الأمن الطاقي في شرق المتوسط: مصركنموذج ومركز للشراكات الإقليمية
شهدت منطقة الشرق الأوسط موجة من التوترات التي أعادت ملف الأمن الطاقي إلى مقدمة أولويات صانعي القرار. بين ضربات استهدفت منشآت نفطية، وقلق حول سلامة ممرات الشحن الحيوية كمضيق هرمز، تبدلت خريطة الإمداد بسرعة، وبرزت حاجة عاجلة إلى سياسات إقليمية متماسكة تقلل من التعرض للصدمات.
تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن نحو 20 في المئة من إنتاج النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز (حوالي 20.9 مليون برميل يومياً). ويوضح الارتفاع المؤقت في أسعار خام برنت إلى نحو 81 دولاراً للبرميل هشاشة الأسعار وسلاسل الإمداد أمام أي تصعيد جيوسياسي. وأصبحت كل صفقة عبور أو تصدير عبر الحدود أداة اقتصادية وسياسية في آن واحد.
صدمة الإمداد وتعقيدات سوق الغاز
شهد التصعيد العسكري الإيراني – الإسرائيلي في يونيو 2025 تداعيات مباشرة على إنتاج النفط والغاز في البلدين. ففي إيران، أدت الضربات الإسرائيلية إلى تعطيل كامل تقريباً لصادرات النفط. حيث توقفت صادرات إيران عند نحو 102 ألف برميل يومياً خلال أسبوع التصعيد. مقابل متوسط نحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل ذلك. وفي قطاع الغاز، أعلن عن تعليق جزئي لإنتاج حقل «بارس الجنوبي» المشترك مع قطر، وهو حقل عملاق يوفر نحو 610 ملايين متر مكعب يومياً (نحو 80 في المئة من إجمالي الغاز الإيراني).
إقرأ أيضاً: «هندسات» مصرية لتحرير غاز غزة
إقرأ أيضاً: مصر والغاز الإسرائيلي: بين الارتهان والغاز المسال
أما في إسرائيل، فقد أوقفت الحكومة الإنتاج في حقلي الغاز البحريين «ليفياثان» و«كاريش» (تشغلهما شركتا شيفرون وإنرجين)، مما أدى إلى فقدان نحو ثلثي إمدادات الغاز الطبيعي. واضطرت إسرائيل إلى الاعتماد على الفحم والسوائل النفطية لتعويض نقص الوقود للإنتاج الكهربائي. ومعروف ان حقل «ليفياثان» ينتج حوالي 11.33 مليار متر مكعب في 2024، معظمها يُصدَّر إلى مصر والأردن.
وبرغم الاضطرابات، لم يلجأ تحالف (أوبك بلس) إلى خفض الإنتاج. إذ شدد الأمين العام لمنظمة أوبك هيثم الغيص على أن “التصعيد لا يبرر أي تغييرات فورية في المعروض النفطي، طالما أن الأسواق ما تزال مستقرة”. وفي اجتماع يوليو 2025، قرر التحالف رفع إنتاجه بنحو 548 ألف برميل يومياً في أغسطس، بعد زيادات تدريجية سابقة بنحو 412 ألف برميل، استناداً إلى توقعات بتحسن الطلب واستقرار السوق.
وضع مصر وتحديات الغاز
بالنسبة لمصر، ورغم عدم تأثرها بشكل مباشر بالتوترات السياسية والعسكرية في المنطقة، إلا أنها واجهت مشكلة تراجع إنتاج الغاز في بعض الحقول، مما اضطرها إلى زيادة وارداتها من الغاز سواء عبر الأنابيب أو الغاز المسال. الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأعباء المالية نتيجة فارق التكلفة بين إمدادات الغاز الطبيعي المحلي أو المستورد من خلال الأنابيب، وبين الغاز المسال الذي تزيد عليه تكاليف النقل والتسييل ومن ثم التغويز.
في هذا السياق، جرى الإعلان مؤخراً عن تمديد اتفاقية 2019 لتوريد الغاز الطبيعي من حقل ليفياثان الإسرائيلي إلى مصر حتى عام 2040 بكمية إجمالية تصل إلى 130 مليار متر مكعب، مع شحنة أولية متوقعة بحوالي 20 مليار متر مكعب بداية عام 2026. وتظهر التقديرات أن الغاز الطبيعي الذي يتم نقله من حقل ليفياثان عبر الأنابيب إلى مصر أقل تكلفة من الغاز الطبيعي المسال الذي تعاقدت عليه مصر مؤخراً لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ولتأمين احتياجاتها من الطاقة خصوصاً في فصل الصيف إذ يرتفع الاستهلاك بشكل ملحوظ.
وبالتالي، فإن الاعتماد على الغاز الطبيعي المنتج محلياً أو المستورد من خلال الأنابيب من الحقول القريبة يخفف الضغط على الاستيراد قصير الأمد. ويمكن في المستقبل إضافة طاقة تسييل في منشآت التسييل في دمياط وإدكو، الأمر الذي يشكل قيمة مضافة ومصدراً إضافياً للدخل من العملة الصعبة.
وهنا يجب الإشارة إلى أن اتفاقية زيادة واردات الغاز من إسرائيل تسهم في تأمين الإمداد قصير ومتوسط المدى. لكن تجربة وقف التصدير المؤقت من حقل ليفياثان خلال حرب إيران وإسرائيل الأخيرة تمثل جرس إنذار بأن الاعتماد المطلق على واردات الغاز من دول غير مستقرة أمنيًا يحمل مخاطره. لذلك، ينبغي اعتبار أي واردات من الحقول الإسرائيلية، مهما بدت تكلفتها جذابة، بمثابة أداة تحوط اقتصادي (Supply Hedge) وليست بديلاً استراتيجيًا عن سرعة استعادة الإنتاج المحلي وتنويع مصادر البترول والغاز الاستراتيجية.
فرص الشراكات الإقليمية
من هذا المنطلق، يطرح السؤال عن أهمية الشراكات عبر الحدود في منطقة شرق المتوسط.
بصرف النظر عن أثر الاتفاقات المشار إليها، فإن الانسحاب الجزئي وربما المؤقت لعدد من الشركات الغربية من بعض دول المنطقة مثل ليبيا والسودان، بسبب عدم الاستقرار الأمني والسياسي، قد يشكل فرصة لشركات أخرى لدخول هذه الأسواق. وهنا تكمن الفرصة الإقليمية، إذ يمكن للدول والشركات الإقليمية أن تسهم في ترويج فرص استثمارية لعمليات استكشاف وإنتاج في هذه الدول. وذلك عبر صيغ شراكة متنوعة مع شركاء دوليين مثل منح حصص في الملكية، أو عقود الخدمات طويلة الأجل، أو تسهيل ترتيبات تسويق وتصدير مشتركة، في مقابل الخبرة المؤسسية والتنسيق الحكومي والأمني لتقليل المخاطر المحتملة للاستثمار بهذه الدول.
إقرأ أيضاً: غاز شرق المتوسط أسير أحقاد التاريخ ونزاعات الجغرافيا
إقرأ أيضاً: خط الغاز القطري التركي: توظيف سياسي واستهلاك إعلامي
ومثل هذه الشراكات تفيد في نقطتين: أولًا، فتح مسار لتأمين إمدادات نفط وغاز بأسعار تنافسية نسبيًا. وثانيًا، توفير عوائد بالدولار من هذه الحقول الخارجية تقوي الميزانيات وتخفف أعباء المدفوعات المتراكمة للشركات الدولية في السوق المحلية.
مصر كنموذج للشراكات الاستثمارية
تظهر تجارب المنطقة أن الدول ذات المؤسسات الرسمية القوية، والإطار التشريعي الجاذب للاستثمار، والبنى التحتية القائمة، هي الأكثر قدرة على لعب دور الوسطاء والشركاء الموثوقين. وإذا نظرنا إلى مصر كمثال إيجابي، نرى أنها تمتلك العديد من الميزات التنافسية لإرساء شراكات تجارية إقليمية تخدم توازن العرض والطلب. ومنها على سبيل المثال محطات التسييل والبنية التحتية القوية، وكذلك الموقع الاستراتيجي المتميز بوجود ممرات التجارة عبر قناة السويس.
كما تمتلك مصر الإطار القانوني والتشريعي والتنظيمي الموثوق والثابت على مدار سنوات عديدة، مع سجل للمشاركة في شراكات خارجية، مثال مشاركة مؤسسات مصرية في حقوق استثمارية في بعض حقول النفط والغاز العراقية. وهذه الثقة المؤسسية تجعل من الدول المستقرة شريكًا مقبولًا لدى المستثمرين والممولين على حد سواء، وتفتح أبواباً لتنسيق حكومي – حكومي (G2G) أو مع شركاء دوليين في مشروعات يتشاركون فيها نسب العوائد والمخاطر.
خلاصات وتوصيات
وبناءً عليه، يمكن تلخيص ما سبق في صورة توصيات عملية لصانعي السياسات الإقليميين بقطاع الطاقة، وذلك بتعزيز الشراكات الإقليمية وتنويع مصادر الإمداد من خلال إبرام اتفاقيات طويلة الأجل لتأمين حصص إنتاجية، مع الاستثمار في قدرات التسييل والتخزين الإقليمية لتحويل فائض الغاز إلى صادرات ذات قيمة مضافة. وبالتالي، ضمان وفورات مالية قد تتيح في بعض الدول إنشاء صناديق ضمان سيادية أو أدوات استثمارية لتشجيع الاستثمار في الأسواق عالية المخاطر.
كما ينبغي التأكيد على أن الاضطراب الجيوسياسي في شرق المتوسط يفرض على دول المنطقة تغيير النظرة من إدارة أزمة آنية إلى بناء استراتيجية إقليمية متكاملة، مع ضرورة تطوير وتعزيز آليات للتعاون الإقليمي في مجال توفير الحماية للممرات الحيوية والبنية التحتية للطاقة. ويشكل قيام المؤسسات الوطنية بعمل شراكات عابرة للحدود في الأسواق عاملًا مساعدًا في الحد من الضغوط قصيرة الأجل في الأسواق المحلية، مع التأكيد على أنها لا تعفي أيضًا من مهمة إعادة بناء الإنتاج المحلي وتنويع الموارد عبر شراكات مدروسة وتحويل القدرات الوطنية والمؤسسية إلى أدوات شراكة إقليمية، مع الحفاظ على سياسات إنتاجية ومالية متماسكة. وهو المسار الذي سيضمن أمن الطاقة بنهج أكثر استدامة وربحية لدول شرق المتوسط.



