اتفاقية الغاز المصرية الإسرائيلية: رضوخ مؤقت للضغوط لا تحوّل سياسي

تراجُع رئيس الحكومة الإسرائيلية ومصادقته على اتفاقية الغاز المصرية الإسرائيلية، نتيجة الضغط الأميركي، أقرب إلى الانحناء أمام العاصفة. وهو لا يغيّر في جوهر موقف اليمين بربط تصدير الغاز عبر مصر بتغيير موقفها من قضية فلسطين والتطبيع الكامل. ولذلك فإن الاتفاقية ستظل عرضة للمراجعة والتعطيل، وأيضاً للمساومة مع أميركا. ولتصبح إزاحة اليمين عن الحكم هي المدخل الصحيح للتعامل مع ملف الغاز في إطاره الاقتصادي، وليس كسلاح سياسي.

هذا الربط ليس نظرياً ولا مفتعلاً، بل يتضح من مراجعة مواقف نتنياهو منذ توقيع الاتفاقية الأولى لتصدير الغاز إلى مصر في 2019، والتي ترافقت مع موافقة إسرائيل على تولي شركة «إيغاس» المصرية تطوير حقل «غزة مارين». حيث امتنع نتنياهو عن المصادقة على خطوات تنفيذية ذات طابع تجاري بحت، واشترط أن تمرّ عبر موافقته الشخصية، وبعد قبول مصر بشروط سياسية متغيرة تبعاً للتطورات.

نتنياهو يعطل ليساوم

وذلك ما حدث فعلاً في الصفقة الحالية، وهي بالحقيقة تعديلاً لاتفاقية 2019. ويقضي التعديل بزيادة صادرات الغاز من 60 إلى 130 مليار متر مكعب، وتمديد مدة الاتفاقية من 2030 إلى 2040، وطبعاً زيادة القيمة الإجمالية إلى حوالي 35 مليار دولار. وقد تم توقيع الاتفاقية المعدلة في شهر آب 2025. ورغم ترحيب الحكومة على لسان وزير الطاقة واعتبارها «حدثاً تاريخياً وترسّخ مكانتنا كقوة إقليمية في مجال الطاقة يعتمد عليها جيراننا»، إلا أن نتنياهو سارع في أول سبتمبر لإصدار تعليماته بعدم استكمال تنفيذها إلا بموافقته المباشرة.

سقوط رهانات نتنياهو نتيجة رفض أميركا الانصياع، ورغبتها بتوجيه رسالة إيجابية لمصر ولشركات النفط

وأدخل تبعاً لذلك ملف الاتفاقية في بازار المفاوضات والمساومات مع مصر ومع أميركا. وذلك بهدف الحصول على مكاسب سياسية من مصر تقضي بتعديل موقفها من التطبيع ومن الحرب على غزة. ومن أميركا بمواصلة تأييد مواقفه، وممارسة ضغط أكبر لإقفال ملف محاكمته باستصدار عفو رئاسي. ومع أن إسرائيل هي الأكثر حاجة من مصر لإبرام الاتفاقية، لأن التصدير عبر محطات التسييل المصرية هو الخيار الوحيد المتاح أمامها، فقد تركز رهان نتنياهو الخاطئ على ما يلي:

  1. بالنسبة لمصر: استغلال حاجتها الملحّة للغاز الإسرائيلي بعد تراجع إنتاج حقل «ظهر»، واضطرارها إلى استيراد الغاز المسال لتغطية الطلب المحلي. إذ تحولت مصر خلال العام 2025 إلى الدولة العربية الأولى المستوردة للغاز قبل الكويت. ولكن الغاز المسال أكثر كلفة، إذ يتراوح سعر المليون وحدة حرارية بين 13 و14 دولاراً، في حين يُفترض أن لا يزيد السعر عن 8 دولارات للغاز الجاف المنقول بالأنابيب. علماً أنه لم يتم الإعلان عن السعر المعتمد في اتفاقية التصدير الإسرائيلية–المصرية، ولا الآلية المعتمدة بالتسعير، باعتبارها اتفاقية بين شركات خاصة.
  2. بالنسبة لأميركا: استغلال الضغط الذي تمارسه شركة شيفرون، المالكة لحصة أساسية في حقل «ليفياثان»، على الإدارة الأميركية. وكذلك حرص أميركا على توقيع الاتفاقية كرسالة سياسية إيجابية لمصر نظير مواقفها المتوافقة مع السياسة الأميركية في ملفات إقليمية حساسة. وكرسالة إيجابية أيضاً للشركات النفطية بهدف تشجيعها على تكثيف استثماراتها في منطقة شرق المتوسط.

أميركا ترفض المساومة ومصر محصنة بالغاز المسال

لكن ما اعتبره نتنياهو نقاط قوة لصالحه كان بالحقيقة نقاط ضعف. فمصر خلقت بديلاً مستداماً للغاز الإسرائيلي، وقامت باستئجار أربع محطات عائمة لتسييل الغاز، إضافة إلى محطة خامسة مشتركة مع الأردن. كما أعلنت تمسكها الثابت بنزع أي طابع سياسي عن الاتفاقية واعتبارها صفقة تجارية بين شركات خاصة. وهو ما عبّر عنه رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، بقوله إن الاتفاقية لا ترتبط بمواقف سياسية، ولا تشكّل جزءاً من مقايضات إقليمية، وهي تقع حصراً ضمن إطار التعاون التجاري في قطاع الطاقة.

إخراج ملف الغاز من المساومات السياسية مرهون بإزاحة اليمين الإسرائيلي من الحكم

أما ادارة ترامب، فيبدو أنها مصرّة على رفض الانصياع لتوجهات وسياسات نتنياهو المناقضة لسياسات أميركا والمضرّة بمصالحها، وحتى بالمصالح الإسرائيلية. الأمر الذي أدى إلى ممارسة ضغوط مباشرة وغير مسبوقة على حكومة نتنياهو، شملت على سبيل المثال إلغاء وزير الطاقة الأميركي زيارته إلى إسرائيل احتجاجاً على المماطلة في توقيع الاتفاقية مع مصر. وتُوّجت بضغط مباشر من الرئيس دونالد ترامب لحسم الملف.

وجاء التعبير الأوضح عن الموقف الأميركي المؤيد لتوقيع الاتفاقية، بتعليق وزارة الخارجية على منصة «إكس»، باعتبارها «انتصاراً كبيراً للأعمال التجارية والتعاون الإقليمي ولا تعزّز أمن الطاقة فحسب، بل تدعم أيضاً جهود تحقيق الاستقرار وإعادة إعمار غزة.

أرقام كبيرة.. ووقائع سياسية هشة

يجدر التنبه إلى عدم المبالغة في تظهير ضخامة وأهمية الصفقة، خاصة في الجانب المتعلق بارتهان مصر للغاز الإسرائيلي. إذ يتبين من التدقيق في المعطيات المعلنة أنها تحمل في طياتها عناصر تعطيل. وأنها عرضة للتأثيرات والأهواء السياسية في ظل الأوضاع القائمة حالياً. ونكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

  • يتم تنفيذ الاتفاقية على مرحلتين. ت

    تضمن المرحلة الأولى، التي تبدأ في 2026، زيادة جزئية قدرها 20 مليار متر مكعب فقط. أما المرحلة الثانية، التي تتضمن تصدير 110 مليارات متر مكعب، فتم ربط البدء بتنفيذها بتوفر البنية التحتية اللازمة من خطوط جديدة للأنابيب وحفر المزيد من الآبار. خاصة في حقل «ليفياثان»، وهو ثاني أكبر حقل في شرق المتوسط باحتياطات تُقدّر بحوالي 600 مليار متر مكعب. وكانت شركة «نيوميد» الإسرائيلية، المشاركة في ملكية الحقل مع شركتي شيفرون وريشيو أويل، قد أعلنت عن خطط لاستثمار 2.5 مليار دولار لحفر بئرين جديدين. إضافة إلى خطط لإنشاء خط جديد للأنابيب بحلول العام 2029.

معارضة الارتهان لمصر

  • التسريبات والتصريحات الإسرائيلية المتعلقة بتأثير الاتفاقية على كفاية الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي، والتأثيرات السلبية على أسعار الكهرباء. إضافة إلى التصريحات المشككة بعدالة التسعير، وأن الاتفاقية تصب في صالح مصر والشركات النفطية. وذلك ما عبّر عنه وزير الطاقة الإسرائيلي بالحديث عن «وجود قضايا عالقة تتعلق بالتسعير المحلي والمصالح الوطنية المرتبطة بتلبية احتياجات البلاد من الطاقة».

إسرائيل تخطط لبناء محطة للتسييل بهدف تجنب الارتهان لمصر بتصدير الغاز

  • وجود خطط إسرائيلية لبناء محطة لتسييل الغاز مقابل حقلي «ليفياثان» و«تمار». ما يعني الاستغناء عملياً عن محطتي دمياط وإأدكو، واقتصار التصدير عبر الأنابيب على توفير احتياجات السوق المصرية. وكانت الإشارة الأوضح لهذا التوجه إعلان شركة «نيوميد» تخصيص 100 مليون دولار كدفعة أولى للبدء بإنشاء المحطة. وفي فبراير الماضي أعلن الرئيس التنفيذي للشركة أن «كل الشركاء في الحقل وكذلك الجهات المعنية موافقة على إنشاء المحطة».

الخلاصة: لا خلاص مع حكم اليمين الإسرائيلي

رغم ضخامة الصفقة من الناحيتين الاقتصادية والطاقوية، إلا أنها تبقى غير محصّنة سياسياً. فهي لا تعبّر عن تحوّل في السياسة الإسرائيلية ولا بالسياسة المصرية، بقدر ما تعكس توازن قوى مؤقتاً فرضته واشنطن. كما أنها جاءت بقرار حكومي قابل للمراجعة والتعطيل في ظل تركيبة سياسية يمينية لا تخفي اعتراضها المبدئي على الاعتماد طويل الأمد على مصر كمنفذ للتصدير. كما لا تخفي إصرارها على التعامل مع ثروة الغاز كورقة مساومة سياسية، وليس كعامل رئيسي في إرساء بنية إقليمية للطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى