الاندماج النووي: هل ينجح رهان ألمانيا على الستيلاراتور؟

تشهد طاقة الاندماج النووي في ألمانيا تطورين لافتين. الأول تسجيل اختراقات تكنولوجية مهمة بالاعتماد على أجهزة الستيلاراتور Stellarator التي تراجع الاهتمام بها لصالح أجهزة التوكاماك. والثاني هو تزامن هذه الاختراقات مع قيام تحالفات تجمع شركات الاندماج الناشئة مع المؤسسات الحكومية وشركات الطاقة والصناعات الثقيلة والمستثمرين، لبناء قاعدة صناعية وسلاسل إمداد لتصنيع مكونات هذه الأجهزة تمهيداً لمرحلة محطات الاندماج التجارية.

التوكاماك والستيلاراتور: ما الفرق؟

العودة لأجهزة الستيلاراتور ليست تفصيلاً تقنياً، بل تتعلق بإحدى أبرز العقبات التكنولوجية للانتقال من مرحلة المفاعلات البحثية إلى المحطات التجارية، وهي الحفاظ على استقرار البلازما وتشغيلها بصورة مستمرة لتهيئة الظروف اللازمة لتواصل اندماج نوى نظائر الهيدروجين وتوليد طاقة هائلة.

ومعروف أن كلا الجهازين يعتمدان طريقة الحبس المغناطيسي للبلازما، باستخدام مجالات مغناطيسية قوية لمنعها من ملامسة جدران المفاعل.

إقرأ أيضاً: طاقة الاندماج النووي: أنواع المفاعلات وطرق الاندماج  (5 من 5)

والفارق الحاسم بين الجهازين هو أن تصميم التوكاماك يعتمد مغناطيسات ذات أشكال هندسية أبسط وأسهل تصنيعاً، ولكن المجال المغناطيسي الناتج عنها لا يكفي وحده لحبس البلازما، مما يتطلب توليد تيار كهربائي قوي داخلها لاستكمال المجال المغناطيسي اللازم للحبس. ومع أن هذه الأجهزة حققت نتائج مذهلة في حرارة البلازما وصلت إلى 100 مليون درجة مئوية، واستمرار تشغيلها لمدة تجاوزت 15 دقيقة، فإن تحقيق التشغيل المستمر ظل عقبة تكنولوجية رئيسية، إذ لا تزال التجارب محكومة بمدة تشغيل محدودة تستوجب إعادة العملية في كل مرة.

أما جهاز الستيلاراتور فيعتمد على مغناطيسات خارجية ذات أشكال هندسية معقدة لتوليد المجال المغناطيسي الحابس، من دون الحاجة إلى تيار قوي داخل البلازما يؤدي الوظيفة نفسها. وتمنحه هذه الخاصية استقراراً أفضل في مواجهة بعض الاضطرابات وملاءمة أكبر للتشغيل المستمر. لكن تعقيد تصميم المغناطيسات وصعوبة تصنيعها ظلا عقبة رئيسية أمام انتشارها. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي والتقدم المذهل في المحاكاة الحاسوبية والتصنيع الدقيق للمغناطيسات فائقة التوصيل للمساعدة في تجاوز هذه المشكلة. وبات تصنيع هذه الأجهزة بمتناول الشركات الألمانية.

لماذا ألمانيا ولماذا الستيلاراتور؟

تحتل ألمانيا موقعاً محورياً في عودة الستيلاراتور، دون التقليل من أهمية جهود بقية الدول والشركات وخاصة اليابان وأميركا وإلى حد ما فرنسا. والتركيز على ألمانيا يرجع إلى سببين: الأول طاقوي/جيوسياسي والثاني تكنولوجي/صناعي.

العوامل السياسية والطاقوية

تكتسب العودة القوية لألمانيا بعداً جيوسياسياً وطاقوياً على مستويين داخلي وخارجي. يتعلق المستوى الداخلي بمواجهة التداعيات السلبية على أمن الطاقة لقرار إنهاء استخدام الطاقة النووية التقليدية، الذي اكتمل في أبريل 2023. وقد أثار القرار جدلاً سياسياً واسعاً، ويرى منتقدوه أنه كان متسرعاً، خصوصاً بعد تفاقم تلك التداعيات بسبب انقطاع الغاز الروسي والارتفاع الكبير في أسعار الطاقة. ويبدو أن السلطات الألمانية تسعى لتقديم الطاقة النووية الاندماجية باعتبارها البديل الآمن والنظيف للطاقة النووية التقليدية وللغاز على المدى الطويل.

إقرأ أيضاً: متى يدخل العرب سباق الاندماج النووي؟

أما المستوى الخارجي فيتعلق بسعي ألمانيا إلى توظيف تقدمها البحثي في الستيلاراتور لحجز موقعها وموقع أوروبا في المنافسة الأميركية–الصينية على الطاقة الاندماجية.

العوامل التكنولوجية والصناعية

تتميز المقاربة الألمانية لتطوير أجهزة الستيلاراتور بامتلاكها خبرة متراكمة من خلال معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما. ويعتبر جهاز Wendelstein 7-X في غرايفسفالد الحصان الرابح الذي تراهن عليه ألمانيا في سباق الاندماج النووي، على الصعيدين التكنولوجي والصناعي.

فقد سجل هذا الجهاز خلال تجارب عام 2025 نتائج متقدمة، أبرزها المحافظة على مستوى مرتفع من الحاصل الثلاثي للبلازما لمدة 43 ثانية، وتمرير 1.8 غيغاجول من طاقة التسخين خلال تشغيل استمر 360 ثانية. والأهم الوصول إلى نسبة ضغط للبلازما تبلغ نحو 3% من الضغط المغناطيسي، مقارنة بمستويات مستهدفة في حدود 4–5% لمحطات الكهرباء المستقبلية. وتشير هذه النتائج إلى تقدم الستيلاراتور في بعض مؤشرات الحبس والتشغيل الطويل، مع المحافظة على ميزتها المتعلقة باستقرار البلازما.

لكن هذه النتائج لا تعني تفوق الستيلاراتور على التوكاماك في جميع المؤشرات، فالأخير حقق اختراقات مهمة في مجالات عديدة.

الاستراتيجية الألمانية: السيادة التكنولوجية

اللافت أن كل هذه التطورات تأتي متسقة مع استراتيجية حكومية معلنة. فقد أقرت الحكومة في أكتوبر 2025 خطة عمل حددت هدف إنشاء أول محطة اندماج تجارية في العالم على الأراضي الألمانية. وفي مايو 2026، أعلنت وزارة الاقتصاد والطاقة مشاركة برلين في مبادرة أوروبية للمشروعات الصناعية الاستراتيجية في تقنيات الاندماج، مع تخصيص نحو 2.4 مليار يورو لدعم القطاع خلال الدورة التشريعية الحالية. كما أطلقت الوكالة الاتحادية للابتكار الجذري (SPRIND)، في أكتوبر 2026، برنامجاً لتمويل شركات الاندماج بقيمة 500 مليون يورو.

وقالت وزيرة الاقتصاد والطاقة، كاترينا رايشه، إن «الاندماج ليس هدفاً للمستقبل البعيد، بل مهمة استراتيجية في الأمد القصير». وأكدت أهمية تحويل التكنولوجيا إلى تطبيقات صناعية.

تحويل التكنولوجيا إلى صناعة

البعد الأهم هو أن التطور ليس محصوراً في المختبرات والاختراقات التكنولوجية، بل امتد إلى شركات وهيئات حكومية تسعى إلى تحويل الاختراقات التكنولوجية إلى قاعدة صناعية وسلاسل إمداد.

ففي 26 فبراير 2026، وقعت شركة بروكسيما فيوجن Proxima Fusion اتفاقاً مع حكومة ولاية بافاريا وشركة الكهرباء الألمانية RWE ومعهد ماكس بلانك لتطوير جهاز تجريبي باسم Alpha، تمهيداً لإنشاء محطة كهرباء اندماجية باسم Stellaris في موقع غوندرمينغن، الذي ارتبط تاريخياً بالطاقة النووية التقليدية. وتم تشكيل تحالف صناعي يضم أكثر من 30 شركة لتطوير قدرات التصنيع والتجميع اللازمة لبناء أجهزة الستيلاراتور. وتمكنت الشركة في يوليو 2026 من جمع 411 مليون يورو لتمويل أنشطتها، في جولة تمويل رفعت تقييم الشركة إلى 2.4 مليار يورو.

إقرأ أيضاً: أوروبا والاندماج النووي: اختبار الانتقال من «التنظير» إلى التصنيع

وقال المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للشركة، فرانشيسكو شورتينو، إن مشروع Alpha ينقل الاندماج إلى مرحلة يصبح فيها التنفيذ الصناعي العامل الحاسم، من خلال جمع القدرات اللازمة لتصنيع الأنظمة المعقدة وإنتاجها على نطاق واسع في أوروبا.

وفي تطور آخر في السياق ذاته، أعلنت شركة Gauss Fusion عن خطتها لتطوير محطة اندماجية باسم GIGA، من فئة الغيغاواط، يتوقع دخولها الخدمة مطلع الأربعينيات. ووقعت الشركة في فبراير 2026 اتفاقاً مع مؤسسة Fusion for Energy الأوروبية للتعاون في مجالات المغناطيسات والمواد ووقود التريتيوم وسلاسل الإمداد.

تحديات الرهان الألماني

رغم هذه المؤشرات، يواجه الستيلاراتور مخاطر قد تعطل الرهان الألماني. أولها أن نسبة ضغط البلازما المحققة (نحو 3%) لا تزال دون المستهدف لمحطات الكهرباء (4–5%). وثانيها أن تعقيد المغناطيسات يجعل الانتقال من جهاز بحثي واحد إلى تصنيع متكرر بكلفة تنافسية تحدياً كبيراً. وثالثها الاعتماد على مغناطيسات فائقة التوصيل قد تتأثر بسلسلة إمداد عالمية محدودة المصادر، تتنافس عليها أيضاً مشروعات التوكاماك الخاصة.

ألمانيا ليست وحدها والستيلاراتور لا يلغي التوكاماك

رغم تركيزها على أجهزة الستيلاراتور، فإن ألمانيا تطور أحد أبرز أجهزة التوكاماك ASDEX Upgrade، كما تشارك في المفاعل الدولي إيتر ITER، وتتعاون أيضاً مع شركة كومنولث فيوجن سيستمز Commonwealth Fusion Systems الأميركية في تطوير جهاز التوكاماك سبارك.

كما أن ألمانيا ليست وحدها في ميدان تطوير أجهزة الستيلاراتور. فالولايات المتحدة تتبنى استراتيجية تدعم مسارات متعددة للاندماج النووي. وفي يونيو 2026، أصدرت وزارة الطاقة خارطة طريق تستهدف دعم المحطات التجريبية وإنتاج الكهرباء التجاري في منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.

وتبرز في مجال الستيلاراتور شركتان أميركيتان: Type One Energy التي تطور مشروع Infinity One، تمهيداً لإنشاء محطة Infinity Two بقدرة مستهدفة تبلغ نحو 400 ميغاواط؛ وThea Energy التي تعتمد مقاربة مختلفة لمعالجة تعقيد المغناطيسات الحلزونية التقليدية، من خلال استخدام مغناطيسات مستوية فائقة التوصيل.

إقرأ أيضاً: طاقة الاندماج النووي بين الانجاز العلمي والضجيج الإعلامي

كما تمتلك اليابان خبرة طويلة في الستيلاراتور من خلال جهاز Large Helical Device (LHD)، الذي بدأت تجاربه عام 1998 واستمرت حتى نهاية 2025. وتسعى شركة Helical Fusion إلى تحويل هذه الخبرة إلى مشروعات تجارية، من خلال جهاز HELIX HARUKA التجريبي، تمهيداً لتطوير محطة HELIX KANATA لإنتاج الكهرباء.

وهكذا، تحافظ ألمانيا على حضور واسع في تقنيات الاندماج، مع استثمار تفوقها النسبي في الستيلاراتور لبناء ميزة صناعية خاصة. وفي ظل المنافسة الأميركية–الصينية على التوكاماك، قد توفر هذه التقنية لألمانيا وأوروبا مجالاً لترسيخ موقع تكنولوجي وصناعي متميز.

الخلاصة

ما سيحسم الرهان ليس السبق العلمي وحده، بل اختبارات ثلاثة: قدرة جهاز Alpha على إثبات جدوى التصميم وتحقيق الكسب الصافي المستهدف للطاقة الاندماجية على مستوى البلازما، وقدرة التحالف الصناعي على تصنيع المغناطيسات المعقدة بكلفة تنافسية وبالتوقيت المناسب، واستمرار تدفق التمويل العام والخاص حتى تدخل أولى المحطات الخدمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى