قمة عون-أردوغان: هل تنجح تركيا بإعادة رسم خرائط شرق المتوسط؟ (2 من 2)
خلص الجزء الأول من هذا المقال، إلى أن مصلحة تركيا لا تكمن في الضغط على لبنان لإلغاء اتفاقية الترسيم البحري مع قبرص، بل في استكمال شبكة الترسيم عبر سوريا. لكن هذا الاستنتاج يثير سؤالاً أوسع: لماذا تتحرك أنقرة الآن باتجاه إعادة رسم خرائط شرق المتوسط. وكيف يمكن أن تتعامل الولايات المتحدة مع هذا الملف الشائك في ظل تناقض المشاريع بين حلفائها في المنطقة؟
إذا صحّت المؤشرات التي تفيد بسعي أنقرة لاستمالة بيروت لترسيم حدودها مع سوريا تبعاً للمنظور التركي، فإن ذلك سيكون استكمالاً لتجميع أوراق القوة استعداداً للمواجهة الكبرى مع اليونان وقبرص، أو للتسوية الأكبر. ومن بين هذه الأوراق:
- تحصين ورقة مهمة، هي مذكرة التفاهم لترسيم حدودها البحرية مع ليبيا، التي وقعتها عام 2019 مع حكومة الوفاق الوطني (الغرب الليبي). حيث أقرت حكومة الاستقرار الوطني في الشرق الليبي، المدعومة من القوات المسلحة بقيادة خليفة حفتر، هذه الاتفاقية التي كانت ترفضها سابقاً. وتعتبر أنقرة أن ترسيم الحدود مع ليبيا «يقلب موازين القوى ويعيد رسم خرائط شرق المتوسط»، كما قال نائب الرئيس التركي.
- الورقة الثانية ظهرت في شهر مايو 2026، حين تم الكشف عن مسودة مشروع قانون داخلي يستهدف تكريس المنظور التركي لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة في بحار إيجه والمتوسط والأسود. ومع أن المشروع يستند إلى عقيدة «الوطن الأزرق»، فقد تم تجنب استخدام هذا المصطلح عمداً للحفاظ على هامش للمناورة في التفاوض مع اليونان وأوروبا، كما قال أحد المسؤولين في مجلس السياسات القانونية الرئاسي.
إقرأ أيضاً: نفط البصرة لا كركوك… إلى بانياس وطرابلس، وتسوية «إرضائية» لتركيا
الترسيم مع سوريا ولبنان بعد ليبيا
أما الورقة الثالثة الأكثر أهمية، فستكون ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، والتي يتم استكمالها بترسيم الحدود البحرية اللبنانية-السورية. ولذلك أشرنا في الجزء الأول إلى أن تركيا تدرك تماماً أن مصلحتها تكمن، بالنظر إلى المستقبل، والعمل على تجميع أوراق قوة قابلة للتنفيذ، وليس “النبش في الماضي” والضغط لتعديل اتفاقية ترسيم الحدود اللبنانية-القبرصية
تركيا تراكم أوراق تفاوض مستقبلية وقابلة للتنفيذ مثل الترسيم االتركي-السوري-اللبناني، وليس “النبش في الماضي” لإلغاء الترسيم اللبناني-القبرصي
ولكن تجميع أوراق التفاوض، شيء، ونتيجة التفاوض شيء آخر مختلف، خاصة وأن المسعى التركي يتعلق بإعادة رسم خرائط. شرق المتوسط. وذلك أمر تحدده عوامل متشابكة لعل أهمها مواقف الدول الكبرى وتوازن القوى والمصالح في لحظة تاريخية محددة.
ماذا عن الموقف الأميركي؟
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يحظى المسعى التركي بموافقة أميركية، ولو ضمنية، تجعله قابلاً للتطبيق فعلياً رغم المعارضة الأوروبية؟
يمكن القول، استناداً إلى استقراء التطورات، إن أميركا ليست في وارد إعلان موقف في هذه المرحلة، بانتظار انتهاء الحرب مع إيران، أو الأصح، بانتظار انتظام إيران في الفلك الأميركي، ودخول المنطقة طور الاستقرار، بما يسمح بالانتقال إلى تصفية بؤر التوتر، وفي مقدمتها نزاعات الحدود وإعادة رسم خرائط شرق المتوسط.
إعادة رسم الخرائط ليست أوراقَ تفاوضٍ فقط، بل هي توازنُ قوى دولية وإقليمية، وتقاطعُ مصالح أشبه بـ«اصطفاف الكواكب»
غير أن الموقف الأميركي لن يكون محكوماً ببلورة حل وسط بين الموقفين التركي واليوناني-القبرصي كما يشاع، فتلك مقاربة تبسيطية. فالأمر سيكون، في حال دخلت المنطقة مرحلة الاستقرار تحت المظلة الأميركية، أكثر تعقيداً وتشابكاً، لأنه يتطلب مراعاة توازنات وصراعات سياسية واقتصادية وتاريخية بين قوى كلها حليفة لأميركا.
إقرأ أيضاً: إحياء الترسيم البحري بين تركيا وليبيا: الغاز يعيد رسم خرائط شرق المتوسط
مشروعان إقليميان متضاربان: تركي وإسرائيلي
أكثر الأمثلة دلالة على ذلك هو سعي تركيا لبلورة تحالف أو الأصح مشروع إقليمي، يضم سوريا ولبنان والعراق، مع التركيز على ضم مصر أو تحييدها على الأقل. وذلك مقابل مشروع إسرائيلي منافس يضم قبرص واليونان والأردن، وينطلق من منتدى غاز شرق المتوسط، مع السعي للضغط على لبنان للانضمام إليه، وربما سوريا أيضاً. ومن بين المجالات الظاهرة للتنافس بين هذين المشروعين، مسارات الممرات الاقتصادية، وخطوط أنابيب النفط. فالمشروع التركي يضغط مثلاً لاعتماد خيار سوريا ولبنان لخط أنابيب النفط العراقي، بينما يضغط المشروع الإسرائيلي لاعتماد تفريعة حديثة-العقبة، تمهيدا لإضافة خط قصير من العقبة إلى إيلات لاحقاً.
وبذلك لا يقتصر المشهد على خلاف قانوني حول ترسيم الحدود، بل يمتد إلى مشروعين إقليميين متنافسين على تنظيم الطاقة والممرات والحدود البحرية، وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً من مجرد رسم خط فاصل في البحر.
وسيكون مراعاة كل هذه التعقيدات لبلورة حلول ترضي جميع حلفاء أميركا أقرب إلى مشهد «اصطفاف الكواكب».
موقف أميركا عاملٌ مقرر، لكنه محكوم بالموازنة بين المشاريع الإقليمية المتضاربة لحلفائها، مثل تركيا وإسرائيل
الخلاصة
يسعى لبنان، ولأول مرة منذ عدة عقود، إلى حجز مقعد له في التوازنات الإقليمية، على قاعدة الحياد الإيجابي في الصراعات والاصطفافات، ولترسيخ دور جديد كنقطة تقاطع لمصالح القوى الإقليمية والدولية، بدلاً من دوره القديم كساحة لصراعاتها.
وتشكل تجربة ترسيم الحدود البحرية، انطلاقاً من الموازنة بين تعزيز علاقاته مع تركيا والحفاظ على أفضل العلاقات مع قبرص وأوروبا، نموذجاً لهذه المساعي. وتأخذ هذه التجربة أبعاداً أكثر أهمية إذا ساهمت في دفع تركيا إلى تأييد ودعم خيار مشاركة لبنان في مشروع خط أنابيب النفط العراقي البصرة-حديثة-بانياس-طرابلس، من خلال إقامة مركز إقليمي للتكرير والتخزين في منشآت نفط طرابلس.



