خط الأنابيب العراقي: هل يرسم عون – سلام دور لبنان الجديد كمركز إقليمي للطاقة؟

مبادرة استشرافية لمعهد باسل فليحان تعيد طرح خط الأنابيب كـ«شريان حياة» للعراق ولبنان

قد يكون العراق اليوم الدولة الوحيدة المرشحة لبناء أو إحياء خط لأنابيب النفط نحو البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، يبرز خط البصرة–العقبة–بانياس–طرابلس كأحد المسارات الأكثر قابلية للتنفيذ من بين الخطوط المرسومة على الورق، لسببين: حاجة العراق إلى منفذ لنفط الجنوب بعيداً عن الارتهان لمضيق هرمز جنوباً ولتركيا شمالاً، والبحث عن نموذج أعمال يحقق الجدوى الاقتصادية عبر إقامة مجمع للتكرير والتخزين والتجارة في منشآت طرابلس، بما يؤسس لدور لبنان كمركز إقليمي للطاقة.

غير أن تنفيذ المشروع يصطدم بتشابك عوامل سياسية وقانونية واقتصادية، وبمنافسة إقليمية متوقعة بين تركيا وسوريا ومصر وربما إسرائيل على هذا الدور، ما يجعله رهناً بقرار سياسي على أعلى المستويات، في إطار إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة. فهل يتبنى الرئيسان جوزف عون ونواف سلام هذا المشروع كخيار استراتيجي في إعادة بناء الدولة، وفي رسم دور جديد للبنان كبديل عن الدور التقليدي المفقود؟ وهل يمكن طرحه، إلى جانب «الإفراج» عن استكشاف وإنتاج الغاز البحري، على جدول أعمال المفاوضات المرتقبة مع أميركا وإسرائيل؟

في هذا الإطار، بادر معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي إلى استشراف الفرص والتحديات المرتبطة بالمشروع، عبر إعداد ورقة أولية قُدمت إلى رئاسة الحكومة، وتنظيم «وبينار» استهدف إطلاق حوار وطني حول أهمية المشروع واستطلاع سبل مواجهة التحديات للفوز به. تحدث فيه كل من رئيسة المعهد لمياء المبيض بساط، وخبيرة حوكمة الطاقة ديانا القيسي، ورئيس تحرير مجلة طاقة الشرق ياسر هلال، إلى جانب نخبة من المسؤولين والخبراء.

 شكّل «الوبينار» الذي نظمه معهد باسل فليحان مساحة لطرح مقاربات مختلفة للمشروع، توزعت بين استشراف الفرص، وتفكيك التحديات، وقراءة التحولات الإقليمية التي تحكم إمكانية تنفيذه. وقد عكست مداخلات المتحدثين تبايناً في زوايا المقاربة، مع تقاطع واضح حول مركزية الجدوى الاقتصادية والدور المحتمل للبنان في حال توافر القرار السياسي.

 لمياء المبيّض بساط: مبادرة لإثارة اهتمام صناع القرار

لمياء المبيض بساط

بدأت حديثها بالتأكيد على أنه في لحظات التحدي الكبرى، يمتلك الإنسان خيارين: إمّا الاستسلام للسوداوية، أو التوجّه نحو البحث عن الفرص الكامنة. وهذا تحديداً ما يميّز المجتمع اللبناني، الذي أثبت مراراً قدرته على النهوض والاستمرار رغم الأزمات.

في هذا الإطار، أكدت لمياء المبيّض بساط على أن أبرز ما تعلمته من ممارسة الشأن العام هو أهمية الاستشراف، أي القدرة على قراءة التحولات واستباقها. هذا المفهوم يشكّل جوهر عمل معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، الذي ركّز على تطوير هذه المهارة في بناء السياسات العامة.

وأضافت، مع أن المعهد لا يعمل مباشرة في قطاع الطاقة، إلا أن التطورات السياسية والاقتصادية في المنطقة فرضت ضرورة مقاربة هذا القطاع من زاوية انعكاساته على المالية العامة في لبنان. فقد أظهرت الأرقام صعوبة تحقيق التوازن في الموازنة العامة، حتى من دون احتساب كلفة خدمة الدين، في ظل تراجع حاد في الإيرادات، سواء من السياحة أو التحويلات أو الرسوم الجمركية أو الضرائب، وهي موارد كان يُفترض أن تغطي النفقات التشغيلية والاستثمارية الأساسية.

