الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ: أي مستقبل ينتظر اقتصادات المنطقة؟

يشهد الاقتصاد العالمي عملية إعادة تشكيل عميقة، بفعل تضافر عوامل متنوعة ومتشابِهة. وهناك عاملان مستجدان يكتسبان أهمية متزايدة. الأول: الذكاء الاصطناعي كمحرّك إنتاجي هائل. والثاني: تصاعد مخاطر تغير المناخ مثل الفيضانات والجفاف والإجهاد الحراري وحرائق الغابات.

خلق النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي، ولا سيما مع دخول عصر الذكاء التوليدي (Generative AI) والجيل القادم منه أي الذكاء العام (AGI)، تحديات كبيرة تتعلق بتوفير مصادر إضافية من الكهرباء لتغذية مراكز البيانات العملاقة التي تضخ الحياة في شرايين الذكاء الاصطناعي. وهو ما يطرح التساؤل حول مدى الأضرار التي قد يسببها الذكاء الاصطناعي للتغير المناخي، وهل سيتحمل الفاتورة الأكبر منها مستقبلاً؟

خسائر أم أرباح؟

تشير تقارير دولية، من بينها تقرير لشركة (بي. دبليو. سي.) بعنوان «القيمة في الحركة»، إلى أن هذين العاملين قد يضيفان تريليونات الدولارات للناتج العالمي، أو يتسببان بخسائر ضخمة في حال أُسيء التعامل معهما. وتبرز في هذا السياق منطقة الشرق الأوسط والخليج كمسرح حساس لهذه التحديات والفرص. فمن جهة، تمتلك المنطقة فرصة لاغتنام عوائد تكنولوجية هائلة عبر تبنّي الذكاء الاصطناعي، تُقدَّر بأكثر من 232 مليار دولار حتى 2035. ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطاً مناخية مباشرة تُهدد الإنتاجية وفرص العمل، خصوصاً مع تزايد موجات الحرارة والفيضانات في دول الخليج.

إقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي «يقنع» أميركا بالعودة إلى الغاز لتوليد الكهرباء

لفهم ما ينتظر اقتصادات المنطقة، يمكن النظر إلى ثلاثة سيناريوهات عالمية، لكنها تكتسب أبعاداً خاصة في الشرق الأوسط والخليج.

السيناريو الأول: فرصة النمو النوعي

في هذا السيناريو، وهو الأكثر تفاؤلاً، يتم دمج التقنيات المتقدمة – وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي – بطريقة مسؤولة ومدعومة بمعايير واضحة تضمن الثقة بين الشركات والدول، بحيث تضمن خلق فرص العمل واستدامة النمو على المدى الطويل. فتكون النتيجة قفزة كبيرة في الإنتاجية وضمان إيرادات مرتفعة.

إقليمياً، يعني ذلك أن الخليج يمكن أن يتحول إلى مركز عالمي لتطوير واستخدام حلول الذكاء الاصطناعي في قطاعات الطاقة، والخدمات المالية، والرعاية الصحية. كما تتجاوز الفوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي تكاليف الأصول العالقة من إزالة الكربون. وهي تلك الأصول الناتجة عن التخلي عن مصادر الطاقة الأحفورية. وهذا سينعكس نموّاً على الاقتصاد العالمي بنسبة تقدر بنحو 11 في المئة؛ ليقفز من 132 تريليون دولار إلى 144 تريليون دولا. مع تحقيق مكاسب مباشرة للمنطقة العربية عبر استثمار الطاقات الشابة وتطوير المهارات الرقمية.

السيناريو الثاني: نمو محدود تحت الضغوط

في هذا السيناريو الوسطي، تتصدر المصالح الوطنية والإقليمية على حساب التعاون الدولي. فيكون الاعتماد على التكنولوجيا مجزأً وأقل موثوقية. وفي هذه الحالة، لن يحقق الذكاء الاصطناعي مكاسب مرتفعة. بل قد تُلغى نتيجةً للتكاليف المتزايدة للمخاطر المناخية، في حين تمضي عملية التحول في الطاقة بوتيرة بطيئة.

إقرأ أيضاً: تقنيات التقاط الكربون ودورها في مواجهة التغير المناخي

بالنسبة للمنطقة العربية والخليجية، يترجم ذلك إلى نمو اقتصادي متواضع. حيث تلغي المكاسب التقنية والخسائر المناخية بعضها البعض. وفي هذه الحالة لن يتجاوز النمو العالمي نسبة 5 في المئة وفق سيناريو “استمرار الأعمال كالمعتاد” بحلول 2035. وهذا يعني استمرار البطالة المرتفعة نسبيًا في المنطقة (قرابة 10 في المئة). مع ضعف القدرة على خلق وظائف نوعية، خصوصاً في القطاعات المعرّضة للحرارة العالية مثل البناء والزراعة.

السيناريو الثالث: خسائر تفوق المكاسب

أما السيناريو الأسوأ، فيتجسد في بيئة عالمية مضطربة يسودها الصراع وعدم الاستقرار وتصاعد الشكوك. هنا، يفقد الذكاء الاصطناعي الثقة ولا يحقق سوى نتائج سلبية، تتمثل بفقدان وظائف أكثر مما يخلق، ويتم إهمال تدابير الاستدامة، ما يفاقم آثار تغيّر المناخ.

إقليمياً، سيكون الخليج عرضة لتراجع حاد في الإنتاجية. حيث تفاقم موجات الحرارة والفيضانات خسائر البنية التحتية وتزيد من فقد ساعات العمل. في هذا السيناريو، قد ينكمش النمو العالمي عن خط الأساس. وتواجه اقتصادات المنطقة ضغوطًا شديدة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

ضمانات الاستقرار مستقبلاً

ترسم السيناريوهات الثلاثة المذكورة ملامح متباينة لمستقبل الاقتصاد العالمي. لكنها تحمل رسائل بالغة الأهمية للشرق الأوسط ولدول الخليج. فاغتنام الفرصة التاريخية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي يتطلب:

  • حوكمة واضحة ومسؤولة للتقنيات تبني الثقة وتشجع الاستثمار.
  • تعزيز البنية التحتية المناخية لمواجهة الفيضانات وموجات الحرارة وحماية الإنتاجية.
  • سياسات انتقال عادل في سوق العمل ترفع المهارات الرقمية وتوفر شبكات أمان اجتماعي.

وعليه، إذا تمكنت دول المنطقة من الجمع بين الاستثمار الذكي في التقنيات وبناء اقتصاد متكيّف مع المناخ، فلن تنجح في تجنب السيناريو الأسوأ فقط. بل قد تتحول إلى دول رائدة في صياغة نموذج للتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى