إلغاء الترسيم البحري: لماذا يجب على لبنان التمسك بالاتفاقية؟
سيزار أبي خليل: مناورة لإعادة رسم قواعد المفاوضات
التصريحات الداعية إلى إلغاء اتفاقية الترسيم بين لبنان وإسرائيل تثير قلقاً مشروعاً، لأنها تعكس حقيقة موقف اليمين الإسرائيلي. وهو ما يستوجب تحركاً مبكراً من قبل الدولة اللبنانية لتقدير التداعيات المحتملة على المفاوضات المنتظرة.
كما يستوجب أيضاً عدم الركون إلى صعوبة إنهاء الاتفاقية من الناحية القانونية. ولا الركون إلى ما تروّجه بعض الجهات اللبنانية بأن إلغاءها يصب في مصلحة لبنان، عبر إعادة طرح الخط 29 وتحويل بعض الحقول الإسرائيلية إلى مناطق متنازع عليها.
وتداركاً للوقوع في فخ التهويل من مخاطر التوجه الإسرائيلي أو التقليل منها، يجدر قراءة التطورات في سياقين رئيسيين، سياسي وقانوني، لتحديد أفضل الخيارات الممكنة للتعامل معها.
أولاً: في السياسة – نتنياهو يرفض الاتفاقية منذ البداية
أعلن اليمين الإسرائيلي موقفاً واضحاً برفض الاتفاقية التي أبرمتها حكومة يائير لابيد، ووصمها بأنها «تفريط بحقوق دولة إسرائيل». ورغم ذلك، وجدت حكومة بنيامين نتنياهو نفسها ملزمة بالاستمرار في الالتزام بالاتفاقية وإيداعها لدى الأمم المتحدة، بعدما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الطعون المقدّمة ضدها. واعتبرت أنها تندرج ضمن صلاحيات الحكومة التنفيذية ولا تستوجب عرضها على الكنيست.
إقرأ أيضاً: تعطيل ترسيم الحدود مع قبرص: بين الاجتهاد القانوني والاستغلال السياسي
وتراهن إسرائيل على أن التهديد بالانسحاب من الاتفاقية يساعدها على إعادة وضع ملف الترسيم واستغلال موارد النفط والغاز في المياه البحرية على جدول أعمال المفاوضات المباشرة المنتظرة. خاصة وأن خط الحدود ضمن المياه الإقليمية (من رأس الناقورة إلى نهاية خط الطفافات) لم يتم الاتفاق عليه.
ويبدو أن إسرائيل تستهدف، بالحد الأدنى، تثبيت خط المياه الإقليمية الذي اعتمدته، أي وضع اليد على النقطة B1 وصخرة رأس الناقورة. أما الحد الأقصى فيبقى مفتوحاً، ويشمل، على سبيل المثال، المشاركة في تصدير الغاز اللبناني بربطه بشبكة الغاز الإسرائيلية، أو حتى المشاركة في عمليات الاستكشاف والتنقيب من خلال شركات إسرائيلية.
يضاف إلى ذلك نقطة تتعلق بالمكامن المشتركة، أو حتى المكامن والحقول المحاذية للحدود وغير المشتركة كما في حالة حقل قانا الذي يقع ضمن المياه اللبنانية. حيث يتوقع أن تسعى إسرائيل إلى ترسيخ مقاربة شبيهة بتلك المعتمدة في البلوك رقم 9، والتي تقوم على ربط الاستغلال بترتيبات تتيح لها تحكماً غير مباشر بتطويره واستثماره. وهي مقاربة سبق اختبارها في حقل أفروديت المشترك مع قبرص، والذي اكتُشف في عام 2011.
ثانياً: في القانون – قيود إلغاء اتفاقية الترسيم
لا يوجد أي سند قانوني واضح يتيح لإسرائيل إنهاء أو الانسحاب من اتفاقية الترسيم المودعة لدى الأمم المتحدة. وربما يفسر ذلك تصريح وزير الطاقة إيلي كوهين، الذي نقلت عنه إذاعة الجيش الإسرائيلي قوله إن «إسرائيل تبحث عن ثغرة لإلغاء اتفاق الغاز الفاضح مع لبنان». وعدم اكتشاف تلك «الثغرة» يؤكد عدم وجودها، وليس قلة كفاءة مئات الخبراء داخل إسرائيل وخارجها.
في محاولة لرسم صورة متكاملة عن التطورات والاحتمالات، التقت «طاقة الشرق» النائب الحالي ووزير الطاقة والمياه السابق سيزار أبي خليل، وهو أحد أبرز المشاركين في إدارة هذه الملف إلى جانب مستشار الرئيس نبيه بري، علي حمدان، والعميد مازن بصبوص والخبير نجيب مسيحي، الذين لعبوا الدور الرئيسي ليس في إدارة ملف المفاوضات مع إسرائيل فقط، بل في ملف إدارة التفاهمات بين الأفرقاء السياسيين ِأيضاً.
يشدد النائب أبي خليل على الصعوبة البالغة لإنهاء الاتفاقية أو الانسحاب منها، بالنظر إلى قواعد القانون الدولي العام، وأحكام المعاهدات الدولية، وتحديداً اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. ويشير إلى أبرز هذه القواعد على النحو التالي:
-
اتفاقية فيينا… قيد قانوني واضح
تنطبق على إلغاء اتفاقية الترسيم بين لبنان وإسرائيل، أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، ولا سيما المادة 56 منها، التي تنص على أنه لا يجوز إنهاء معاهدة لا تتضمن نصاً يجيز إنهاءها أو الانسحاب منها، إلا في حالتين ضيقتين:
- إذا ثبت أن الأطراف قصدت ضمنياً إتاحة هذا الخيار.
- أو إذا أمكن استنتاج ذلك من طبيعة المعاهدة.
وهما شرطان يصعب توافرهما في حالة اتفاقية ترسيم حدود نهائية، يفترض أن تقوم على مبدأ الاستقرار والنهائية القانونية.
وعليه، يرى أبي خليل أن أي إعلان أحادي بالانسحاب لا يترتب عليه أثر قانوني تلقائي، بل قد يشكل خرقاً لالتزام دولي ويفتح باب نزاع قانوني جديد.
-
مبدأ استقرار الحدود… فوق الاتفاقيات
ويضيف النائب سيزار أبي خليل، أن هناك مبدأً راسخاً في القانون الدولي، هو استقرار وديمومة الحدود الدولية. فقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في حكم أصدرته عام 1994 في قضية الحدود الليبية – التشادية، حيث اعتبرت أن الحدود المرسّمة تبقى قائمة حتى في حال سقوط أو إبطال الاتفاقيات التي نشأت عنها، ولا يتم تعديلها إلا باتفاق جديد بين الأطراف.
ويقول إنه حتى في السيناريو النظري لإلغاء الاتفاقية، فإن خط الحدود نفسه لا يسقط تلقائياً.
-
مبدأ مخالفة القواعد الدستورية
تتيح المواد 46 إلى 53 من اتفاقية فيينا الطعن في حالات محددة، أبرزها مخالفة القواعد الدستورية الجوهرية. إلا أن هذا الطعن يخضع لقاعدة الإبطال النسبي، أي أنه حق يقتصر على الدولة التي وقع الخلل في نظامها الدستوري، كما يقول النائب سيزار أبي خليل.
إقرأ أيضاً: البلوك 8 بين «توتال» ووزارة الطاقة: رضوخ دولة أم إدارة مصالح؟
ويضيف: في الحالة الإسرائيلية، ورغم الاعتراضات السياسية التي رافقت توقيع الاتفاقية، فقد حُسم الجدل بشأن مخالفة القواعد الدستورية بقرار المحكمة العليا برفض الطعون المقدّمة. كما أن حكومة بنيامين نتنياهو نفسها قامت بإيداع الاتفاقية لدى الأمم المتحدة، ما يعزز من قوة الالتزام بها.
أما في الحالة اللبنانية، فيرى أن عدم إقرار الاتفاقية في مجلس النواب لا يشكل مدخلاً لإسرائيل للطعن بها، لسببين:
- حق الطعن، إن وجد، يقتصر على لبنان وحده، وليس لإسرائيل أي صلة بذلك.
- الاتفاقية لم تُبرم بصيغة تقليدية، بل عبر تبادل رسائل متطابقة وبذات التوقيت، برعاية أميركية، وتلى ذلك إيداع الإحداثيات لدى الأمم المتحدة. أي أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لم يوقّع اتفاقية ثنائية مع إسرائيل بالصيغة المتعارف عليها، على حد تعبير أبي خليل. ويضيف إلى ذلك أن خط الحدود المعتمد في اتفاقية الترسيم، أي الخط 23، سبق أن أقرّه لبنان بالمرسوم رقم 6433 لعام 2011.
ماذا عن الخيارات اللبنانية؟
مع أن نتائج الحرب الدائرة من إيران إلى لبنان ستحدد طريقة مقاربة إسرائيل لملف الترسيم البحري، إلا أن لبنان يمتلك، في مطلق الأحوال، خيارين للتعامل مع المستجدات:
الأول: التمسك بالاتفاقية وبالقانون الدولي، والعمل دبلوماسياً، بما في ذلك التنسيق مع قبرص، لرفض أي محاولة لإنهاء اتفاقية الترسيم أو تعديلها. لأن إنهاء أو تعديل الاتفاقية ستكون قبرص طرفاً مباشراً فيه من خلال النقطة الثلاثية، خاصة بعد توقيع لبنان وقبرص اتفاقية ترسيم حدودهما البحرية.
الثاني: الاستجابة لدعوات الإنهاء والتعديل، بدعوى أن لبنان يمكنه في هذه الحالة إعادة ترسيم منطقته الاقتصادية الخالصة استناداً إلى الخط 29 وإيداع الترسيم الجديد لدى الأمم المتحدة. وهو ما يضع إسرائيل في موقف ضعيف، لأنه يعني تحويل عدد من حقولها الشمالية إلى مناطق متنازع عليها، ما يؤدي بالتالي إلى وضع قانوني مربك للشركات الأجنبية العاملة في هذه الحقول.
الخلاصة: التمسك بإنجاز الترسيم
لما كانت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية الخالصة تخضع لموازين القوة السياسية والعسكرية أكثر من القواعد القانونية، فإن الخيار الأول يبدو أكثر انسجاماً مع الواقع اللبناني الحالي والمستقبلي.
ولذلك، فإن المصلحة الوطنية تقتضي الحفاظ على الإنجازين المحققين في الترسيم مع إسرائيل ومع قبرص. مع السعي لتحقيق الإنجاز الثالث بالترسيم مع سوريا. إذ إن إنهاء النزاعات الحدودية هو أحد الشروط اللازمة لتشجيع الشركات على الاستثمار في موارد النفط والغاز.
وأي انزلاق نحو القبول بإلغاء اتفاقية الترسيم بين لبنان وإسرائيل، وإعادة التفاوض في ظل موازين القوى الحالية، قد يبدد الإنجاز المحقق بدل تعزيزه.