هل يمكن طرح مشروع لبنان كمركز إقليمي للطاقة و«الإفراج» عن إنتاج الغاز البحري، على جدول أعمال المفاوضات المرتقبة مع أميركا وإسرائيل؟

وقد تعمّق هذا التراجع نتيجة الحرب، التي أدت إلى انكماش النشاط الاقتصادي وتعطّل مرافق حيوية، ما وضع الدولة أمام تحدٍ جوهري: كيف يمكن تأمين إيرادات مستدامة على المديين القصير والمتوسط، من دون اللجوء مجدداً إلى احتياطيات مصرف لبنان التي تشكّل صمّام أمان محدوداً للاستقرار؟

 مشروع خط الأنابيب العراقي: الأكثر قابلية للتنفيذ

انطلاقاً من هذا السؤال، ومن مبدأ الاستشراف، أشارت المبيض بساط إلى أن فكرة إعادة تموضع لبنان كدولة عبور لإمدادات النفط والغاز، استندت إلى موقعه الجغرافي ومزاياه النسبية. واعتبرت أن مشاريع إعادة تصدير النفط العراقي هي الأكثر قابلية للتنفيذ، نظراً للعلاقات المميزة بين البلدين، ولحاجة العراق الملحّة لإيجاد بدائل عن مضيق هرمز. خاصة أن صادرات النفط تشكّل نحو 90 في المئة من إيرادات موازنته، وأي تراجع فيها يهدد استقراره المالي والاقتصادي.

وقد أظهرت المعطيات أن هذه الصادرات شهدت تراجعاً كبيراً خلال فترة الحرب، ما دفع إلى طرح تساؤل أساسي: هل يمكن إحياء الخط التاريخي كركوك–بانياس–طرابلس؟ أو تطوير مسارات بديلة مثل خط البصرة–العقبة–بانياس وطرابلس؟

وذكرت أنه بناءً على ذلك، قمنا بإعداد ورقة أولية بهدف لفت انتباه صناع القرار إلى هذه الفرصة، انطلاقاً من قناعة بأن لبنان أمام إمكانية حقيقية لتحقيق إيرادات مباشرة كبيرة من رسوم العبور والتصدير. إضافة إلى عوائد غير مباشرة قد تكون أكثر أهمية على المدى الطويل. ولتوضيح أهمية هذا النموذج، يمكن الاستشهاد بتجارب دول مثل جورجيا التي يعتمد جزء أساسي من اقتصادها على عائدات العبور.

وفي هذا السياق، شددت المبيّض بساط على أن المقاربة لا يجب أن تكون أحادية، بل تقوم على مسارات متكاملة. بحيث لا يُستثنى مرفق طرابلس لصالح بانياس أو العكس، بل يتم تطوير الخيارين معاً. وتبرز أهمية طرابلس كمرفق استراتيجي متكامل، نظراً لما يتمتع به من قدرات لوجستية متقدمة، تشمل طاقة تخزينية كبيرة، وإمكانات لمناولة النفط الخام، ومراسٍ عائمة قادرة على استقبال ناقلات ضخمة تصل حمولتها إلى نحو 250 ألف طن.

كما يتميز موقع طرابلس الجغرافي بتأمين حماية طبيعية واستمرارية تشغيل على مدار السنة. إضافة إلى تمتّع لبنان بقدرات بشرية وتقنية عالية الجودة، ما يعزز فرص نجاح هذا الخيار. وتشير التقديرات إلى أن المشروع قد يحقق إيرادات تتراوح بين 200 و 275 مليون دولار سنوياً للخزينة اللبنانية، في حال تمّت إدارته بكفاءة وتجاوز العوائق التنظيمية والسياسية.

لتشكيل فريق عمل متكامل

وأكدت رئيسة معهد باسل فليحان أن تنفيذ هذا المشروع ليس سهلاً، إلا أنه ليس مستحيلاً، خاصة في ظل التحولات الإيجابية في إدارة الحكم في كل من العراق وسوريا ولبنان. إلا أن نجاحه يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتشكيل فريق عمل متكامل Steering Committee يضم خبرات سياسية ودبلوماسية وفنية واقتصادية ومالية، يعمل بشكل متواصل لوضع المشروع على سكة التنفيذ.

كما يستدعي الأمر إطلاق تحرك دبلوماسي رسمي لفتح قنوات تفاوض مع الدول المعنية، إضافة إلى إشراك شركاء دوليين، لا سيما في أوروبا التي تُعد من أكثر المناطق تأثراً بأي اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية. وقد انعكس ذلك بالفعل في ارتفاع أسعار الوقود وتأثيرها المباشر على التضخم والقدرة الشرائية، كما أظهرت تجارب مثل فرنسا.

خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: إغلاق ملتبس ومشاريع غير قابلة للتنفيذ (1 من 2)

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مضيق هرمز كـ”سلاح نووي اقتصادي”، نظراً لقدرته على التأثير العميق والمتدرّج على الاقتصاد العالمي، ما يفتح نافذة أمام دول مثل لبنان لإعادة تموضعها ضمن معادلات الطاقة.

دور معهد باسل فليحان: الاستشراف والمبادرة

أما على صعيد دور معهد باسل فليحان، فأوضحت المبيّض بساط أن مهامه تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية: إعداد أوراق السياسات العامة وتقديم المشورة، دعم الإصلاحات من خلال جهود الضغط (Lobbying) ، وبناء القدرات والتدريب والتشبيك مع المؤسسات والدول الصديقة. ومن هذا المنطلق، يبادر المعهد إلى طرح أفكار إصلاحية على الحكومات، كما حصل في مشروع الشراء العام.

المبيض البساط: لإنشاء فريق عمل متكامل لمتابعة المشروع على كافة المستويات السياسية  والدبلوماسية والمالية والفنية

وبصفته مؤسسة عامة مستقلة تعمل تحت وصاية وزير المالية، تحرص على عرض هذه المبادرات على الوزارة، وقد تم بالفعل طرح هذا المشروع، مع الإشارة إلى أن النقاش بشأنه كان قد بدأ سابقاً مع الجانب العراقي، قبل أن تؤدي التطورات السياسية والحرب إلى تأجيله.

وختمت بالتأكيد على أن هذا المشروع الاستراتيجي لا يمكن أن يُنجز من خلال جهة واحدة، بل يتطلب تنسيقاً واسعاً بين مختلف الوزارات والجهات المعنية، وفق “مخطط توجيهي” واضح يحدد الأدوار والمسؤوليات.

وفي المحصلة، تؤكد أن لبنان لا يجب أن يبقى في موقع المتلقي للمساعدات، بل عليه أن يتحول إلى بلد منتج للفرص، لأن التحدي الأكبر لا يقتصر على الأزمات المالية، بل يشمل خطر الفقر وغياب فرص العمل وتآكل الكرامة الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي، فإن خلق فرص العمل واستعادة الدور الإنتاجي يشكّلان المدخل الحقيقي لاستعادة الأمل وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

 ياسر هلال: البصرة بدل كركوك

ياسر هلال

 استهل حديثه بالتنويه بالمبادرة الاستشرافية لإدارة معهد باسل فليحان، لإطلاق مشروع متكامل لإيجاد منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي. مؤكداً على دقة وصف المشروع بأنه شريان حياة للعراق ولبنان وأيضاً لسوريا والأردن.

وعرض تصوره لهذا المشروع الذي يختلف عن التصور السائد بجزئية مهمة، وهي أن خط الأنابيب العراقي الأكثر قابلية للتنفيذ ليس الخط القائم، كركوك-بانياس-طرابلس. بل خط البصرة-حديثة الذي يتفرع إلى خطين الأول نحو العقبة بالأردن والثاني إلى بانياس وطرابلس. وهنا يمكن الاستفادة من الخط القائم حالياً بإنشاء وصلة تربطه بعقدة حديثة،.

