تدفق قياسي للنفط: «هرمز» آخر لا تراه الرادارات والمسيّرات

إيران تحاصر مضيق هرمز وتغلقه بالمسيّرات والألغام… أميركا تحاصر الحصار الإيراني… ولكن في المقابل تسجل صادرات النفط أرقاماً قياسية مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، بما في ذلك صادرات العراق والكويت اللتان لا تملكان فعلياً منافذ برية.

فكيف تعبر الناقلات وسط ذلك الضجيج السياسي والعسكري؟ وهل يقتصر الأمر على ما يُعرف بـ “العبور المظلم” بأن تقوم الناقلات بإطفاء الأنوار وأجهزة التتبع، أم أن إيران تتعمد أيضاً إطفاء الرادارات وإغماض الأعين؟

العراق والكويت: ارتفاع صادرات النفط رغم إغلاق مضيق هرمز

كان لافتاً إعلان وزير النفط العراقي باسم خضير خلال مؤتمر صحافي، عن ارتفاع المتوسط اليومي لصادرات النفط من 1.5 مليون برميل في شهر يوليو، إلى  2 مليون برميل في أغسطس. واصفاً الرقم بأن الأعلى منذ بدء أندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز.

إقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفط: أسطورة الإغلاق ودرس حرب الناقلات في الثمانينيات

ولتوضيح الصورة نشير إلى أن صادرات العراق اقتصرت خلال الأشهر الأولى على نحو 250 ألف برميل يومياً عبر خط كركوك-جيهان. وكميات محدودة تنقل بالصهاريج إلى بانياس في سوريا. وقد هبط إجمالي الصادرات الشهرية من حوالي  100 مليون برميل في شهر فبراير إلى 18.6 مليون برميل في مارس. وليقفز مرة واحدة إلى نحو 49 مليون برميل في يوليو. واللافت أن حوالي 30 مليوناً من صادرات شهر يوليو مرّت عبر مضيق هرمز بحسب بيانات شركة تسويق النفط العراقية (سومو).

أما في الكويت، التي شهدت توقفاً شبه كامل في الإنتاج بعد امتلاء الخزانات، فقد أشارت شركة كبلر إلى تحقيق قفزة كبيرة في الإنتاج في شهر يوليو، ليصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً. في حين قفزت الصادرات إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً.

وتنسجم هذه الأرقام مع المعطيات التي أوردتها وكالة الطاقة الدولية وأهمها أن المنتجين الرئيسيين في المنطقة تمكنوا من زيادة الإنتاج والصادرات خلال شهري يوليو وأغسطس. وينطبق ذلك على إيران التي رفعت إنتاجها بنحو 330 ألف برميل يومياً خلال يوليو ليصل إلى 2.6 مليون برميل يومياً. كما ارتفعت صادرات إيران إلى 860 ألف برميل يومياً بحسب تقديرات الوكالة، والتي أوضحت إن عمليات التحميل “تراجعت بشدة” بعد إعادة فرض الحصار البحري الأميركي في 14 يوليو.

بين عنتريات العكسريتارية ومتطلبات الإمدادات والتسويات

هل يعني ذلك أن الإغلاق وهمي، وأن العبور ليس محفوفاً بالمخاطر؟

الجواب يكمن في الفارق بين ضجيج السياسة و«عنتريات العسكريتارية» ، وبين سكون ضمان أمن الإمدادات ومتطلبات المفاوضات والتسويات. فإيران أثبتت قدرتها على استهداف الناقلات رغم الحشود العسكرية الأميركية ورغم التقنيات المتقدمة المستخدمة. وساهمت في جعل العبور محفوفا بالمخاطر ما رفع كلفة التأمين والشحن إلى مستويات قياسية.

إقرأ أيضا: الصين ومضيق هرمز (3 من 3)

اختبار استراتيجية «معضلة ملقا» لتقليص الارتهان للمضائق

أما النتيجة النهائية، فهي أن أبواب المضيق ليست مغلقة ولا مفتوحة، بل مواربة، ما يذكّر بتجربة حرب الناقلات إبان الحرب العراقية الإيرانية.

أما كيف تعبر الناقلات؟ فهناك عدة وسائل وآليات أبرزها ما يلي:

  • «العبور المظلم»: أي قيام الناقلات بإطفاء الأنوار وأجهزة التتبع. وقامت عدة شركات مثل أدنوك وتوتال إنيرجيز وفيتول باعتماد وسيلة مبتكرة وفعالة تتمثل باستخدام ناقلات صغيرة وقديمة نسبياً للقيام برحلات مكوكية لنقل النفط إلى خارج مضيق هرمز ليُعاد تحميله في ناقلات ضخمة. وتم الاتفاق مع مجموعة «سينوكور» الكورية لتوفير هذه السفن. والتطور اللافت، كان قيام أدنوك بتولي نقل بعض الشحنات من النفط العراقي والكويتي. وقد بادرت الكويت لاحقاً إلى اعتماد هذه الوسيلة حيث يتم نقل النفط من سفينة إلى أخرى قرب سواحل صحار في سلطنة عمان.

إيران ومضيق هرمز: «قنبلة صوتية لا ذريّة »

  • تسهيلات إيرانية: تتمثل بعبور السفن من الممر الشمالي، بعد التنسيق مع السلطات الإيرانية. أو بغض النظر عن عبور سفن وناقلات من الممرات الجنوبية. ويرجع ذلك إما إلى وجود ترتيبات «تحت الطاولة»، وإما إلى حرص إيران على تقنين استهداف السفن لتجنب التصعيد العسكري مع أميركا. وكذلك لتجنب رد إقليمي ودولي واسع، قد يشمل تشكيل قوة بحرية دولية لحماية الملاحة في المضيق.
  • حسومات عالية: لجأت بعض الدول مثل العراق وإيران إلى منح حسومات عالية لتشجيع المشترين على تحمل تكاليف الشحن والتأمين المرتفعة. وأيضاً لتحمل مخاطر النقل في حال التسليم في موانئ التصدير. وقد اضطرت شركة تسويق النفط العراقية (سومو) في شهر أغسطس إلى عرض خام البصرة بحسومات تراوحت بين 25 و 27 دولاراً للبرميل. وأعلن المدير العام للشركة علي نزار الشطري، في العاشر من أغسطس الحالي بأن “العراق يبيع بعض الشحنات بسعر 60 دولاراً للبرميل الواحد”.

إغلاق يرفع الكلفة ولا يلغي العبور

وتبقى الحقيقة أن إيران بقوتها العسكرية المتراجعة، لا تستطيع إغلاق المضيق، بل تستطيع تهديد الملاحة ورفع المخاطر،  والتسبب بزيادة كبيرة في تكلفة استخدامه.

ما حدث عملياً أقرب إلى حرب لوجستية: إيران تستطيع جعل المرور أخطر وأغلى وأبطأ، وتستطيع الضغط على طاقة الشحن والتأمين، لكنها لم تُحوّل المضيق إلى جدار بحري محكم. وفي المقابل، أثبت المنتجون والتجار وشركات الناقلات قدرة أعلى مما كان متوقعاً على ابتكار طرق لإيصال البراميل إلى الأسواق. مع التنويه بالدور الكبير لخطي الأنابيب السعودي والإماراتي اللذين تبلغ طاقتهما الاستيعابية حوالي 9 ملايين برميل يومياً.

في المضيق الذي قيل إنه مغلق، لم تختفِ البراميل. اختفت، إلى حد كبير، أضواء السفن التي تحملها.

زر الذهاب إلى الأعلى