة: ولادة موقع ودور جديد لسوريا

ما يجري اليوم في قطاع النفط والغاز السوري يتجاوز مسألة التنقيب والإنتاج التقليدي. فسوريا تتحول تدريجياً إلى نقطة جذب لعمالقة النفط والغاز. ما يمهد لتموضعها في معادلات الطاقة الإقليمية خلال السنوات المقبلة، وبالتالي في إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والسياسية.

ومن هنا، فإن الدخول القوي للشركات الإقليمية والدولية وخاصة الأميركية، والصراع المتوقع على ترسيم الحدود البحرية، ليست ملفات منفصلة، بل مؤشرات على تموضع سوريا في قلب معادلات الطاقة الإقليمية، وكذلك على ولادة دور وموقع جيوسياسي واقتصادي جديد. لكنه بالمقابل يضع سوريا في خضم تجاذبات دولية معقدة تتطلب دبلوماسية طاقة فائقة الدقة لتجاوزها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى