قمة عون-أردوغان: ترسيم الحدود البحرية مع سوريا… لا إلغاء الترسيم مع قبرص (1 من 2)

مع أن اجتماع الرئيس اللبناني جوزاف عون مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يحظَ بالاهتمام السياسي والإعلامي الذي حظي به الاجتماع التاريخي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أنه قد لا يقل أهمية عنه. خاصة إذا صحّ اعتبار قمة أنقرة بمثابة الجانب التنفيذي لمخرجات قمة واشنطن. وأبرز تلك المخرجات، حجز مقعد لبنان على مسرح توازنات المنطقة التي تتشكّل حالياً، وليس بين المتفرجين. فإلى جانب القضايا السياسية المتعلقة بدور تركيا في المفاوضات مع إسرائيل والتدخل السوري المحتمل لمعالجة مشكلة حزب الله، يبرز تساؤل مهم حول المباحثات والتوافقات المتعلقة بقضايا اقتصادية حساسة. لعلّ أهمها، قضية ترسيم الحدود البحرية واستغلال الموارد البترولية، ودور لبنان كمركز إقليمي لتكرير وتخزين النفط العراقي.

طبعاً، البيان الختامي للقمة وتصريحات الرئيسين عون وأردوغان لا توفران معطيات كافية عن هذين الملفين، لكن توفّران أساساً متيناً لبناء تحليل متماسك بشأنهما.

نقض اتفاقية الترسيم مع قبرص: لا تركيا تطلب، ولا لبنان يوافق

لنوضح بدايةً أن قضية ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط كانت حاضرة بشكل مباشر وصريح في المؤتمر الصحافي للرئيسين عقب الاجتماع، وإن بصياغة حذرة ومدروسة تعكس أهمية وحساسية هذه القضية. إذ تم الاكتفاء بالإشارة إلى أن المباحثات تناولت «التطورات في شرق المتوسط، بما في ذلك ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسوريا».

إقرأ أيضاً: غاز لبنان: «هزة» ترسيم الحدود البحرية التركية السورية و«إرتداداتها»

ويمكن الاستناد إلى هذه العبارة لتوضيح ثلاث نقاط مركزية هي: نقض السردية الخاطئة ولكن الشائعة، المتعلقة بضغط تركي على لبنان للتراجع عن اتفاقية الترسيم مع قبرص. والثانية، بناء سردية جديدة هي ترسيم الحدود مع سوريا. والثالثة، هي التوجه الاستراتيجي لتركيا لإنهاء ما تعتبره «الظلم والإجحاف التاريخي بحقوقها كدولة بحرية».

محموعات الجزر التي تطالب بها تركيا

ونشرح باختصار:

أولاً: الاتفاقية اللبنانية-القبرصية غير قابلة للنقض

شكّلت اتفاقية الترسيم مع قبرص، بالنسبة للبنان، مكسباً استراتيجياً وكانت «ضربة معلم»، لأنها أخرجته من الصراع المرير بين تركيا وقبرص على المياه البحرية المحاذية للمياه اللبنانية. كما شكّلت، بالنسبة لقبرص، ورقة تفاوضية مهمة في ذلك الصراع. أمّا بالنسبة لتركيا، فكانت نكسة كبيرة، وذلك ما يفسر الموقف المعارض للترسيم مع قبرص منذ العام 2007.

ولكن يجدر التنبّه هنا إلى أن تركيا لن تذهب في معارضتها للاتفاقية إلى حدّ الضغط على لبنان لإلغائها أو حتى تعديلها، كما يشاع. فهي تدرك أن نقض الاتفاقية أمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن في حكم المستحيل.

إقرأ أيضاً: دراسة قانونية لاتفاقية ترسيم الحدود اللبنانية القبرصية:

بين الاجتهاد والاستغلال السياسي

فقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 26 فبراير 2026، وسُجّلت رسمياً لدى الأمم المتحدة تحت الرقم 59144 بتاريخ 7 أبريل 2026. ومعروف أن تعديل أو إلغاء اتفاقيات ترسيم الحدود بين دولتين لا يمكن أن يتم بناءً على طلب أي منهما بدون موافقة الدولة الأخرى. فقد نصّت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات صراحةً، في المادة 62، على استثناء اتفاقيات ترسيم الحدود من مبدأ «تغيّر الظروف الجوهري» الذي يسمح بإبطال أي معاهدة من قبل أحد الطرفين. فيما يبقى التعديل ممكناً فقط بموافقة قبرص، وهو أمر مستبعد تماماً.

ثانياً: الترسيم مع سوريا، مصلحة لبنانية و«هدية» لتركيا

يُعتبر ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وسوريا، وفقاً للمنظور التركي للمنطقة الاقتصادية الخاصة، ورقة تفاوضية قوية بيد تركيا. وتزداد قوتها في حال إبرام اتفاقية لترسيم الحدود بين سوريا ولبنان. ولا شكّ أن هذه الاتفاقية ستواجه باعتراض شديد من قبل قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي. وهو ما حدث فعلاً حين دعا وزير النقل التركي في 23 ديسمبر 2024، وبعد سقوط نظام الأسد، إلى «مجرد» السعي لبدء مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع سوريا.

ويتوقع أن يتعرض لبنان لضغوط قبرصية وأوروبية لمنع الترسيم مع سوريا قبل التنسيق مع قبرص باعتبارها طرفاً ثالثاً. ولكن يتوقع أيضاً أن لا يستجيب لبنان لهذه الضغوط، لعدة أسباب أهمها:

  • يحقق الترسيم مصالح مؤكدة له، أهمها تشجيع الشركات النفطية على استغلال موارده البترولية.
  • يتم وفق مبدأ المعاملة بالمثل، إذ قامت قبرص بترسيم حدودها البحرية مع إسرائيل بدون التنسيق مع لبنان وحتى بدون التشاور معه.
  • يشكّل «ردّ التحية بأحسن منها» بالنسبة لتركيا، مقابل دعمها، ومقابل عدم مراعاة اعتراضها على الترسيم مع قبرص.

ثالثاً: الجائزة الكبرى لتركيا: استعادة «البحر التركي»

أي مقاربة لملف الحدود البحرية في شرق المتوسط، يفترض أن تأخذ بالاعتبار أن أحد أهم أسس السياسة الخارجية وحتى الدفاعية لتركيا هي استعادة وضعها الجغرافي والتاريخي كدولة بحرية. وذلك محل إجماع وطني يشمل حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة. ويستندون في ذلك إلى أن المعاهدات التي رسمت أو ساهمت برسم الحدود البحرية لتركيا الحديثة (سيفر 1920، ولوزان 1923، وباريس 1947) فرضت شروط المنتصر في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وتضمّنت ما يعتبره الأتراك «ظلماً وإجحافاً لتركيا بمحاصرتها لنحو قرن من الزمن في شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز كيلومترين في كثير من المواقع».

إقرأ أيضاً: غاز شرق المتوسط أسير أحقاد التاريخ ونزاعات الجغرافيا

عقيدة الوطن الأزرق والمسألة القبرصية

وتجسّدت تلك الأسس بما بات يُعرف بعقيدة «الوطن الأزرق» أو «الوطن المائي»، والتي تقضي بزيادة المياه البحرية التركية من حوالي 42 إلى 462 ألف كلم². ويُعتبر الأتراك هذه العقيدة أو الاستراتيجية، بمثابة حرب استعادة «البحر التركي»، شبيهة بحرب استعادة «البر التركي» التي خاضها أتاتورك.

أما أسباب ما يعتبره الأتراك «إجحافاً وظلماً» فتتخلص بما يلي:

  1. وضع مجموعات جزر بحر إيجه القريبة من البر التركي تحت السيادة اليونانية، وإعطائها ما يُعرف بالتأثير الكامل في ترسيم الحدود البحرية. ويُعدّ أبرز الأمثلة على ذلك جزيرة كاستيلوريزو (ميس بالتركية)، التي تبعد نحو كيلومترين عن البر التركي، ونحو 580 كيلومتراً عن البر اليوناني. وتؤكد وزارة الخارجية التركية أن منح الجزيرة أثراً كاملاً في الترسيم يمنح اليونان منطقة بحرية إضافية تقارب 40 ألف كيلومتر مربع. وهو ما تعتبره أنقرة أمراً غير معقول وغير منسجم مع القانون الدولي.
  2. المسألة القبرصية: ترتبط هذه المسألة بالحدود البحرية من خلال الواقع الجيوسياسي للجزيرة وتقسيمها إلى شطرين، يوناني وتركي، بعد التدخل العسكري التركي في 1974. ومن ثم إعلان قيام جمهورية شمال قبرص التركية في 15 نوفمبر 1983. ورغم عدم اعتراف أي دولة بهذه الجمهورية سوى تركيا، فقد قامت بترسيم حدود مياهها الإقليمية ومنطقتها الاقتصادية الخاصة، وتوقيع اتفاقية لترسيم حدودها مع تركيا، وتم إيداع الترسيم لدى الأمم المتحدة.

كما ترتبط المسألة القبرصية بالترسيم أيضاً، من خلال اعتراض تركيا على المنظور القبرصي للحدود البحرية، باعتبارها جزيرة تقع بين مصر وتركيا اللتين تمتلكان أطول السواحل. وقد ترتب على ذلك ترسيم تركيا لمنطقتها الاقتصادية الخالصة باقتطاع أجزاء كبيرة من المياه القبرصية، وباتت بالتالي مناطق متنازع عليها.

لكن فهم هذا المسار لا يكتمل عند حدود الترسيم بين لبنان وسوريا. فالقضية ترتبط أيضاً بصراع أوسع حول مستقبل شرق المتوسط، حيث يتنافس مشروعان، تركي وإسرائيلي، لإعادة تنظيم الطاقة والممرات والحدود البحرية. وهذا ما يتناوله الجزء الثاني من هذا المقال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى