هل يجوز إصلاح خطأ تغليب أمن المناخ «بخطيئة» تغليب أمن الطاقة؟
أوضحنا في مقال نشرناه عام 2023 أن الفصل القسري بين أمن الطاقة وأمن المناخ سيُفضي حتماً إلى اهتزاز عنيف في أمن الطاقة أولاً، ثم تراجع خطير عن مكتسبات المناخ ثانياً. وذلك ما تحقق. غير أن ما نشهده منذ مطلع 2025 ليس تصحيحاً للمسار، بل انقلاباً من خطأ إلى خطيئة مضادة: من تغليب أمن المناخ على حساب الطاقة، إلى التخلي عن المناخ بحجة أمن الطاقة. وكلتا المقاربتين وجهان لخطأ واحد: الفصل حيث يجب التلازم.
الخطأ الأول: سنوات «الإفراط الأخضر»
لم يكن التزام الدول الصناعية بأهداف أمن المناخ على حساب أمن الطاقة خطأً في حد ذاته. الخطأ كان في توظيف هذا الالتزام كذريعة لضرب الاستثمار في الوقود الأحفوري قبل نضوج البديل. وكان السبب الفعلي، تحقيق مصالح اقتصادية وجيوسياسية. وقد رصدنا في تحليلنا السابق كيف انخفضت الاستثمارات في قطاع النفط والغاز عام 2020 بنسبة تقارب 50 في المئة عن معدلاتها التاريخية. في وقت كان الطلب العالمي لا يزال ينمو. حيث ارتفع الطلب على الفحم وحده بمعدل 3.2 في المئة سنوياً منذ عام 2020، ليبلغ ذروة تاريخية عام 2024، وفق تقرير Resources for the Future.
إقرأ أيضاً: أمن الطاقة وأمن المناخ: بين فضيلة الدمج ورذيلة الفصل (2 من 2)
وقد حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي بوضوح من أن “الخطر الأكبر على أمن الطاقة هو إدارة انتقال طاقوي مختل يفشل في مزامنة تراجع الاستثمار في الوقود الأحفوري مع تراجع الطلب عليه”. وهذا بالضبط ما جرى.
وحين اندلعت الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022 كاشفةً هشاشة البنية الطاقوية الأوروبية، لم تكن صدمةً مفاجئة بقدر ما كانت فاتورة تأخّر تسديدها. فقد اضطرت حكومات الاتحاد الأوروبي إلى إنفاق ما يزيد على 379 مليار يورو في عام واحد لدعم قطاع الطاقة، مقارنة بـ213 ملياراً في العام السابق. وعادت بعض الدول الأوروبية التي كانت تتباهى بأهدافها، إلى إعادة تشغيل محطات الفحم المغلقة. وارتفع استهلاك الغاز الطبيعي في منظومة الكهرباء الأوروبية بنسبة 11.4 في المئة عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه، مما رفع فاتورة واردات الغاز للقطاع إلى 32 مليار يورو.
كانت الأزمة تردد بصوت مرتفع تحذيرات رئيس «أرامكو السعودية» أمين الناصر من أن: “السياسات المتسرعة للتحول من الطاقة الأحفورية ليست سوى قصور من الرمال جرفتها أمواج الواقع”.
الخطأ الثاني: موجة التراجع عن المناخ
لو كان صانعو السياسات في الدول الصناعية قد استخلصوا الدرس الصحيح من أزمة 2022، لبحثوا عن معادلة متوازنة تجمع الأمنين لا تُفاضل بينهما. لكن ما جرى كان عكس ذلك تماماً: انقلاب من تطرف إلى تطرف مضاد.
في واشنطن، وفي ساعاته الأولى في المكتب البيضاوي، أعلن الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ. وأعلن أن الولايات المتحدة لن “تُخرّب صناعاتها بينما تلوث الصين بلا حدود”. وأصدر مراسيم أعادت السماح بالتنقيب عن النفط في المناطق المحمية بما فيها ألاسكا. وأوقف مشاريع طاقة الرياح الجديدة على الأراضي الفيدرالية. وألغى حزمة التشريعات المناخية لعهد بايدن. بل ذهب وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إلى المطالبة بأن تتخلى وكالة الطاقة الدولية عن “أجندة الصفر الصافي” والتركيز على أمن الطاقة فحسب. وتوّجت واشنطن تراجعها بالانسحاب من صندوق الخسائر والأضرار المناخية كلياً في مطلع 2025، في خطوة أثارت انتقادات دولية واسعة.
إقرأ أيضاً: بين أمن الطاقة وأمن المناخ: إرتبكت أميركا وأربكت العالم (1 من 2)
في أوروبا، أعلن الاتحاد الأوروبي تحت ضغط المستشار الألماني فريدريش ميرتز وصناعة السيارات التخليَ عن حظر سيارات محركات الاحتراق الداخلي المقرر عام 2035. وشهدت اللوائح البيئية الأوروبية تراجعاً واسعاً وصفه المراقبون بأنه تحوّل من “إعادة التصنيع الخضراء” إلى الاحتجاج بالتنافسية الاقتصادية.
تراجع أمن الطاقة وأمن المناخ
أما الصين، فنموذجها مختلف في الشكل لكنه متطابق في الجوهر. فبينما تقود العالم في تطوير وتسويق أنظمة ومنتجات الطاقة المتجددة، شرعت عام 2024 في تشييد 94.5 غيغاواط من محطات الفحم الجديدة. وهو أعلى مستوى في عشر سنوات، وفق تقرير مشترك لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف ومنظمة Global Energy Monitor. وكانت الصين قد استأثرت في العام 2023 بحوالي 95 في المئة من إجمالي مشاريع الفحم الجديدة في العالم. ثم جاء عام 2025 أشد وطأةً، إذ قفزت مشاريع الفحم الجديدة والمُعاد تفعيلها إلى 161 غيغاواط وهو رقم قياسي غير مسبوق. ويرجع ذلك جزئياً إلى تراجع إنتاج المحطات المائية بسبب الجفاف وتذبذب الطاقة المتجددة. وهو مثال حي على ما يحدث حين يُدار مزيج الطاقة بمنطق الأمن الآني لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي.
إقرأ أيضاً: أوروبا أمام الخيار المؤلم: مقايضة الأمن بالمناخ
والمفارقة الكبرى في هذا كله: أن هذا التراجع الجماعي يجري في أعقاب العام الأكثر حرارة في التاريخ المسجّل. وبينما تُشير وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لعام 2024 إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية سجلت رقماً قياسياً، وبلغت 37.8 مليار طن رغم الاستثمار القياسي في الطاقة النظيفة الذي تجاوز 2.1 تريليون دولار. أما الطلب العالمي على النفط فلا يُبدي أي اتجاه للتراجع. إذ تتوقع «أوبك» في تقريرها الأخير أن يرتفع من 103.7 مليون برميل يومياً عام 2024 إلى 113.3 م/ب/ي في 2030، ثم إلى قرابة 123 م/ب/ي يومياً بحلول 2050.
الدول النامية تدفع الثمن
لعل أوضح تجليات هذا التراجع عن الأهداف المناخية، هي نتائج مؤتمري المناخ COP29 في باكو نهاية 2024، و COP30 في ليما في البرازيل. وكشف النقاش حول صندوق الخسائر والأضرار الهوّةَ الفاضحة بين خطاب المناخ وواقعه. فقد بلغ مجموع ما تعهّدت به الدول الغنية للصندوق حتى أبريل 2025 نحو 768 مليون دولار فقط. في مقابل تقديرات بأن الدول النامية ستحتاج ما يصل إلى 580 مليار دولار سنوياً لمواجهة الخسائر المناخية بحلول 2030. أي أن ما جُمع لا يتجاوز 0.2 في المئة من الحاجة الفعلية.
وحين تعهّدت الدول الغنية في COP29 بمبلغ 300 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، بدلاً من 1.3 تريليون دولار، الذي طالبت به الدول النامية، وصفت المفاوِضة الهندية شانداني راينا ما جرى بأنه “إجراء غير عادل” قُبل تحت الضغط. فيما وصفت مجموعة المفاوضين الأفارقة الرقمَ بأنه “قليل جداً وجاء متأخراً جداً.” أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش فأقرّ بأن الاتفاق “يبقى بعيداً عن المثالي.”
لماذا يفشل كلا الخطأين بالضرورة؟
ثمة منطق عميق يجعل المقاربتين: تغليب أمن المناخ، أو تغليب أمن الطاقة، محكومتَيْن بالفشل. وهذا المنطق يكمن في طبيعة التلازم بين الأمنين والذي يمكن رصده على أكثر من مستوى:
أولاً: الوقود الأحفوري يُهدد أمن الطاقة ذاته. الاعتماد على مصادر طاقة مستوردة تتأثر بالتقلبات الجيوسياسية يجعل أمن الطاقة رهيناً لقرارات خارجية. حين كانت أوروبا تعتمد على الغاز الروسي، لم تكن تتمتع بأمن طاقة حقيقي، بل كانت تشتري وهماً بالأمان.
أميركا تنسحب من اتفاقية المناخ و «تحاكم» IEA… فهل يأتي دور IRENA؟
ثانياً: الطاقة المتجددة المُدارة بعقلانية ترسّخ أمن الطاقة. فالرياح والشمس لا تخضع للعقوبات ولا تمر بمضائق يمكن إغلاقها. والدليل أن ارتفاع الطاقة المتجددة أتاح لدول الاتحاد الأوروبي تفادي واردات وقود بقيمة 71 مليار يورو عام 2022 وحده. ويرتفع الرقم إلى 115 مليار يورو من فاتورة واردات الوقود الإجمالية منذ عام 2010، وفق بنك الاستثمار الأوروبي. أي أن الطاقة المتجددة أدّت دور الوسادة الأمنية في اللحظة الأشد قسوة.
ثالثاً: الانهيار المناخي يُهدد أمن الطاقة مباشرة. فموجات الحر تُقلّص كفاءة خطوط النقل الكهربائي. الأعاصير تُدمّر البنية التحتية. والجفاف يُعطّل المحطات الكهرومائية، وذلك ما دفع الصين إلى العودة للفحم حين أضعف الجفافُ محطاتها الكهرومائية عامَي 2021 و2022. فالتغير المناخي ليس مشكلة بيئية مستقلة، بل هو تهديد جدي لأمن الطاقة ذاته.
رابعاً: التحول الطاقي غير المدار بعناية يُنتج أسوأ النتائج. فحين تتراجع الاستثمارات في الوقود الأحفوري بسرعة تفوق نضوج البديل، تنشأ فجوة إمداد خطيرة. وحين يتراجع الاستثمار في الطاقة النظيفة قبل أن يكتمل التحول، تنشأ فجوة مناخية كارثية. وكلا الفجوتين وجهان لخطأ واحد: اختلال التزامن.
الحل في التلازم لا في المفاضلة
استعرنا في مقالنا السابق حول فضيلة الدمج بين أمن الطاقة وأمن المناخ، مقولة وينستون تشرشل في العام 1913 بأن «التنوع والتنوع وحده يوفر الحل» لكننا اليوم نُضيف: التنوع وحده لا يكفي ما لم يقترن بالتزامن والتكامل المُدار.
المطلوب ليس الاختيار بين الأمنين، بل بناء سياسة طاقوية تُحقق ثلاثة شروط في آنٍ واحد: أمن الإمدادات، والاستدامة البيئية، والقدرة على تحمّل التكلفة. هذا ما تُسميه وكالة الطاقة الدولية “المثلث الطاقوي”.
وكما أشرنا في تحليلاتنا عن الطاقة المتجددة بين طموحات التحول وحقيقة الإضافة، فإن التحول الطاقوي الحقيقي لا يعني هجر الوقود الأحفوري بين عشية وضحاها. بل إدارة مزيج طاقوي يتطور بذكاء، حيث يتراجع دور الوقود الأحفوري بالتوازي مع نضوج البديل وتوافره وقدرته على الاستيعاب.
الدول التي ستتمتع بأمن طاقة حقيقي في العقود القادمة ليست تلك التي راهنت كل رهاناتها على الوقود الأحفوري، ولا تلك التي تسرّعت في هجره. بل تلك التي أدارت التزامن بعقل استراتيجي> وفهمت أن أمن المناخ وأمن الطاقة ليسا خيارَيْن متعارضَيْن، بل توأمان لا ينفصلان.



