بيروت بين أنقرة وأثينا: اختبار الحياد الإيجابي في صراع حلفاء أميركا

  • هل تشكل زيارة رئيسي الجمهورية والحكومة جوزاف عون ونواف سلام إلى تركيا، ومن ثم زيارة عون إلى أثينا، مقدمة لترسيخ موقع الحياد الإيجابي للبنان في الصراعات الإقليمية، بدلاً من أن يبقى ساحة لها؟
  • هل ينجحان في تطبيق ذلك على الصراع القديم بين أميركا وإيران و«أذرعها»، كما على الصراعات المستجدة بين حلفاء أميركا؟
  • هل تنجح مساعي حجز مقعد لبنان في توازنات المصالح التي تتشكل في شرق المتوسط، وتتمحور حول الطاقة وخطوط الأنابيب والممرات الاقتصادية، والنأي به عن خط زلازل النزاعات على الحدود البحرية؟

تفرض هذه التساؤلات نفسها في لحظة تتزايد فيها المؤشرات على احتمال فتح ملفات النزاعات المؤجلة والفرص المجمدة في شرق المتوسط. ويأتي ذلك بالتوازي مع تزايد وضوح التنافس بين مشروعين إقليميين، كلاهما يضم حلفاء للولايات المتحدة. الأول يتبلور حول تركيا والسعودية وباكستان، واكتسب بعداً مؤسسياً مع «اتفاق مكة»، مستفيداً أيضاً من النفوذ التركي المتزايد في سوريا. والثاني يقوم على الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل واليونان وقبرص، مع تقاطع متزايد مع الهند وبعض الدول العربية، وشبكة واسعة من المصالح في الطاقة والأمن والممرات الاقتصادية.

عصا الضغوط وجزرة الاستمالة

يظهر لبنان في مقدمة الدول التي يسعى كل مشروع إلى استمالتها، إما «بالإكراه»، عبر الضغوط السياسية وحتى العسكرية والأمنية، وإما «بالإغراء»، عبر الدعم السياسي، والمساعدات المالية والعسكرية، وصولاً إلى دعم المشاريع التنموية الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع النفط والغاز.

إقرأ أيضاً: غاز شرق المتوسط أسير أحقاد التاريخ ونزاعات الجغرافيا

وكان تصريح الرئيس التركي عقب اجتماعه مع الرئيس اللبناني، واضحاً. فقال إن تركيا تريد أن تؤدي «دوراً فاعلاً» في المبادرات الهادفة إلى حماية سيادة لبنان. كما أكد استعداد أنقرة للمساهمة في تعزيز العلاقات اللبنانية-السورية، واللبيب من الإشارة يفهم. إضافة بالطبع إلى دعم مشروع وصول خط أنابيب النفط العراقي إلى طرابلس وإقامة مركز للتكرير والتخزين.

وفي أثينا، كان العرض أكثر وضوحاً. فقد أعلن رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس «رفع العلاقة مع لبنان إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية». وذهب إلى حد المطالبة بإنشاء مجلس تعاون رفيع المستوى يشمل السياسة الخارجية والدفاع والطاقة. وتحدث عن «جسور» للطاقة وبنية تحتية مشتركة تربط شرق المتوسط بأوروبا، مؤكداً أن لبنان يجب أن يؤدي «دوراً محورياً» في هذه الهندسة الجديدة.

أميركا ولبنان: الإمساك بالعصا من الوسط

تكمن صعوبة الموقف اللبناني وبالتالي القدرة على تنفيذ المقاربة التي يعتمدها الثنائي عون-سلام، في حقيقتين أساسيتين:

الحقيقة الأولى، أن الولايات المتحدة، الراعي الأكبر للنظام الإقليمي، ليست في وارد الانحياز الكامل إلى أي من المشروعين المكونين من أقرب حلفائها. فتركيا عضو أساسي في حلف شمال الأطلسي وقوة إقليمية يصعب تجاوزها. أما إسرائيل فتشكل ركناً استراتيجياً ثابتاً في السياسة الأميركية. في حين تندرج اليونان وقبرص ضمن منظومة المصالح الغربية في شرق المتوسط.

 إقرأ أيضاً: إحياء الترسيم البحري بين تركيا وليبيا: الغاز يعيد رسم خرائط شرق المتوسط

ولذلك، يرجح أن تحاول واشنطن الإمساك بالعصا من الوسط، وإدارة التنافس بدلاً من حسمه لمصلحة طرف. وهذا يترك للبنان هامشاً للمناورة، لكنه يحرمه في الوقت نفسه من مظلة أميركية جاهزة تحمي خياراته من ضغوط الأطراف المتنافسة.

هل ينجح الرئيسان عون وسلام بتحييد لبنان عن الصراع القديم بين أميركا وإيران و«أذرعها»، والصراع المستجد بين حلفاء أميركا؟

أما الحقيقة الثانية، وربما الأكثر خطورة، فهي هشاشة الوضع اللبناني نفسه. فنجاح أي سياسة تقوم على الحياد الإيجابي يفترض وجود دولة تملك قرارها. وهذا الشرط لا يزال موضع اختبار وتجاذب في ظل سلاح حزب الله وعدم اكتمال سيطرة الدولة على قرار السلم والحرب. فضلاً عن الارتباطات المباشرة لقوى سياسية لبنانية بأطراف إقليمية ودولية مختلفة.

واللافت أن ميتسوتاكيس نفسه وضع إصبعه على هذه النقطة خلال استقباله عون، عندما قال إن «الدولة القوية شرط للبنان القوي»، وإن السلطة المركزية يجب أن تحتفظ وحدها بالحق الحصري في ممارسة القوة المسلحة المشروعة على كامل الأراضي اللبنانية.

وهذه ليست مشكلة نظرية. فكلما ازدادت حدة الاستقطاب الإقليمي، ازدادت قابلية الانقسامات الداخلية للتحول إلى أدوات ضغط خارجية، وضاق هامش الدولة في التفاوض باسم مصلحة لبنانية مستقلة.

ثلاثة امتحانات قريبة

لن يبقى اختبار هذه السياسة في نطاق الدبلوماسية طويلاً. فهناك ثلاثة ملفات تضع لبنان مباشرة أمام تقاطع المصالح الإقليمية.

  1. ترسيم الحدود البحرية مع سوريا

قد يكون الامتحان الأكثر حساسية، فالترسيم مصلحة لبنانية مؤكدة، لكنه يتصل مباشرة بالصراع التركي-اليوناني-القبرصي حول قواعد رسم المناطق البحرية في شرق المتوسط. وسيكون الامتحان في قدرة بيروت ودمشق على الوصول إلى اتفاق يستند إلى القانون الدولي ويضمن حقوقهما، من دون أن يتحول الترسيم إلى ورقة تركية في مواجهة قبرص واليونان، ومن دون أن يخضع لبنان في المقابل لضغوط قبرصية أو يونانية أو أوروبية.

إقرأ أيضاً: نفط البصرة لا كركوك… إلى بانياس وطرابلس، وتسوية «إرضائية» لتركيا

ويمتلك لبنان ورقة قوة كبيرة في هذا المجال، هي مبادرته إلى ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، والتي كانت «ضربة معلم»، ساهمت بإخراجه جزئياً من الصراع الحدودي التركي-القبرص/اليوناني.

  1. مشروع خط أنابيب النفط العراقي

يكشف بصورة أكثر وضوحاً تقاطع مشاريع الطاقة مع الجغرافيا السياسية. فالمشروع المطروح للدراسة ينطلق من البصرة إلى حديثة، ومن هناك تتعدد المسارات والخيارات. تركيا تفضّل تفريعتي جيهان وبانياس، وتطرح تمديد خط بانياس إلى طرابلس لاستمالة لبنان إلى هذا المشروع. وفي المقابل، تفضّل إسرائيل تفريعة العقبة، مع إمكان تمديدها لاحقاً إلى إيلات.

وهكذا لا يعود الخلاف حول مسار أنبوب فقط، بل حول أي شبكة إقليمية ستربط نفط العراق بشرق المتوسط، ومن سيكون داخلها ومن سيبقى خارجها.

وهنا يملك لبنان ورقة مهمة إذا أحسن استخدامها هي منشآت النفط في طرابلس وإمكان تحويلها من مجرد محطة نهائية لخط أنابيب إلى مركز للتكرير والتخزين والتسويق والخدمات النفطية. فكلما ارتفعت القيمة المضافة التي يستطيع لبنان توفيرها، ازدادت قدرته على التفاوض بدلاً من الاكتفاء بالاختيار بين مشاريع الآخرين.

  1. استئناف التنقيب عن النفط والغاز

يشكل هذا الملف خير مثال على تقاطع التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية مع ترهل الأوضاع السياسية والإدارة الداخلية. ورغم أهمية التطور الذي حصل مطلع العام بتوقيع اتفاقية الاستكشاف في البلوك 8، فإن الاستقرار الحدودي، وعلاقة لبنان بقبرص وسوريا، والتوازنات الإقليمية المحيطة بشركات الطاقة والاستثمارات، كلها ستؤثر في قدرة بيروت على إطلاق هذا القطاع بشكل جدي، بعد سنوات من التعثر.

الحياد الإيجابي لا الانعزال السلبي

يقف لبنان بذلك أمام مفترق طرق قد يكون الأهم منذ عقود. وهو ما يبدو أن عون وسلام يحاولان التعامل معه بمقاربة متناسقة تقوم على الحياد الإيجابي بين القوى الإقليمية المتنافسة. وهذا الحياد ليس انعزالاً سلبياً ولا الوقوف على مسافة واحدة حسابياً من الجميع، بل حياد إيجابي يقوم على بناء أفضل العلاقات مع جميع الأطراف على قاعدة المصالح المشتركة والحقوق المتبادلة.

زيارة سلام إلى تركيا، ثم زيارة عون إلى أنقرة وأثينا، يمكن قراءتها كبداية لهذه المقاربة. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الدبلوماسية من القصور الرئاسية إلى خرائط الحدود وخطوط الأنابيب وحقول الغاز.

كان الله في عون الثنائي عون-سلام؛ ليس في مواجهة ضغوط الخارج، فتلك مقدور عليها، بل في مواجهة مطبات الداخل وألغامه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى