النفط الصخري السوري: ثروة مع وقف التنفيذ
يُواجه قطاع النفط والغاز في سوريا اليوم تحدياتٍ تبدأ ببسط سيطرة الحكومة السورية على كافة حقول النفط والغاز. ولا تنتهي عند إعادة تأهيل الحقول والمصافي التي تعرضت لأضرار جسيمة جراء الحرب والنزاع الداخلي الذي استمر لأكثر من 13 سنة.
ولعل التحدي الأبرز يكمن في حاجة سوريا إلى تمويل عملية إعادة الإعمار. علماً أن عائدات النفط لطالما شكلت ركيزة أساسية للاقتصاد السوري حيث من المتوقع أن تبلغ حوالي 15 مليار دولار سنوياً إذا ما عادت وتيرة الإنتاج إلى ما كانت عليه في العام 2010، أي ما يُقارب 383 ألف برميل يومياً بسعر 70 دولاراً للبرميل.
إقرأ أيضا: النفط في سوريا: النموذج العراقي أم الليبي… أو النرويجي ؟
وكانت صادرات النفط السوري قد بلغت عام 2009، أي قُبَيْلَ فرض العقوبات الأوروبية والتي جاءت بعد العقوبات الأميركية في العام 2005، نحو 148 ألف برميل يومياً، كانت الحصة الأكبر منها من نصيب دول الاتحاد الأوروبي، وخاصةً ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، بإجمالي يُقَدَّرُ بما يزيد عن 137 ألف برميل يومياً وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي (EuroStat).بدوره، تراجع إنتاج الغاز في سوريا من نحو 30 مليون متر مكعب يومياً عام 2010 إلى ما يقارب 9.1 مليون متر مكعب يومياً، في حين تبلغ حاجة محطات توليد الكهرباء السورية حوالي 18 مليون متر مكعب يومياً، الأمر الذي أدى إلى تدني ساعات التغذية بالكهرباء إلى مستويات قياسية.
تأثير النزاع والعقوبات على القطاع
شكل اندلاع النزاع الداخلي عام 2011 نقطة تحول مأساوية لهذا القطاع. فقد انخفض الإنتاج إلى حوالي 20 ألف برميل يومياً فقط. ما أجبر سوريا على أن تصبح مستورداً صافياً للنفط والاعتماد بشكل متزايد على إيران. وتسبب انخفاض الإنتاج في أضرار جسيمة للاقتصاد السوري، لا سيما وأن صادرات النفط كانت تُشكِّلُ نحو 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
كما أدى فرض عقوبات دولية صارمة على سوريا إلى صعوبات في تسويق النفط القليل المتبقي عبر القنوات القانونية. ما دفع إلى الاعتماد على شبكات تهريب غير آمنة. وساهمت العقوبات في عرقلة استيراد قطع الغيار والتقنيات الحديثة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية وهجرة الكفاءات الفنية إلى الخارج. الأمر الذي أدى إلى إضعاف قدرة القطاع على التعافي، وزاد من هشاشته.
احتياطيات النفط والغاز
تعود أولى الاكتشافات النفطية في سوريا إلى العام 1956، وهو تاريخ اكتشاف حقل كاراتشوك النفطي في محافظة الحسكة باحتياطيات تزيد عن مليار برميل. تلاه اكتشاف حقل رميلان النفطي المجاور باحتياطيات تُقَدَّرُ بأكثر من 500 مليون برميل. ورغم هذه الاكتشافات المبكرة، لم تنطلق صناعة النفط فعلياً إلا في عام 1968، بعد أن اكتمل بناء خط الأنابيب الذي ربط حقل كاراتشوك بمصفاة حمص. وقد بلغ احتياطي سوريا المؤكد من النفط نحو 2.5 مليار برميل، بحسب مجلة النفط مطلع العام 2010.
إقرأ أيضاً: خط الغاز القطري التركي: توظيف سياسي واستهلاك إعلامي
وتتمتع سوريا باحتياطيات ضخمة ومؤكدة من الغاز الطبيعي تُقَدَّرُ بحوالي 240 مليار متر مكعب، 60 في المئة منها هو غاز مُصَاحِبٌ. أما العمل على استكشاف الغاز الطبيعي فقد بدأ منذ ستينيات القرن الماضي. تتوزع هذه الاحتياطات على حقول يبلغ عددها 28 حقل غاز أو نفط وغاز مُصَاحِبٍ. منها 5 في محافظة دير الزور، و2 في محافظة الرقة، و2 في محافظة حماة. أما الحقول التسعة عشر المتبقية فتتركز في محافظة حمص. وأهمها حقل الشاعر للغاز الطبيعي وحقل جحار للغاز اللذان يقعان غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص.
1995 عام الذروة
عرف إنتاج النفط السوري نمواً متسارعاً خلال العقود التي تلت الاكتشافات، حيث بلغ ذروته عام 1995 عند نحو 610 آلاف برميل يومياً، لتصبح سوريا آنذاك أكبر منتج للنفط الخام في شرق البحر الأبيض المتوسط، قادرة على تلبية احتياجاتها المحلية والتصدير للخارج.
وكان إنتاج النفط في سوريا قد بدأ بالتراجع التدريجي ليصل إلى نحو 383 ألف برميل يومياً بحلول عام 2010، إلى جانب 316 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي. وقد عاود هذا الإنتاج الارتفاع ليصل في العام 2023، إلى ما بين 100 و 150 ألف برميل يومياً وفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ومعهد الطاقة. فيما عاودت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) منذ نهاية فبراير2025، توريد النفط من الحقول المحلية التي تسيطر عليها في شمال شرق سوريا، إلى الحكومة المركزية في دمشق.
النفط الصخري
اليوم، تدخل الولايات المتحدة الأميركية على ملف النفط والغاز السوري من خلال خطة استراتيجية لاستعادة القطاع وإنعاشه وتطويره، والعمل على تنميته باعتباره حجر الزاوية في التعافي السوري وأمن الطاقة والسيادة الاقتصادية. تُقدِّمُ الخطة، تصوراً لتعاون الشركات الأمريكية مع سوريا، وتتضمن إطلاق شركة SyriUs Energy لإعادة بناء قطاع الطاقة في سوريا، بالإضافة إلى إنشاء صندوق سيادي خاص بالطاقة إلى جانب شركة تُدْرَجُ في البورصة الأميركية، على أن يمتلك الصندوق 30 في المئة منها.
في المقابل، ومع تزايد الاهتمام العالمي بالموارد النفطية غير التقليدية، ولا سيما النفط الصخري، تصاعد الاهتمام بإمكانات سوريا في هذا المجال. إذ تُشير الدراسات الجيولوجية والأبحاث العلمية التي أُجْرِيَتْ بين عامي 1955 و1980، إلى وجود كميات مهمة من البيتومين والصخر الزيتي في عدة مناطق سورية. إلا أن هذه الأبحاث توقفت عام 1985 بسبب انخفاض أسعار النفط، لتعود وتنشط في عام 2005.
احتياطيات النفط الصخري
تجدر الإشارة إلى أن احتياطات العالم من النفط الصخري القابل للاستخراج، تُقَدَّرُ بـ 4786 مليار برميل، تتواجد في 37 دولة. وتتربع أميركا على المرتبة الأولى من بينها حيث تُقَدَّرُ احتياطاتها بحوالي ـ 3706 مليارات برميل أي 77 في المئة من الاحتياطيات العالمية. تليها الصين وروسيا والكونغو والبرازيل وإيطاليا. وتعتمد إستونيا على الصخور الزيتية لتوليد الكهرباء بشكل كامل.
برنامج «بيروت اليوم» حول ترسيم الحدود اللبنانية: معضلة مع سوريا ومأزق مع قبرص
أما الاحتياطيات العربية من النفط الصخري فتتركز في أربعة دول هي: المغرب بحوالي 53 مليار برميل، والأردن بـ 34 مليار برميل، ومصر بـ 6 مليارات برميل، وسورية بـ 20 مليار برميل. وتتوزع احتياطيات النفط الصخري السوري على بعض المناطق الشرقية والشمالية الشرقية وتحديداً في منطقة خناصر في حلب. وتتميز بأنها تقع على أعماق قريبة من السطح، وبغطاء صخري يتراوح سمكه بين 23 و59 متراً. فيما يبلغ المحتوى النفطي نسبة تتراوح بين 5 و11 في المئة.
وكانت وزارة النفط والثروة المعدنية السورية قد أعلنت في العام 2011، عن مناقصة لاستثمار الصخر الزيتي في منطقة خناصر الواقعة على بعد 103 كم جنوب شرق حلب، والتي تمتد على مساحة 150 كيلومتر مربع مقسمة إلى 14 رقعة باحتياطيات تتراوح بين 2.3 إلى 3 مليارات طن في كل منها. إلا أن تسارع الأحداث في سوريا حال دون إنجاز المناقصة.
تحديات استثمار النفط الصخري
غير أن استثمار النفط الصخري في سوريا يواجه تحديات متعددة على أكثر من مستوى، تبدأ من غياب الاستقرار الأمني والسياسي، مروراً بالعقوبات التي لم تُرْفَعْ بشكلٍ كامل مما يحول دون إدخال التقنيات الحديثة المطلوبة كالحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، وصولاً إلى الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية وإعادة تأهيل الكوادر الوطنية.
كما أن الجدوى الاقتصادية لاحتياطيات النفط الصخري السوري تبقى رهينة لتقلبات أسعار النفط عالمياً وكلفة الإنتاج المرتفعة نسبياً مقارنة بالنفط التقليدي. وبذلك، يظل الحديث عن النفط الصخري في سوريا أقرب إلى إمكان مستقبلي مؤجل، مرهون بتحقيق تسوية سياسية شاملة وتهيئة بيئة استثمارية آمنة وانفتاح اقتصادي على العالم.
* باحث في الشؤون الاقتصادية