وأرجع الأسباب الموضوعية لتغليب خيار البصرة على كركوك إلى:

  • يتركز إنتاج النفط في منطقة جنوب ووسط العراق حيث توجد حقول ضخمة مثل الرميلة، الزبير، مجنون، وغرب القرنة. كما تتركز فيها مشاريع الاستكشاف والإنتاج الضخمة التي تتولاها شركات أجنبية. وتقدر حصة حقول الجنوب والوسط بنحو 80 – 85 في المئة من إجمالي إنتاج العراق.
  • تراجع أهمية حقول الشمال بسبب تقادمها وبسبب المشاكل المزمنة مع حكومة إقليم كردستان. يضاف إلى ذلك ان العراق يمتلك خطين لتصدير نفط الشمال إلى ميناء جيهان التركي بطاقة تصميمية تقارب 2.5 م/ب/ي. مع طاقة فعلية حالياً تقدر بحوالي 1 م/ب/ي. في حين لا يتجاوز إنتاج حقول الشمال بعد تأهيلها حوالي 500 ألف ب/ي/. ما يعني هناك طاقة فائضة في قدرات النقل، وبالتالي لا داعي عملياً لإحياء خط كركوك-بانياس.
  • بالنسبة للاستفادة من خط كركوك-بانياس، فتلك مسألة خاضعة للفحص الدقيق لحالة الأنابيب ومحطات الضخ. حيث أظهر فحص بعض الأجزاء وجود تآكل شديد، ناهيك عن التخريب المتعمد لأجزاء أخرى ولبعض المحطات. إضافة إلى احتمال وجود نزاعات قانونية تتعلق بالاستملاكات والتعديات. وتم تداول تصريحات لمسؤولين عراقيين بأن تكاليف إعادة تأهيل الخط قد تعادل تكاليف إنشاء خط جديد.

خط البصرة : لماذا تعثر التنفيذ 45 عاماً؟

استعرض الباحث، تطور الخط منذ طرحه لأول مرة عام 1982 مع بداية الحرب العراقية-الإيرانية، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز. وقد استعيض عنه حينذاك بإنشاء خط عبر الأراضي السعودية، هو خط البصرة-خريص-ينبع. وتم إقفال الخط بعد غزو العراق للكويت، ثم مصادرته من قبل السلطات السعودية في العام 2003 استيفاء لديون مستحقة على العراق.

إقرأ أيضا: هل تكفي «وثيقة أميركية» غير موثقة لإحياء خط كركوك-بانياس؟

وجرت منذ الحين محاولات عديدة لوضع خط العقبة موضع التنفيذ، شملت إعداد دراسات لخيارات ومسارات مختلفة، وتوقيع مذكرات تفاهم بين الحكومتين العراقية والأردنية، ولكن دون أي نتيجة عملية.

وأرجع تعثر التنفيذ طوال تلك السنوات إلى عدة عوامل أهمها:

  • انتفاء الجدوى الاقتصادية: بسبب اقتصار نموذج العمل على تصدير النفط الخام، واقتصار التمويل على الحكومة العراقية. يقابل ذلك تضخم تكاليف الإنشاء. وكذلك تمسك الأردن بفرض رسوم عبور مرتفعة نسبياً، مع طلب سعر تفضيلي للكميات المخصصة للاستهلاك الداخلي. ما جعل تكلفة نقل البرميل تتجاوز 5 دولارات مقابل حوالي 60 سنتاً للنقل عبر مضيق هرمز.
  • إشكالية لوجستية: تتمثل بالموقع الجغرافي لخليج العقبة وبالتوزيع الجغرافي لصادرات النفط العراقية. فهذه الصادرات تتوجه بنسبة تتجاوز 80 في المئة إلى الدول الآسيوية ما يعني التخلص من مشكلة مضيق هرمز للوقوع في مشكلة مضيق باب المندب. أما الصادرات الموجهة إلى أوروبا ودول حوض المتوسط فتواجه مخاطر المرور عبر قناة السويس.

… وماذا تغير الآن؟

أجاب رئيس تحرير مجلة طاقة الشرق على هذا السؤال، بالقول: شهد العامان الماضيان تغيراً مفصلياً بعد إعادة تقييم شاملة لمسار الخط بإضافة تفريعة رئيسية إلى بانياس وطرابلس. وإعادة تقييم وتوسيع نموذج الأعمال ليشمل التكرير والتخزين إضافة إلى تصدير النفط الخام.

وانتقل التعاطي مع إنشاء الخط من مسار التعثر والتأجيل إلى مسار التنفيذ. فأصدرت الحكومة العراقية في  العام 2025 القرار التاريخي رقم (578) بتنفيذ المرحلة الأولى من أي البصرة–حديثة. كما تم تثبيت المشروع ضمن استراتيجية تنويع منافذ التصدير.

وفي مطلع العام 2026 بدأت تتوالى إجراءات التنفيذ وكان آخرها في 7 إبريل بدعوة الشركات لتقديم عروضها لتنفيذ المرحلة الأولى.

 طرابلس تصنع الفرق

وثيقة من وزارة النفط تتعلق بإنشاء مصفاة في طرابلس

إذا كانت التفريعة نحو البحر المتوسط تتجاوز المعوقات الجغرافية بضمان تصدير النفط الخام إلى أوروبا وحوض المتوسط بدون التعرض لمخاطر المضائق والممرات، فإن التفريعة نحو طرابلس تصنع الفرق الرئيسي وتضمن تجاوز عقبة الجدوى التجارية. إذ يتضمن المشروع إنشاء مركز إقليمي على المتوسط للتكرير والتخزين وتجارة النفط والمشتقات.

ويبدو حتى الآن أن منشآت النفط في طرابلس هي الموقع المفترض والمقترح لإقامة هذا المركز. ويرتكز ذلك إلى جملة من المزايا، أهمها:

  • أكبر مساحة مجهزة على ساحل المتوسط (حوالي 3 ملايين متر مربع)
  • توفر مرافق تخزين وتصدير جاهزة وقابلة للتوسعة والتطوير
  • اقتصاد حر يتيح اعتماد صيغ ملائمة للمشروع، خاصة لناحية الملكية
  • قطاع خاص ديناميكي وإمكانية جذب استثمارات وشراكات إقليمية ودولية
  • إمكانية إقامة مصفاة حديثة تلائم المعايير الأوروبية للمنتجات النفطية، مستفيدة من عدم وجود مصاف كافية على الساحل الشرقي للمتوسط، ففي سوريا هناك مصاف قديمة وصغيرة، في مصر مصاف مخصصة للاستهلاك المحلي، تركيا لديها مصاف حديثة ولكن العراق يتجنب الارتهان.

 هلال: طرابلس «تصنع» الجدوى الاقتصادية لخط الأنابيب، بنقله من تصدير الخام إلى مشروع متكامل للتكرير والتخزين وتجارة النفط والمشتقات

التحديات:

رغم امتلاك لبنان كافة المقومات لاستضافة المركز الإقليمي الموعود، لكن ذلك ليس بالمهمة السهلة كما يتخيل البعض كما قال هلال. واعتبر أن التحدي الأكبر هو المنافسة الشرسة بين دول شرق المتوسط تركيا، سوريا، لبنان، ومصر إضافة إلى إسرائيل التي ستسعى لعرقلة أي مشروع بانتظار التسوية الكبرى التي قد تسمح لها بدخول النسيج الإقليمي والفوز بالمشاريع الكبرى.

كما توجد تحديات أخرى يمكن التغلب عليها ومواجهتها أبرزها:

التحديات القانونية والتنظيمة: وتشمل أساساً العقد مع شركة روسنفت، وهو قائم من الناحية القانونية رغم إخلال الشركة وعدم التزامها بالتنفيذ، متذرعة بالقوة القاهرة الناجمة عن العقوبات التي فرضت عليها. ويفترض تسوية هذا العقد تداركا لنشوء نزاع قانوني يعطل أي استثمار
يضاف إلى ذلك تنظيف السجل القانوني المتعلق بالالتزامات التعاقدية القائمة لتطوير وتأهيل وتشغيل المنشآت

التحديات السياسية والأمنية: وأبرزها العرقلة المتوقعة من تركيا، إيران، إسرائيل، وربما مصر.إضافة إلى العلاقات المتغيرة بين دول المنبع والعبور والمصب، والمخاطر الأمنية المتعلقة بالجماعات المسلحة والعمليات الإرهابية

التحديات المالية والتشغيلية: مثل ضخامة التكلفة الرأسمالية وطول فترة الاسترداد، عقبة التمويل ومخاطر التأمين، الامتثال للمعايير البيئية خاصة بالجانب المتعلق بالتمويل، تنظيم الترانزيت والرسوم وخلق نظام موحد بين الدول الثلاث يضمن عدم فرض رسوم أو ضرائب مفاجئة

يمتلك العراق خطين لتصدير نفط الشمال

دعوة للعمل

أنهى ياسر هلال مداخلته بخلاصتين: الأولى هي أن لبنان يحتل موقعاً متقدماً للفوز بهذا المشروع الاستراتيجي الذي قد يسهم برسم ملامح دور جديد له في المنطقة كمركز إقليمي لتكرير وتصدير وتخزين وخدمات النفط وربما الغاز مستقبلاً. خاصة إذا نجحت الحكومة الحالية بتحريك ملف استكشاف وإنتاج الغاز في البحر. والأهم إحياء ملف استكشاف وإنتاج النفط والغاز في البر، والذي ينام مشروع القانون المتعلق بهذا الملف في أدراج مجلس النواب منذ سنوات طويلة.

أما الخلاصة الثانية فهي أن المشروع يحتاج إلى تحرك سريع ومنسق على أعلى المستويات. وربما يحتاج إلى تشكيل هيئة أو لجنة مرتبطة مباشرة برئيس مجلس الوزراء مع ممثلين للقصر الجمهوري ومجلس النواب، والوزارات المعنية. تتولى العمل على ثلاثة مسارات:

  1. المسار الداخلي: ويشمل دراسة الخيارات الممكنة للتنفيذ واختيار نموذج الأعمال الأجدى والأكثر قابلية للتفيذ. فهل يكون مشروعاً حكومياً مشتركا بين العراق وسوريا ولبنان. أم مشروع شركة بين القطاعين العام والخاص، أم يتم تمليكه لكونسورتيوم شركات خاصة. ما يفترض بالتالي دراسة أي خيار يعتمده لبنان للتعامل مع منشآت النفط في طرابلس، فهل يتم بيعها أم تقييمها واستخدامها للمساهمة في الكونسورتيوم الموعود إطلاق مفاوضات مع العراق وسوريا
  2. المسار الدبلوماسي: الدخول في مفاوضات شاملة مع الجانبين السوري والعراقي. ودراسة إمكانية وضع مشروع تحويل لبنان إلى مركز أقليمي للطاقة واستغلال ثروته الغازية البحرية على جدول المفاوضات المرتقبة مع أميركا وإسرائيل
  3. الشركاء الدوليون: فتح قنوات اتصال مع كبرى شركات النفط العالمية خاصة العاملة في جنوب ووسط العراق التي لها مصلحة فعلية في إيجاد بدائل لمضيق هرمز. وكذلك مع صناديق الاستثمار السيادية ومؤسسات التمويل الدولية لاستطلاع امكانيات التمويل ما يسهل تحديد الخيارات واتخاذ القرار

 ديانا القيسي: قراءة في ميزات لبنان التنافسية

ديانا القيسي

نوهت في بداية مداخلتها بالدور الاستشرافي لمعهد باسل فليحان. وقد عبرت رئيسة المعهد عن ذلك في أول تواصل بيننا حول هذا الموضوع بالقول أن ما ترونه تحولات وتحديات، انأ أرى فيه فرصة كبيرة.

وذكرت أن التحديات التي تواجه المشروع كثيرة ومتنوعة. ولكن نحن قادرون على مواجهتها بل على الاستفادة منها إذا أخذنا المبادرة وقرأنا جيداً التحولات العميقة التي تحصل حالياً. ومن بينها ما يعرف بدبلوماسية الأنابيب   pipeline diplomacy.

ميزات لبنان كدولة عبور

يجدر التأكيد هنا على أن إيجاد منافذ بديلة أو موازية لتصدير النفط والغاز هو هدف يتجاوز أزمة مضيق هرمز الحالية، ليطال بعداً أكثر شمولية هو أمن الطاقة. وهذا الأمن لا يتعلق فقط بما يعرف بتنويع مصادر الطاقة مثل الطاقة المتجددة وغيرها، بل بأمن إمدادات النفط والغاز والمشتقات. وهنا تبرز مسألة مهمة هي عامل الوقت والموثوقية في إيصال الشحنات إلى أسواق الاستهلاك. ولبنان يمتلك ميزة إضافية في هذا المجال هو قربه من الدول الأوروبية ودول حوض المتوسط.

القيسي: العقد مع «روسنفت» ملتبس ومجحف بحقول الدولة اللبنانية، ويجب العمل على إنهائه وتحرير منشآت النفط في طرابلس كشرط للاستفادة المثلى منها

وشددت على ضرورة دراسة التحول الكبير في سوريا الذي يفتح باباً واسعاً للتعاون والتكامل في تنفيذ مشاريع كبيرة واستراتيجية. وكذلك التحول المتدرج الحاصل في العراق والذي يعزز العلاقات المتميزة مع لبنان. مع الأخذ بالاعتبار الحاجة الماسة لدى العراق لتنويع منافذ تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز. وهذه الحاجة لا تقتصر على تأمين الإيرادات المالية التي تشكل نحو 90 في المئة من المداخيل، بل تطال أيضاً حماية آبار النفط، فمعروف أن وقف الضخ أو «إغلاق الحنفية» يؤدي إلى انخفاض الضغط وتضرر البئر بشكل يصعب إصلاحه أو يتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات كبيرة بأحسن الاحتمالات

الاستثمار في اللحظة

وبدون التوسع في رصد المتغيرات وهي كثيرة ومتشابكة، أكدت ديانا القيسي، على أن المطلوب حالياً المبادرة إلى الاستثمار في اللحظة to capitalize on this moment وذلك من خلال بلورة دراسة الخيارات المتاحة ووضع خطط واضحة لتنفيذها.

وهذه الخطط يفترض ان تستند إلى المزايا النسبية التي يمتلكها لبنان، وفي مقدمتها موقعه الجغرافي الاستراتيجي، فكيف إذا اقترن هذا الموقع بوجود بنى تحتية قائمة بالفعل ويمكن استغلالها وهي منشآت النفط في طرابلس. والورقة التي قمنا بإعدادها الأستاذة لميا وأنا تأتي في هذا السياق.

معالجة العقد المجحف مع «روسنفت»

وختمت خبيرة حوكمة الطاقة ديانا القيسي بالقول: هناك ملاحظة مهمة يجب التنبه لها، تتعلق بالعقد الموقع مع شركة «روسنفت». فقد تمكنا من الاطلاع عليه ودراسته. ويمكنني التأكيد على أنه عقد مجحف للغاية بحقوق الدولة اللبنانية. ولا أدري كيف تم توقيعه بدون دراسة كافية وما العبرة من التسرع بالتوقيع. ومع أن العقد يغطي التخزين فقط واستغلال جزء من المنشآت، لكن يجب مراجعته لناحية الاجحاف بحقوق الدولة ومعالجة الوضع القانوني لهذا العقد كخطوة استباقية ضرورية قبل المضي قدماً في أي مشاريع استراتيجية جديدة.

الخلاصة

في المحصلة، لا يطرح مشروع خط الأنابيب العراقي خياراً تقنياً فحسب، بل اختباراً سياسياً لقدرة لبنان على إعادة تعريف موقعه في خريطة الطاقة الإقليمية. فالمعطيات الجغرافية والاقتصادية متوافرة، والتحديات معروفة، لكن ما ينقص هو القرار. وبين من يقرأ التحولات الجارية كفرصة، ومن ينتظر نتائجها، يُخشى أن يُعاد رسم توازنات المنطقة من دون لبنان، لا بسبب غياب الإمكانات، بل بسبب التردد في توظيفها. وعندها، لن يكون السؤال لماذا لم يُنفذ المشروع، بل لماذا لم يُطرح أصلاً كخيار استراتيجي في الوقت المناسب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى