سوريا ومعوقات استثمار ثروتها البترولية في المتوسط

مع سقوط نظام آل الأسد في سوريا وتولي الإدارة الجديدة زمام السلطة، فُتح ملف النفط والغاز براً وبحراً على مِصراعيه. وبينما تتقاسم الإدارة الجديدة السيطرة على حقول النفط والغاز البرية مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، يبرز ملف ترسيم الحدود البحرية مع كلٍّ من لبنان وتركيا وقبرص كأحد أبرز العوائق أمام استكشاف واستخراج الاحتياطيات النفطية والغازية في البحر.
المسوحات والتقديرات
تدل المسوحات الزلزالية للحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، على توافر احتياطيات كبيرة نسبياً من الموارد الهيدروكربونية. وكانت دائرة المسح الجيولوجي الأميركية قدّرت في يوليو 2021، متوسط الاحتياطيات غير المكتشفة في هذا الحوض بنحو 879 مليون برميل من النفط القابل للاستخراج تقنياً، وما يُقارب 286 تريليون قدم مكعب من الغاز.
وقد تسارعت وتيرة اكتشافات النفط والغاز في شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة. ففي إسرائيل تم في العام 2009 اكتشاف حقل “تمار” باحتياطي يُقدّر بـ 10 تريليونات قدم مكعب من الغاز، تلاه حقل “ليفياثان” في 2010 باحتياطي 19 تريليون قدم مكعب، وحقل “كاريش” بحوالي 1.3 تريليون قدم مكعب، بالإضافة إلى المكثفات التي قد تصل إلى 34.1 مليون برميل.
الاكتشافات القبرصية
وفي الحوض القبرصي، تم اكتشاف حقل “أفروديت” عام 2011 باحتياطي 4.5 تريليونات قدم مكعب. وفي عام 2018 كل من حقل “كاليبسو” باحتياطي 7 تريليونات قدم مكعب، وحقل “غلاوكوس” بحوالي 6 تريليونات قدم مكعب. وأخيراً حقل “غلوكوس” في العام 2019 باحتياطي يُقدّر بنحو 8 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
الاحتياطيات السورية وتوزيعها
تبلغ مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة السورية حوالي 9957 كيلومتراً مربعاً. وتشمل أجزاء من ثلاثة أحواض رسوبية كبرى هي: المشرق (Levant)، وقبرص، واللاذقية. ويُعد حوض المشرق الأهم بينها، حيث يمتد قبالة شواطئ مصر، وقبرص، وإسرائيل، ولبنان، وسوريا.
وكانت سوريا قد أجرت في الأعوام 1975 و2003 و2005 عدة مسوحات زلزالية في المياه البحرية، خلصت معظمها إلى مؤشرات مهمة على توافر احتياطيات بترولية. كما كشفت الأقمار الصناعية عن تسربات نفطية وغازية في المنطقة عينها، وكذلك على اليابسة قرب مدينة اللاذقية حيث تم حفر “بئر اللاذقية-4” عام 2009.
تداخل الحدود البحرية
تم تقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة السورية إلى ثلاث رقع بحرية تمتد من الجنوب إلى الشمال: الرقعة رقم 1 وتقع قبالة ساحل مدينة طرطوس، وتتداخل مع الرقعتين 1 و2 اللبنانيتين بمساحة تُقدّر بـ 750 كيلومتراً مربعاً. والرقعة رقم 2 تقع قبالة ساحل مدينة بانياس. بالإضافة إلى الرقعة رقم 3 قبالة ساحل مدينة اللاذقية، والتي تتداخل شمالاً مع الجرف القاري التركي لمسافة تتراوح بين 8 و15 ميلاً بحرياً.
ويعود التداخل بين المنطقتين الاقتصاديتين لكل من سوريا ولبنان إلى الاختلاف في الأصول المتبعة في الترسيم؛ إذ اعتمد لبنان طريقة “النقاط المتساوية التباعد” التي تجعل من خط الوسط المتساوي الأبعاد بين ساحلي الدولتين خطاً للحدود بينهما، بينما اعتمدت سوريا طريقة رسم خط أفقي ينطلق من حدودها البرية إلى البحر استناداً إلى خطوط العرض.
إشكالية الترسيم مع الجوار
تجدر الإشارة إلى أن مندوب سوريا في الأمم المتحدة كان قد تحفظ، إبان حكم الأسد، على الخرائط التي قدمها لبنان إلى الأمم المتحدة، والتي تُبيّن حدود المنطقة الاقتصادية المشتركة مع سوريا وقبرص وإسرائيل، وقد تم تحديد إحداثياتها بموجب المرسوم رقم 6433 الصادر في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2011.
من جهتها تعتبر تركيا أن حدودها البحرية تمتد انطلاقاً من ولاية هاتاي (لواء إسكندرونة – أرض سورية محتلة من قبل تركيا)، وهو ما لا تعترف به سوريا رسمياً، لكنها ليست في وارد فتح نزاع معها نظراً لطبيعة العلاقة بين الإدارة الجديدة وتركيا. مع العلم أن تركيا لا تعترف باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتستند إلى مبدأ تقابل السواحل وتقليص أثر الجزر، وتعتبر أن الجزر لا تملك الحقوق البحرية نفسها كاليابسة القارية.
أما الحدود البحرية بين سوريا وقبرص فلم تُرسم رسمياً بعد، لكن هناك تفاهمات أولية تعود إلى العام 2007 لترسيم جزئي يستند إلى خط الوسط وفق قانون البحار، غير أن هذه التفاهمات لم تتحول إلى اتفاق نهائي. ورغم أن الخلافات محدودة، إلا أن التوتر الإقليمي مع تركيا يعقّد أي خطوات لاحقة، في وقت تمضي قبرص بمشاريعها مع شركات دولية (خصوصاً “إيني”، “توتال”، و”إكسون موبيل”).
تحديات ومعوقات الاستكشاف
كانت المؤسسة العامة للنفط في سوريا قد طرحت عام 2011 الرقع البحرية الثلاث في مزايدة عالمية لاستكشاف واستثمار الموارد البترولية. لكن لم يتم تقديم أي عروض جدية من الشركات الكبرى، بسبب العقوبات الدولية المفروضة على النظام السوري وقطاعه النفطي آنذاك.
وفي عام 2015، وقّعت الحكومة السورية مع شركة “Soyuzneftegaz” الروسية عقداً لاستثمار الغاز الطبيعي في المياه البحرية السورية لمدة 25 عاماً، لكن العقد لم يُنفذ بسبب تصاعد التوترات في شرق المتوسط، وما أعقب ذلك من سقوط النظام.
ثروة سوريا في المتوسط إلى أين؟
اليوم تحتاج الإدارة الجديدة في سوريا إلى استكمال الأطر الدستورية والتشريعية لتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود أو الانضمام لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. إلا أنه يمكن لهذه الإدارة استغلال المرحلة لعرض فرص استثمار مشترك وتقاسم الإنتاج في المناطق البحرية المتداخلة مع تركيا، لبنان، وقبرص.
بعد سقوط نظام آل الأسد، تواجه سياسة “الحياد” التي أعلنتها الإدارة السورية الجديدة اختباراً صعباً في تجنب الانخراط بصراعات شرق المتوسط، مع إصرار كل من تركيا ولبنان على تسريع ترسيم حدودهما البحرية مع سوريا. فيما يُعقد الرهان على وساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين الإدارة السورية الجديدة وكل من لبنان واليونان وقبرص لإيجاد حل لمسألة الترسيم.
ويبقى التحدي الأكبر أمام سوريا هو حاجتها الماسة إلى استثمار مواردها لإعادة الإعمار، في وقت لا يرتبط تلبية هذه الحاجات بتوافر الموارد فقط، بل يتأثر أيضاً بصراعات جيوسياسية واقتصادية معقدة إقليمياً وداخلياً. فأي تغييرات على الحدود أو في موازين القوى بين الأطراف المؤثرة قد تكون لها انعكاسات بعيدة المدى على مستقبل الطاقة في سوريا واستقرار المنطقة.
باحث في الشؤون الاقتصادية



