قمة ألاسكا: أوكرانيا «رأس جبل جليد» التفاهمات، وقاعدته النفط والمعادن.. والصين

اختزال نتائج قمة ألاسكا في إطار الحرب الأوكرانية، تبسيط مخل، يتجاهل أن انعقادها بعد قطيعة طويلة، لم يكن ليتم لولا نضوج التفاهمات المبدئية. والتي تصل إلى انتقال روسيا إلى الحضن الغربي بالحد الأقصى. إضافة إلى ترتيب قضايا النفط والغاز والمعادن النادرة، وممرات التجارة العالمية. ولكن ذلك لا يعني أن القمة تمثل «ذروة جيوسياسية» وصفقة شاملة متكاملة. بل هي أقرب إلى محطة انطلاق قطار التسويات الكبرى، الذي يمر بمحطات صعبة من الصفقات الصغيرة في مختلف المجالات. وإذا قُدّر له أن يصل إلى محطته النهائية، يصح اعتبار القمة أنها ترسي اليوم ما يمكن تسميته غداً بـ «مرحلة ما بعد ألاسكا».

القمة ليست «ذروة جيوسياسية»، بل محطة انطلاق لقطار تسويات شائكة ومعقدة تستهدف فك ارتباط روسيا بالصين

يخطئ من يظن أن مجرد تفاهم الرئيسين ترامب وبوتين يكفي لتعبيد هذا المسار الوعر. فهو يحتاج إلى مفاوضات ومناورات وضغوط وتغيير توازنات أقرب ما تكون إلى «اصطفاف كواكب» لضمان تحقيق مصالح الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الصين والدول الأوروبية أو «تحييد» الأطراف الرافضة. وربما ذلك ما يفسر قول الرئيس بوتين: «نأمل ألا تعيق العواصم الأوروبية التقدم المتوقع أو تحاول إفشاله». كما تشمل هذه الأطراف القوى الإقليمية، والقوي المحلية داخل أميركا وروسيا. ومن يظن أن ارتداء سيرغي لافروف قميصاً عليه شعار الاتحاد السوفييتي كان اجتهاداً غير موفق من «مدبرة المنزل»، فليراجع توجهات مراكز القوى السياسية والعسكرية، معطوفة على «دبلوماسية الأزياء» الشهيرة في روسيا.

إقرأ أيضاً: معادن أوكرانيا النادرة: هل تفتح معركة إنتقال روسيا إلى المحور الأميركي؟

إقرأ أيضاً: إتفاقية معادن نادرة أم صفقة بيع أوكرانيا لشراء روسيا؟

«تخفيف» العقوبات على النفط والغاز

النفط والغاز يقدمان أوضح مثال على تشابك الخلافات والعوامل المؤثرة سواء السياسية أو السوقية، والتي لا تُحل «بديباجة متقنة» في بيان ختامي أو حتى بتوقيع اتفاقية. ولنلاحظ ما يلي:

1. في النفط:

أي انفتاح جزئي من واشنطن لمراجعة العقوبات على النفط الروسي سيؤدي إلى إرباك في الأسواق. كما يفتح جبهة جديدة من الخلافات مع الدول الأوروبية، خاصة إذا أصرت أوروبا على تشديد العقوبات على روسيا. أما إذا قررت أميركا «ترك الأمور على حالها» أي فرض سقف سعري لبيع النفط الروسي والعقوبات الثانوية، مع غض النظر عن التهريب، فهي تخاطر بتحمل خسارة مزدوجة. وجهها الأول «إرباك» العلاقة مع موسكو التي تعتبر رفع أو تخفيف العقوبات مطلباً رئيسياً. ووجهها الثاني مواصلة تقديم هدايا مجانية للصين والهند بالحصول على النفط الرخيص.

إقرأ أيضاً: «أركتيك 2» الروسي يسيل غاز القطب الشمالي والعقوبات الأميركية «تجمده»

إقرأ أيضاً: الحظر الأوروبي لإعادة تصدير الغاز الروسي المسال: توظيف سياسي وتأثير هامشي

2. في الغاز المسال:

الأمور هنا أكثر تعقيداً وأكثر أهمية. فروسيا تواجه مشكلة مستعصية في تسويق الغاز الطبيعي الجاف (عبر الأنابيب) بعد خسارة الأسواق الأوروبية غير القابلة للتعويض في ظل قرار أوروبي استراتيجي بتقليص الارتهان لروسيا، وفي ظل الرفض الصيني التاريخي لإضافة خطوط أنابيب جديدة مثل خط (قوة سيبيريا 2). كما تواجه مشكلة أكثر استعصاءً في تسويق الغاز المسال بسبب العقوبات الأميركية والغربية، التي أدت أيضاً إلى تعطيل تنفيذ مشروعات ضخمة مثل (أركتيك 2 ).

وعليه، فإن أي رفع للعقوبات أو حتى اعتماد ترتيبات وإعفاءات على المشروعات الروسية دونه معوقات سوقية تتعلق بإمدادات إضافية كبيرة قد تؤثر سلباً على الأسعار، خاصة مع اقتراب موعد إنجاز مرافق التسييل الأميركية الجديدة. ودونه أيضاً صعوبات سياسية يحتاج تجاوزها إلى ضغوطات ومساومات، ومن أبرزها الموقف الأوروبي المتشدد من رفع العقوبات عن روسيا. ويرجح أن يسعى القادة الأوروبيون للحصول على ضمانات من الإدارة الأميركية بألا يؤدي تخفيف العقوبات إلى تقويض الخطة التي أعلنها الاتحاد الأوروبي في يونيو 2025 لحظر واردات الغاز الروسي الجاف والمسال بحلول 2027.

تقاسم ناعم للأسواق؟ سيناريو تدعمه الوقائع

تتظهر التعقيدات والتشابك في كل ملف وفي كل محطة. فالحظر الأوروبي المتوقع على الواردات الروسية «سيعزز المخاوف من الاعتمادية المُفرطة على الولايات المتحدة»، كما نقل تقرير لوكالة رويترز عن مسؤولين أوروبيين. وتتفاقم المخاوف من إمكانية تعاون أميركي روسي لاستغلال الغاز في القطب الشمالي. وهي أفكار يتم تداولها وإن لم تتحول إلى خطط ومشاريع حتى الآن.

إقرأ أيضاً: الغاز المسال: أميركا وأوروبا تقسمان الأسواق و«الأرزاق»

إقرأ أيضاً: أوروبا «المدمنة» على الغاز الروسي تطلب المزيد من «الجرعات»

وذلك يقود إلى مسألة شديدة الحساسية على المستوى السياسي وعلى مستوى حرية واستقرار أسواق الغاز الطبيعي، تتعلق بسعي الولايات المتحدة إلى تثبيت التقاسم الحاصل للأسواق بين الدول المصدرة للغاز المسال، بحيث تكون أوروبا هي السوق الطبيعية للغاز الأميركي والأفريقي، وآسيا هي سوق الغاز الروسي والأسترالي والقطري. وهذا التوزيع للأسواق ساهمت في ترسيخه، عن قصد أو غير قصد، هجمات الحوثيين في البحر الأحمر. وذلك أمر ترفضه بشدة غالبية الدول المصدرة والمستوردة. ولكن روسيا قد تؤيده إذا ضمنت أن التعاون مع أميركا سيؤدي إلى تطوير غاز القطب الشمالي، وإلى زيادة الصادرات عبر الممر الشمالي في الصيف وعبر الموانئ الأوروبية باستخدام كاسحات الجليد في الشتاء. ولم يكن من «محاسن الصدف» أن يتزامن انعقاد القمة مع توقيع الرئيس بوتين مرسوماً يسمح للشركات الأجنبية وتحديداً شركة أكسون الأميركية استعادة ملكياتها في مشروع «سخالين 1».

هل هي مجرد صدفة أن يوقع بوتين قبيل انعقاد القمة مرسوماً يسمح لشركة أكسون الأميركية وغيرها، استعادة ملكيتها في مشروع «سخالين 1»؟

المعادن الحرِجة… من أوكرانيا إلى القطب وأفريقيا

المعادن النادرة تبرز كأحد أهم ملفات التفاهم أو الصدام بين القوى الأربع الكبرى: أميركا وروسيا وأوروبا والصين. ويبدو واضحاً أن التفاهم يحقق مصالح عليا لكل من أميركا وروسيا، وكذلك لأوروبا إذا قررت الالتحاق بقطار التسوية. وهذا الملف يتشعب على طول الجغرافيا السياسية والطاقوية من أوكرانيا والقطب الشمالي وأفريقيا، مروراً بصدع كلاريون كليبرتون في المحيط الهادئ ووصولاً إلى ميانمار وفيتنام.

أوكرانيا، بمخزونها الضخم من المعادن النادرة، هي الصفحة الظاهرة من هذا الملف. وكان الاتحاد الأوروبي قد حاول في العامين 2021–2022 وضع يده على هذا المخزون أو المشاركة في استغلاله، لكن الرئيس ترامب حسم الأمر بالاتفاقية التاريخية التي أجبر الرئيس الأوكراني زيلينسكي على توقيعها.

المعادن النادرة من أبرز ملفات التصادم أو التفاهم.. من القطب الشمالي إلى أفريقيا وصولاً إلى ميانمار

أما الصفحات الأكثر أهمية، فتشمل القطب الشمالي الذي يحتوي في قاع بحاره مخزونات كبيرة من الترسبات النقية للمعادن النادرة. التي لا تحتاج إلى عمليات تكرير مكلفة. وبالتالي سيكون «مسرحاً لبناء جسور لوجستية/استثمارية في مجالات التعدين والتكرير والنقل، لتخفيف الارتهان للصين»، كما جاء في تقرير أصدرته U.S. Geological Survey. ويعتبر أرخبيل سفالبارد (Svalbard) نموذجاً للتنافس والصراع أو التفاهم والتقاسم. فهو يقع تحت السيادة النرويجية بموجب “معاهدة سفالبارد” لعام 1920. والتي تسمح لدول أخرى، من بينها روسيا، بالمشاركة في استغلال الموارد الطبيعية فيه.

من أعماق المحيط إلى النيجر وميانمار

وتنسحب إمكانيات التفاهم أو الصدام على صدع كلاريون كليبرتون في المحيط الهادئ، الذي يحتوي على نحو 30 مليار طن من المعادن النادرة الصافية على شكل حبات بطاطس متناثرة على الرمال أو قشور على صخور القاع. وهناك سباق دولي محموم للحصول على تراخيص استكشاف وتنقيب في هذه المنطقة.

إقرأ أيضاً: حرب معادن الأعماق: هل يكون أرخبيل سفالبارد، إقليم دونباس نرويجي (2 من 2)

إقرأ أيضاً: إنقلاب النيجر: روسيا جندي في الجيش الصيني

وإذا كان القطب الشمالي وأعماق البحار ساحات مستقبلية للصراع أو التفاهم، فإن أفريقيا تمثل ميداناً حالياً للصراع المفتوح. حيث تمتلك روسيا موطئ قدم متنامياً في استغلال مناجم الذهب والكروم والمنغنيز والبوكسيت واليورانيوم. وكانت آخر المعارك الناجحة التي خاضتها «بالشراكة المستترة» مع الصين هي السيطرة على النيجر وإخراج فرنسا منها. فيما تدفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باتجاه «شراكات معادن» مع دول أفريقية (الكونغو، زامبيا، ناميبيا) للفوز بحصة من تلك المعادن.

قمة ألاسكا ليست صفقة نهائية، بل بداية مسار طويل وشائك. ويبقى السؤال: هل تستطيع واشنطن دفع الثمن الذي تريده موسكو؟. وهل يرضخ الاتحاد الأوروبي لمقتضيات ولتبعات هذه التسوية؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى