الهيئات الناظمة في لبنان: إصلاح… أم استنتاخ واسترضاء؟
مع إحياء قضية الهيئات الناظمة في لبنان وتقديمها كإنجاز إصلاحي، تثار تساؤلات لا يحق لأحد إدعاء امتلاك إجابات قاطعة عليها. ولكن يحق للجميع إثارة نقاش موضوعي بشأنها بطرح الأسئلة التالية:
- هل يأتي تنفيذ قوانين هيئات الاتصالات والكهرباء والطيران المدني في سياق برنامج إصلاحي، أم مجرد استجابة لطلبات الجهات المانحة حالياً. كما أتى إقرارها قبل نحو ربع قرن استجابة لمتطلبات باريس 2؟
- هل يتوافق نموذج الوكالة المستقلة الأنغلو-أميركي، المصمم أصلاً لدول متقدمة مع الدستور اللبناني أولاً. وثانياً مع البنية السياسية والإدارية المأزومة.
- هل تمت دراسة النماذج الأخرى، أم تم اعتماد النموذج الذي أوصى به «خبراء» البنك الدولي، الذين كانوا، وربما لا يزال بعضهم، يتبنون سياسات «إجماع واشنطن» للإصلاح؟ وهل تشكل هيئة إدارة قطاع البترول نموذجاً يستحق الدرس والتطوير، وربما التعميم؟
الهيئات الناظمة بين سياقين مختلفين
لوضع أي حوار جدي في إطاره الصحيح، تجدر الإشارة إلى أن الهيئات الناظمة في العالم ليست نموذجاً واحداً. فهي تختلف في أهدافها وطرائق عملها وصلاحياتها ودرجة استقلاليتها، تبعاً لظروف كل دولة وقطاع، وكل مرحلة. ولكنها بالإجمال تأتي في سياقين رئيسيين
يجب التدقيق ملياً في مدى انطباق اي منهما على الحالة اللبنانية، وهما:
أولاً: سياق تنظيم المنافسة
انتعش هذا النموذج من الهيئات الناظمة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، مع موجة الخصخصة والعولمة، وتحرير التجارة وفتح الأسواق أمام الاستثمارات الأجنبية. وترافق ذلك مع تراجع دور الدولة كمالك وشغّل لبعض القطاعات مثل الكهرباء والاتصالات والطاقة والنقل، والانتقال إلى موقع الدولة المنظمة والمراقبة.
هنا ظهرت الحاجة إلى هيئات مستقلة لتنظيم المنافسة، ومنع الاحتكار، وخلق بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات. وجاءت هذه الهيئات ليس كبديل للأجهزة الحكومية، بل كأداة لتعزيز الرقابة والتنظيم في دول مستقرة سياسياً وإدارياً ومؤسساتياً ولديها أسواق حرة نشطة، وقطاع خاص فاعل، ونظام قضائي مستقل.
وتم تقديم هذه الهيئات إلى لبنان وغالبية الدول النامية كجزء من حزمة الإصلاحات المطلوبة للتكيف مع التوجهات العالمية. كما تم فرض هذه الحزمة بالترغيب حيناً، باعتبارها المدخل إلى «نعيم العولمة» وجذب الاستثمارات وزيادة الصادرات. أو بالترهيب حيناً آخر، بجعلها شرطاً لا غنى عنه للحصول على التمويل الإنمائي من مؤسسات التمويل الدولية والدول المانحة.
ثانياً: سياق تصحيح خلل رقابي
استهدفت الهيئات ضمن هذا السياق معالجة خلل موضعي داخل نظام مؤسسي سياسي وإداري منتظم. وظهر ذلك بشكل رئيسي في القطاع المالي، بدءاً من إنشاء هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) في العام 1934 بعد أزمة الكساد الكبير. وصولاً إلى مجلس الرقابة على الاستقرار المالي (FSOC)، بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008.
إقرأ أيضاً: لبنان: الطاقة المتجددة الموزعة
تائهة بين صلاحيات الوزير والهيئة الناظمة
وقد تعزز هذا السياق، بعد جائحة كورونا، وأزمات الطاقة المتلاحقة. إذ عاد دور الدولة إلى الواجهة مجدداً. ولكن ليس لإعادة تملك الأصول والإدارة المباشرة للاقتصاد، بل بالتركيز على الأمن الاقتصادي، والسياسات الصناعية، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد. وهو الأمر الذي اعطى الهيئات الناظمة هوية جديدة كجزء من منظومة تشريعية وتنظيمية متكاملة ومتناغمة.
هل هناك نموذج واحد من الهيئات الناظمة
قبل الخوض في تفاصيل التجربة اللبنانية، لا بد من الإشارة إلى أن «الهيئة الناظمة» ليست قالباً واحداً جامداً، بل مروحة واسعة من النماذج المؤسسية التي تختلف تبعاً لما يلي: (راجع الانفوغراف المرافق).
– السياق الذي أُنشئت فيه أصلاً، سواء لتنظيم المنافسة في سوق محرَّرة، أم لتصحيح خلل رقابي.
– درجة استقلاليتها عن السلطة التنفيذية.

– طبيعة السوق والدور التنظيمي المطلوب منها.
– مستوى الصلاحيات الممنوحة لها.
لبنان: استنساخ نموذج جاهز
عند إسقاط هذه المعطيات على لبنان، يطرح التساؤل المنطقي: لماذا اختار لبنان نموذج «الوكالة المستقلة» الأنغلو-أميركي، وهو الأصعب تطبيقاً بين النماذج جميعها، والأكثر حاجة إلى بيئة حوكمة ناضجة أصلاً؟ وهل كان هذا الاختيار مدروساً أساساً؟ أم تم اعتماده كنموذج جاهز، فُرض في لحظة ضغط مالي وترهل سياسي وإداري، لاسترضاء مؤسسات التمويل الدولية والجهات المانحة؟
ونشرح باقتضاب لإثارة النقاش وليس لإصدار الأحكام.
هل النموذج الأنغلو-أميركي ملائم للبنان؟
يثير هذا النموذج العديد من المعضلات والتعارضات مع البنية الدستورية والسياسية في لبنان وفي العديد من الدول النامية وحتى المتقدمة مثل فرنسا. وأبرزها ما يلي:
أولاً، تعارض دستوري في جوهر النموذج: تقوم فلسفة «الوكالة المستقلة» على الفصل التام بين الهيئة والسلطة التنفيذية. بينما يمنح الدستور اللبناني الوزير صلاحية واسعة في وزارته. هذا التعارض ليس عائقاً تطبيقياً عابراً، بل كان السبب المباشر وراء تعطيل تشكيل الهيئات الناظمة أو تعثرها بعد تشكيلها. وذلك ما حدث في هيئة الاتصالات، والوزير الحالي كمال شحادة الذي استقال من الهيئة، شاهداً حياً على وأد تلك التجربة في مهدها. وعسى أن لا تكون استقالة رئيس هيئة الكهرباء مؤخراً، مؤشراً على وأد هذه الهيئة أيضاً.
ليست معضلة لبنانية، بل فرنسية أيضاً
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ معضلة التعارض بين استقلالية الهيئة وفق هذا النموذج، وصلاحية السلطة التنفيذية، واجهتها دول عديدة تبنّت النموذج ذاته. وفي مقدمة هذه الدول فرنسا، وهو أمر مفهوم بسبب الصلة العضوية بين النظامين الإداري والقانوني اللبناني والفرنسي. ولكن فرنسا عالجت المشكلة على مرحلتين: الأولى بتدخّل المجلس الدستوري للحد من الصلاحية التنظيمية لهذه الهيئات لتتلاءم مع الدستور. والثانية بصدور تشريع عام 2017 فرض قواعد صارمة على موازنة الهيئات، ورقابة برلمانية إلزامية على تعيين كبار المسؤولين لوقف ظاهرة تسييس التعيينات وتوظيف وزراء ومسؤولين سابقين.
وهنا يكمن الدرس الأهم للحالة

اللبنانية، فالمشكلة ليست في وجود تعارض مع صلاحيات الوزير، فهو أمر قد يكون مقبولاً في لبنان كما في فرنسا. وذلك ما عبر عنه وزير الطاقة والمياه جو صدي بالقول إن «الهيئة الناظمة هي الحجر الأساس لإعادة تنظيم قطاع الكهرباء، ونحن نطبق القانون الذي ينص على تولي الهيئة بعض صلاحيات الوزير، وهذا أمر إيجابي لأنه سيساعد في تحييد قطاع الكهرباء عن التدخلات السياسية».
ولكن المشكلة أن لبنان لم يكتف باستنساخ نموذج قد لا يكون ملائماً، لكنه لم يبادر إلى استنساخ أدوات إصلاحه. وحتى عندما سعى لمعالجة هذا التعارض بتعديل القانون بالحفاظ على صلاحيات الهيئة الناظمة، مع إبقاء مسؤولية القطاع على عاتق الوزير. جاء هذا التعديل مبتوراً وهو ما اعتبره النائب الحالي ووزير الطاقة السابق سيزار أبي خليل «هرطقة دستورية وتشريعية وإدارية»، متسائلاً: كيف يمكن تحميل الوزير مسؤولية قرارات هيئة لا سلطة له عليها؟
معضلة الاستقلالية المالية والصلاحيات
ثانياً، الاستقلالية المالية والصلاحيات شبه الكاملة: مع التسليم جدلاً، بصوابية خيار الاستقلالية المالية الكاملة الذي دحضته التجربة الفرنسية، فهناك إشكالية كبيرة تتعلق بالخصوصية اللبنانية من ناحيتين. الأولى صعوبة تطبيقها في ظل النظام السياسي والإداري «والرفض المضمر» من قبل أركان الدولة العميقة لوجود هيئة مستقلة. وخير دليل على ذلك تعثر انطلاق هيئة الكهرباء لعدم وجود التمويل اللازم حتى لدفع الرواتب بسبب الإجراءات المالية والإدارية بين الوزارات المعنية. والثانية، مخاطر تحول الهيئة إلى «مزراب» إضافي للفساد والمحسوبيات بغياب نظام فعال للحوكمة والرقابة البرلمانية والقضائية الفعالة.
إقرأ أيضا: أ «هيئة البترول» اللبنانية:
مجلس إدارة مكتمل… وصلاحيات منقوصة
وينطبق ذلك على مسألة منح الهيئة صلاحيات تشريعية وتنفيذية شبه مطلقة، ما يحولها عملياً إلى سلطة فوق السلطات. وهذا الأمر إذا كان مقبولاً بالمبدأ، لكنه يصبح مشكلة كبيرة بغياب آليات المراقبة والمساءلة.
ثالثاً: معضلة التعيين: هنا تتقاطع معضلات الاستقلالية والصلاحيات مع الترهل الإداري والسياسي، والمحاصصة بين الزعامات الطائفية والحزبية. وذلك بالرغم من كل ما يقال عن اعتماد آليات شفافة تستند إلى الكفاءة والخبرة والنزاهة. وهو ما يهدد بتحويل الهيئات الناظمة إلى طبقة إضافية من البيروقراطية، أو حتى إلى مدماك جديد في بنيان الفساد والمحسوبيات.
ابتكار للإصلاح أم استنساخ للاسترضاء؟
يتضح أن النقاش يفترض أن يتجاوز التفاصيل التقنية والمفاهيمية للهيئات الناظمة، ليطال جوهر مقاربة الدولة اللبنانية لقضية الإصلاح. فالهيئات الناظمة قد تكون أداة بالغة الفعالية إذا تم تصميمها وفق احتياجات وظروف كل دولة وكل مرحلة. كما قد تصبح «أداة عبثية» إذا تم استنساخ صيغ جامدة لمعالجة اختلال مؤسسي بنيوي.
وقد يكون المطلوب، بدل المقاربة التبسيطية باستنساخ آليات وصيغ أثبتت نجاحها في الدول الغربية، ابتكار أو تطوير صيغ وآليات تحاكي الاحتياجات الفعلية للبلد وتراعي خصوصيات تركيبته السياسية والدستورية والإدارية. والخيار ليس محصوراً بين هيئة مستقلة بالكامل أو وزارة تحتكر كل الصلاحيات، بل توجد نماذج طورتها دول عديدة لتحقيق التوازن بين الاستقلالية والمساءلة والكفاءة الفنية.
السؤال: ليس هل نحتاج هيئة ناظمة أم لا؟ بل، أي هيئة ناظمة تتوافق مع البيئة السياسية والدستورية والمؤسسية والإدارية؟
