الطاقة الشمسية في لبنان: نعمة، تتحول إلى نقمة لمخزون المياه الجوفية (2 من 2)

لم تقتصر تبعات النقلة العشوائية من مولدات الديزل إلى الطاقة الشمسية لاستخراج المياه الجوفية على الجانب المائي فحسب، بل امتدت لتشكّل ضغوطًا اقتصادية واجتماعية وبيئية متشابكة. الأمر الذي يتطلّب تدخلاً فوريًا ومنسقًا من الجهات الحكومية والخاصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بروفسور حسان مخلوف

الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية

أدى التحول العشوائي إلى انهيار أسعار بعض المحاصيل في السوق الداخلية. البطاطا والبندورة مثالان صارخان. فقد تضاعف الإنتاج لكن غياب خطة للتسويق أو التصدير جعل الأسعار تهبط بشكل دراماتيكي. النتيجة كانت خسائر كبيرة، ما دفع بعض المزارعين إلى ترك أراضيهم. ومع استمرار الضغط على الموارد المائية، قد نشهد هجرة قسرية من الريف نحو المدن، بما يشكل تهديدًا للنسيج الاجتماعي في البقاع والشمال.

الأبعاد البيئية والصحية

استنزاف المياه الجوفية لا يقتصر على نقص الكميات، بل يحمل معه آثارًا بيئية خطيرة. فجفاف بعض الينابيع مثلاً يهدد التنوع البيولوجي، فيما يؤدي انخفاض منسوب المياه إلى تملّحها، خاصة في مناطق الجنوب الساحلية، ما يجعلها غير صالحة للشرب أو الري. أما صحيًا، فإن الإفراط في الضخ يزيد من احتمالات تسرب مياه الصرف الصحي إلى الطبقات الجوفية، وهو خطر قد ينعكس مباشرة على صحة السكان.

غياب الدولة ووزارة الزراعة

في لبنان، المفارقة الصارخة أن الوزارات المعنية – الزراعة، الطاقة، البيئة – تكاد تكون غائبة كليًا عن هذا الملف المصيري. لا وجود لقوانين تحدد معدلات الضخ، ولا خطط لإدارة المياه الجوفية، ولا برامج لتشجيع زراعات أقل استهلاكًا للمياه صيفًا.
هذا الغياب سمح بانتشار الفوضى: ضخ غير مراقب، وزراعات تتطلب كميات كبيرة من المياه وري تحت أشعة الشمس الحارقة، كل ذلك في بلد يعاني أصلًا من تغيّر مناخي متسارع، وتراجع المتساقطات المطرية، وارتفاع نسب التبخر.
ورغم خطورة ما يجري في البقاع، تغيب وزارة الزراعة تمامًا عن المشهد، وكأن القضية لا تعنيها. فلا رؤية واضحة لإدارة الموارد، ولا خطط لتوجيه المزارعين نحو زراعات أكثر ملاءمة للواقع المائي الجديد. والأخطر أن الوزارة لم تبادر حتى إلى فتح نقاش وطني حول مستقبل الزراعات الصيفية في ظل تغيّر المناخ وشح المياه.

إقرأ أيضاً: نفايات الطاقة الشمسية: كارثة بيئية أم فرصة استثمارية؟

خطر التصحر في البقاع

ففي البقاع الشمالي مثلاً، حيث يزداد خطر التصحر عامًا بعد عام، ما زال التوجّه نحو أشجار شرهة للمياه كالمشمش والدراق والتفاح، هو السائد. فيما كان الأجدى وضع سياسات تشجّع على التحول نحو زراعات مقاومة للجفاف كالفستق الحلبي، وهو محصول يتكيف أكثر مع الحرارة المرتفعة ويستهلك كميات أقل بكثير من المياه.

أما الاستمرار بالنهج الحالي فيعني استنزاف الأرض والمياه معاً، بدل تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة القطاع الزراعي على أسس مستدامة.

أزمة مقبلة: نفايات الطاقة الشمسية

إلى جانب الأزمة المائية، يلوح في الأفق تحدٍ آخر لم يُطرح بعد بجدية. وهو مصير الألواح الشمسية والبطاريات بعد انتهاء عمرها التشغيلي الذي لا يتجاوز 20 سنة و5 سنوات على التوالي. وتشير تقديرات الاتحاد الأوروبي إلى أن كل 10 كيلوواط من القدرة المركّبة تنتج طناً واحداً من نفايات الألواح. وفي بلد مثل لبنان، حيث تُنصب آلاف الألواح سنوياً بلا أي خطة لإعادة التدوير، فإننا نتجه نحو أزمة بيئية جديدة قد تنفجر خلال عقدين، تضاف إلى أزمة النفايات الصلبة المزمنة.

نحو حلول متكاملة

الأمر لم يعد مقتصراً على مسألة تقنية مرتبطة بالري، بل بات قضية سيادية. فالمياه الجوفية تمثل ثروة وطنية، واستنزافها بهذا الشكل يهدد الأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي. بعض الخبراء يحذرون من أن استمرار هذا النهج سيعجّل بدخول لبنان نادي الدول المهددة بندرة المياه، وهو نادٍ مكلف على المستويات كافة.
ومن المفارقات أن الحلول معروفة ومتاحة، لكنها تتطلب إرادة سياسية وخطة وطنية. من أبرز هذه الحلول:

  1. إدارة صارمة للمياه الجوفية عبر وضع معايير تحدد الكميات المسموح باستخراجها وربطها بمعدلات التغذية الطبيعية.
  2. تشجيع المزارعين على بناء خزانات لتجميع المياه نهاراً واستخدامها ليلاً عبر شبكات ري حديثة تقلل الهدر.
  3. إطلاق آلية مقاصة مع مؤسسة كهرباء لبنان تسمح للمزارعين ببيع فائض الطاقة الشمسية بدل استهلاكها كلها في الضخ.
  4. تبني مفهوم Water-Energy-Food Nexus في التخطيط الزراعي، بحيث يُنظر إلى المياه والطاقة والغذاء كقطاعات متكاملة.
  5. وضع برنامج وطني لإدارة نفايات الألواح الشمسية قبل أن تتكدس وتتحول إلى قنبلة بيئية جديدة.

الربط مع شبكة كهرباء لبنان 

الطاقة الشمسية ليست شراً مطلقاً ولا خيرًا مطلقًا. وتحولها إلى نعمة أو نقمة يرتبط بكيفية إدارتها. وفي لحظة الانهيار، وجد فيها اللبنانيون طوق نجاة، لكن الاستمرار في التعاطي معها بعشوائية سيحوّلها إلى عبء ثقيل.
هنا تأتي مسألة ربط محطات توليد الطاقة الشمسية للاستخدام الزراعي بالشبكة العامة للكهرباء كجزء من استراتيجية الإدارة المتكاملة لقطاع الطاقة والمياه. ويصبح هذا الربط بالغ الأهمية خلال فصل الشتاء، حين لا تكون هناك حاجة كبيرة للري. ويكون الطلب عالياً على الكهرباء للتدفئة. وخاصة في المناطق البقاعية حيث تتواجد آلاف المحطات الشمسية للاستخدام الزراعي.

إقرأ أيضاً: لبنان: الطاقة المتجددة الموزعة تائهة بين صلاحيات الوزير والهيئة الناظمة

لبنان بلد الشمس، حيث يُقدَّر عدد الأيام المشمسة بحوالي 300 يوم في السنة. ما يتيح لهذه المحطات الشمسية إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء على مدار السنة. وما يسمح بالتالي بإدخال هذه الطاقة الفائضة إلى الشبكة العامة لدعم الاستهلاك الوطني وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

تغطية احتياجات 8 آلاف منزل

على سبيل المثال، إذا كانت محطة شمسية بقدرة 100 كيلواط ذروة مخصصة لضخ المياه، فإنها قد تولد خلال فصل الشتاء قرابة 400–450 كيلواط ساعي يوميًا يمكن أن تُدمج في الشبكة أو تُباع. وبالنظر إلى عدد الآبار الموجودة في البقاع الشمالي والتي تحتوي كل واحدة على حوالي 120 لوحاً بقدرة 550 واط، فإن مجموع الطاقة التي يمكن إدخالها إلى الشبكة خلال فصل الشتاء قد يصل إلى حوالي 1.78 جيغاواط ساعي. ما يعزز الاستفادة الاقتصادية من الاستثمارات في الطاقة الشمسية ويزيد من كفاءة إدارة الطاقة في لبنان. وهي قدرة كافية لتغطية احتياجات حوالي 8000 منزل. استناداً إلى أن متوسط استهلاك الأسرة اللبنانية حوالي 250 كيلوواط ساعي شهرياً.

حالة طوارئ مائية

وبذلك يمكن لهذا الربط أن يقلل الحاجة إلى تشغيل محطات الكهرباء التقليدية المعتمدة على الفيول والمولدات المعتمدة على الديزل، ما يؤدي إلى خفض الانبعاثات الكربونية وتوفير الموارد المالية للدولة، ويعزز أمن الطاقة الوطني، ويجعل الاستثمار في الطاقة الشمسية الزراعية ذا أثر مزدوج: دعم الري الزراعي في الصيف والمساهمة في إنتاج الكهرباء النظيفة في الشتاء.

الإضاءة على حدة الأزمة، ليست للتشاؤم، بل دعوة للتحرك. فإذا لم تُوضع معايير وضوابط واضحة منذ الآن، فإن السنوات المقبلة قد تحمل للبنان، بشكل عام، وللبقاع بشكل خاص، مشاهد قاسية من الجفاف، التصحر، والهجرة من القرى. من هنا، يصبح لزاماً على الدولة والمجتمع المدني والجهات المانحة الدولية أن يعلنوا حالة طوارئ مائية وطنية. والمبادرة لوضع خطة متكاملة تحفظ ما تبقى من موارد لبنان المائية، وتضمن أن تبقى الطاقة الشمسية نعمة، وأن لا تتحول إلى نقمة.

*منسق ماستر التنوع الحيوي في الجامعة اللبنانية

ورئيس الحركة البيئية، لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى