مزيج الطاقة العالمي ووهم صافي الانبعاثات الصفري

تُشكل الطاقة بمعناها الشامل تحدياً للمجتمعات المعاصرة في الدول الصناعية المتقدمة كما في الدول النامية على حدٍ سواء، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه في معادلة التنمية المستدامة. ويبقى التحدي الأكبر أمام البشرية في كيفية تحقيق التوازن بين الحاجة للنمو الاقتصادي وضمان أمن الطاقة من جهة، والحفاظ على البيئة والحد من الانبعاثات من جهة أخرى والوعود بالوصول إلى انبعاثات صفرية بحلول 2050.

وبعد أن كان التحدي الأساسي يتمحور حول تأمين استدامة امدادات الطاقة الاحفورية التي كانت المصدر الرئيسي للنمو والازدهار الاقتصادي الذي عرفته البشرية. أصبح الحفاظ على البيئة والحد من التلوث ومن الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري والتغير المناخي، الهم الأساسي الذي تواجهه البشرية جمعاء وليس الدول الصناعية وحسب.

تنويع مصادر الطاقة

فيما كان يغلب على مصادر الطاقة الفحم والنفط، اتجهت الدول منذ منتصف القرن العشرين إلى الطاقة النووية كخيار استراتيجي يُساهم في الحد من التبعية شبه المطلقة للوقود الاحفوري حتى ذلك التاريخ. ليأتي التطور التكنولوجي ويُضيف اليها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، واللتان توسع استخدامهما ليُشكلا مصدرين موثوقين ويُصبحا شريكين في انتاج الكهرباء.

إقرأ أيضاً: أمن الطاقة وأمن المناخ: بين فضيلة الدمج ورذيلة الفصل (2 من 2)

ومع مطلع الألفية الجديدة، فرضت الطاقات المتجددة نفسها كلاعب أساسي في مزيج الطاقة العالمي، بعدما انخفضت كلفتها بشكل كبير بفضل التطور التكنولوجي والاستثمارات الضخمة. فالشمس والرياح باتتا في طليعة مصادر الطاقة النظيفة، إلى جانب الهيدروجين الأخضر والطاقة الحرارية الأرضية، فيما العمل جارٍ على تأمين الاستقرار في الشبكات من خلال تطوير وسائل تخزين الكهرباء وخاصةً البطاريات.

أما التحدي اليوم فلم يعد يتمثل فقط في توفير الوقود أو الكهرباء، وما عادت معركة الطاقة بين النفط والشمس، أو بين الغاز والرياح، بل في إيجاد مزيج متوازن يجمع بين تلبية متطلبات النمو الاقتصادي وضمان أمن الطاقة من جهة، وبين حماية البيئة والحفاظ على استدامة الموارد من جهة أخرى. ويُقصد بمزيج الطاقة توليفة مصادر الطاقة المختلفة، التي يمكن استخدامها لتلبية الحاجة من الكهرباء ووقود النقل والصناعة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.

وتتفاوت معدلات مزيج الطاقة العالمي بين الدول الصناعية المتقدمة والدول الناشئة. حيث تتجه الدول المتقدمة لا سيما منها دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو مزيج طاقة أكثر نظافة وأقل اعتماداً على الفحم والنفط. بينما تسير الاقتصادات النامية في مسارات تجمع بين الحاجة للنمو وخفض تكلفة إمدادات الطاقة. الامر الذي يدفعها الى الاعتماد على الوقود الاحفوري ولا سيما منه الفحم والنفط.

مزيج الطاقة في 2050

تُظهر التوقعات أن طلب الاقتصادات المتقدمة على الطاقة باختلاف مصادرها بحلول عام 2050، يميل الى الاستقرار أو حتى الانخفاض. في حين سيرتفع طلب الدول النامية والناشئة التي ستقود عودة النمو الى الاقتصاد العالمي. حيث من المتوقع أن يأتي أكثر من نصف نمو الطلب العالمي على الطاقة من قبل دول آسيوية لا سيما الهند التي سيرتفع طلبها في نفس الفترة الى 21.6 مليون برميل مكافئ نفط يومياً. تليها دول آسيا الأخرى بـ 15.3 مليوناً.

إقرأ أيضاً: «أوبك» vs وكالة الطاقة: انتصار أمن الطاقة على سردية المناخ

في المقابل، من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الطاقة الأولية باستثناء الفحم، بحسب تقرير أوبك حول توقعات النفط العالمية طويلة الأجل المعنون “آفاق النفط حتى عام 2050″، من 308 ملايين برميل نفط مكافئ يومياً في عام 2024، إلى 378 مليون برميل في العام 2050، أي بزيادة تبلغ 70 مليون برميل ونسبتها 23.3 في المئة.

وبحسب التقرير عينه، سيظل النفط يحتفظ بالصدارة في مزيج الطاقة العالمي في العام 2050، حيث سيبلغ الطلب على الخام حوالي 123 مليون برميل يومياً، مقابل الـ 104 ملايين في 2025. ويعود سبب الارتفاع، بحسب التقرير، الى لنمو الاقتصاد الهندي. إضافةً الى ارتفاع استثمارات الدول المعنية بالتقنيات تسهم بتخفيض البصمة الكربونية.

الغاز والطاقة النووية

ومن المتوقع أن تبلغ حصة الغاز الطبيعي 24 في المئة من مزيج الطاقة العالمي في عام 2050. بعد أن كانت لا تتعدى الـ 23 في المئة في العام 2024. الامر الذي يضعه في المركز الثاني بين مصادر الطاقة متقدماً على الفحم. اما الفحم فستتراجع حصته الى قُرابة النصف وتنخفض معها هذه النسبة الى 13.6 في المئة من مزيج الطاقة العالمي، بعد أن بلغت 26.5 في المئة في العام 2024.

وفي المقابل سترتفع حصة الطاقة المتجددة من الرياح والشمس الى 15.4 في المئة، مقابل 5.3 في المئة في 2024. مدفوعاً بالسياسات الداعمة والاستثمارات الكبيرة التي قامت بها دول عديدة وفي مقدمتها الصين.

أما حصة الطاقة النووية في مزيج الطاقة العالمي فسترتفع إلى 6.6 في المئة بحلول العام 2050، مقابل 4.8 في المئة في 2025. وتجدر الإشارة الى أن سبب هذا الارتفاع يرجع إلى اتجاه الدول الأوروبية الى تأمين مصدر بديل عن الغاز الروسي. كما يرجع إلى سياسات الدعم وتطوير التقنيات المستخدمة، ولا سيما تقنية المفاعلات الصغيرة (SMRs) المتوقع أن تدخل حيز التشغيل خلال الثلاثينيات.

أما باقي عناصر مزيج الطاقة من وقود حيوي وطاقة كهرومائية، فستبقى نسبة تغيرها ارتفاعاً أو انخفاضاً مع حلول عام 2050، متواضعة نظراً لتدني حجم مساهمتها في مزيج الطاقة.

تحديات النفط والطاقة المتجددة

وسيواجه النفط كوقود حتى العام 2050، بحسب التقرير، تحدياتٍ نتيجة تزايد استخدام السيارات الكهربائية والهجينة دور أساسي في تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري في وسائل النقل. ومع ذلك يتوقع التقرير أن يبقى الطلب على النفط عالياً بسبب استمرار الكثير من الدول في اعتماد المازوت أو الديزل والبنزين كوقود أساسي لوسائل النقل.

أقرأ أيضاً: أميركا تنسحب من اتفاقية المناخ و «تحاكم» IEA… فهل يأتي دور IRENA؟

والتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة سيواجه حتى عام 2050، بالحاجة الى استثمارات هائلة في البنية التحتية وتطوير وسائل تخزين الطاقة المُنتجة وتوسيع سعتها. إضافة إلى تأمين المعادن النادرة اللازمة للبطاريات، وضمان استقرار سلاسل الإمداد. وعلى المستوى الاقتصادي، يتطلب الانتقال مضاعفة الاستثمارات وتفادي خسائر الأصول العالقة. مع مراعاة العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر ضعفاً. أما أمن الطاقة والجغرافيا، فتتأثر بتوزيع غير متوازن للموارد وتقلب الأسواق.

مصير صافي الانبعاثات الصفري

من المفارقات التي تكشف عنها التوقعات المشار إليها أعلاه حول مزيج الطاقة بحلول عام 2050، أنه في حين تلتزم الدول ضمن إطار اتفاقية باريس عام 2015، وغيرها من المبادرات الدولية بالوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية، سيستمر في المقابل كل من النفط والغاز بتلبية أكثر من نصف الطلب العالمي على الطاقة خلال الفترة نفسها.

هذه المعادلة تُبرز تحدٍ مزدوج، الأول التحول نحو طاقة نظيفة لتقليل الانبعاثات. والثاني الواقع الاقتصادي والجيوسياسي الذي يُبقي الوقود الأحفوري في قلب معادلة الطاقة. ومن هنا فإن الحد من التغير المناخي لن يتحقق عن طريق استبدال مصدرٍ بآخر. بل عبر اعتماد مزيج متوازن يوفّر النمو الاقتصادي واستدامة مصادر الطاقة من جهة، ويحافظ على البيئة من جهة أخرى.

باحث في الشؤون الاقتصادية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى