تساؤلات غير بريئة حول استهداف الغاز القطري وإغلاق مضيق هرمز
صحيح إن التحليلات السطحية التي تعتمد «نظرية المؤامرة» تجافي الحقيقة والموضوعية في تناول قضايا شائكة ومعقدة تتعلق بالطاقة والصراع الإقليمي، مثل إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الغاز في قطر. لكن الصحيح أيضاً ان التحليلات المسطحة التي تعتمد تجنب هذه التهمة تناقض الموضوعية وتطمس الحقائق والوقائع بذات القدر أو أكثر.
بضعة حقائق تمهيدية
ومن أبرز هذه الحقائق أن التوقف شبه الكامل للملاحة عبر مضيق هرمز لا يتناسب مع مستوى التهديدات ولا مع قدرات إيران العسكرية على إغلاقه. وهو يرجع أساساً إلى إقدام شركات التأمين على إلغاء التغطية التأمينية للسفن والطواقم. كما يتناقض هذا التوقف مع السياق التاريخي للعديد من حالات تهديد أمن الملاحة منذ قيام جمهورية إيران الإسلامية. وكان أخطرها ما عرف بـ «حرب الناقلات» خلال الحرب العراقية الإيرانية. أما آخرها فكان استهداف الحوثيين للسفن وناقلات النفط في مضيق المندب.
ومن الحقائق أيضاً أن الاستهداف العنيف والمدمر لمنشآت الغاز في رأس لفان في قطر شكل استثناء لافتاً للسياق العام للحرب الحالية ولحرب الـ 12 يوماً السابقة. حيث تم تحييد مرافق ومنشآت الطاقة بشكل صارم، أو تم استهدافها بضربات خفيفة ورمزية.
أقرأ أيضاً: أزمة مضيق هرمز: من يديرها ومن يجني مكاسبها؟ ـ قراءة «خارج الصندوق» لـ أنس الحجي
و لأن اقتصار التحليل على الجانب العسكري وحده يعتبر تسطيحاً وتبسيطاً للواقع المعقد، فيصبح توقف الملاحة نتيجة طبيعية للأعمال العسكرية. ويتحول تدمير منشآت الغاز في رأس لفان إلى مجرد «سوء حظ» بأن تم استخدام صواريخ بالستية بدل المسيرات. وبأن الصواريخ الاعتراضية الأميركية التي يفترض أن تحمي قاعدة العديد ودولة قطر لم تعمل كما يجب.
ولأن المبالغة في التحليل السياسي تحمل مخاطر الوقوع في نظرية المؤامرة، نكتفي بطرح تساؤلات مشروعة غير بريئة، تستند إلى وقائع وحقائق وتصريحات لكبار المسؤولين.
أولاً: لماذا منشآت الغاز في قطر؟
معروف أن قطر كانت في طليعة الدول التي تبنت خيار الغاز المسال لتصدير ثروتها الضخمة. وقد استثمرت عشرات مليارات الدولارات في تطوير بنية تحتية متكاملة من مرافق الإنتاج والتسييل والتخزين والناقلات المتخصصة. كما شجعت وساعدت في بناء محطات التغويز في الدول المستوردة. وتعتبر منشأة رأس لفان أكبر مركز لمعالجة وتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم. وكانت أميركا الدولة الثانية بعد قطر التي تعتمد خيار الغاز المسال وقد انتزعت منها المرتبة الأولى في التصدير، وتلتهما بعد ذلك استراليا وأخيراً روسيا.
ومعروف أيضاً أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا، ويعتبر حقل الشمال (بارس) المشترك مع دولة قطر أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم.
أولا: استهداف منشآت رأس لفان؟
هل كانت عملية مقصودة؟
- هل يصح اعتبار الضربة الاستثنائية لمنشآت رأس لفان عملية مقصودة وليست مجرد نشاط عسكري؟ ويكون الهدف الخفي للضربة معطوفاً على الوقف الكامل تقريباً لصادرات الغاز القطرية ولعمليات إنتاج الغاز وتسييله، هو تقليص حصة الغاز القطري في السوق العالمية. خاصة وأن عمليات الإصلاح قد تستغرق بين 3 إلى 5 سنوات كما قال وزير الطاقة القطري والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة سعد بن شريدة الكعبي. وأشار إلى تضرر اثنتين من 14 مصفاة للغاز المسال (LNG trains)، وواحدة من منشأتي تحويل الغاز إلى سوائل(GTL facilities) . وقدّر الوزير نسبة الخسارة بحوالي 17 في المئة من طاقة إنتاج الغاز المسال.
ماذا عن التوقيت والأهداف الخفية
- هل كانت صدفة ومجرد رد فعل عفوي، أن يأتي استهداف الغاز القطري بعد غارة أميركية ـ إسرائيلية محدودة على حقل بارس؟ واستكمالاً لعدم البراءة في طرح التساؤلات المشروعة، هل يصح القول إن فوز الشركات الأمريكية بتطوير حقل بارس سيكون بمثابة الجائزة التي ينتظرها الرئيس ترامب، الذي قال صراحة في منشور على منصة “تروث سوشال (Truth Social) بتاريخ 3 أبريل: “مع قليل من الوقت الإضافي، نستطيع بسهولة فتح مضيق هرمز، والاستيلاء على النفط والغاز، وجني ثروة طائلة”؟
هل أميركا هي المستفيد الأول
- هل يصح القول إن الولايات المتحدة ستكون المستفيد الأول من الوقف المؤقت لصادرات الغاز المسال القطري. وأيضاً من تعطيل جزء من قدرات الإنتاج والتسييل لفترة طويلة.؟ وذلك من خلال حلول الصادرات الأمريكية محل القطرية.
إقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفط: أسطورة الإغلاق ودرس حرب الناقلات في الثمانينيات
ويكتسب هذا السؤال أهميته ومصداقيته إذا شكل تراجع الصادرات القطرية لفترة طويلة صدمة هيكلية في سوق الغاز المسال، وليس مجرد اضطراب عابر في المعروض. إذ أن هذه السوق تتجه كما هو معروف إلى تسجيل فائض كبير ابتداء من العام الحالي وحتى عام 2030. ويرجع ذلك إلى مشاريع التسييل الضخمة قيد الإنشاء. وتقدّر مؤسسة IEEFA زيادة قدرات التسييل في مختلف دول العالم بنسبة 40 في المئة حتى 2028، أي ما يعادل نحو 193 مليون طن سنوياً. وتأتي أميركا في طليعة هذه الدول بقدرات تسييل جديدة تقدّر بحوالي 80 مليون طن سنوياً. تليها قطر بمشروع توسعة حقل الشمال الذي سيرفع طاقتها الإنتاجية من77 مليون طن سنوياً إلى 126 مليون طن بحلول 2027. وهو المشروع الذي سيتم تأجيل تنفيذه بسبب الضربة الإيرانية كما قال وزير الطاقة القطري.
ثانياً : من يغلق مضيق هرمز وكيف؟
كان لافتاً ما يمكن وصفه بالموقف اللامبالي لأميركا من توقف الملاحة عبر المضيق. ما دفع بعض المحللين إلى ربط هذا الموقف بجانب سياسي خفي يتعلق برفض الدول الخليجية والأوروبية المتضررة من الإغلاق، التورط في الحرب. وتتفرع التساؤلات المشروعة لتشمل على سبيل المثال:
- هل تمتلك إيران القوة العسكرية اللازمة لإغلاق المضيق في ظل الضعف المزمن لقواتها البحرية والجوية، والتي تزداد تآكلاً وهزالاً بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية؟
- كيف يتم تفسير التوقف شبه الكامل للملاحة عبر المضيق بعد التهديد الإيراني بالتعرض للسفن، وبعد استهدافات محدودة لبعض الناقلات، ولماذا لم يُغلق المضيق خلال حرب الناقلات في ثمانينات القرن الماضي؟. وذلك بالرغم من استهداف حوالي 450 سفينة و 70 ناقلة نفط.؟ وبالرغم أيضاً من مشاركة إيران والعراق باستهداف السفن باستخدام كل أنواع الأسلحة بما فيها الطيران الحربي والبوارج وزرع الألغام؟
- لماذا أحجمت جميع الدول عن استخدام المضيق رغم إعلان إيران عن منع مرور «السفن التابعة للأعداء»، ورغم معرفة الجميع أن ذلك إعلان سياسي لا يعكس حقيقة أن السفن تبحر رافعة أعلام دول لا علاقة لها بملكية السفينة أو الشحنة. ما يجعل تصنيف سفن الأعداء والأصدقاء عملية بالغة الصعوبة.
دور شركات تأمين وغض النظر الأميركي
- هل يكون السبب الحقيقي هو «مزيج مركب بعناية» من مخاطر عسكرية وسياسية متوسطة، وتسعير مبالغ فيه لمخاطر الحرب من قبل شركات التأمين والشحن. وصولاً إلى عدم اكتفاء قيام شركات ومجمعات التأمين برفع التكلفة بنسبة قاربت 500 في المئة، بل قامت بإلغاء التغطية التأمينية.
- هل هناك نوع من غض النظر من قبل أميركا على إغلاق المضيق، أو الأقل عدم الرغبة بخوض معركة لفتحه؟ وذلك ما يفسر قول الرئيس ترامب إن: “أميركا غير متضررة من إغلاق مضيق هرمز وعلى الدول المتضررة أن تحشد جيوشها لفتحه”.
إقرأ أيضاً: أسواق الغاز المسال: فائض كبير، وسنوات «عجاف»
التردد الأوروبي تجاه قضية الطاقة والصراع الإقليمي
- هل هناك عدم حماسة أوروبية لخوض مغامرة استئناف الملاحة وتحمل مخاطر التورط في حرب لم تشارك في قرار إعلانها ولن تشارك في قرار إنهائها، ولا حصة لها في مغانمها؟ خاصة وأن أوروبا بإمكانها تحمل أضرار توقف مؤقت لصادرات النفط والغاز من الخليج بسبب ضآلة اعتمادها عليها والتي لا تتجاوز 10 في المئة بالنسبة للغاز. وكذلك بسبب وجود بدائل تعويضية من أميركا وروسيا وأفريقيا. وذلك ما يفسر فشل اجتماع ضم 40 دولة بالخروج بقرارات واضحة بشأن استئناف الملاحة عبر المضيق.
الموقف الملتبس للصين وروسيا
الموقف الروسي الطوباوي الداعي لاعتماد لغة الحوار والاحتكام إلى القانون الدولي، قد يكون مفهوماً لأن روسيا تعتبر المستفيد الاكبر من توقف صادرات الغاز والنفط من دول الخليج. فإن الموقف الصيني يبدو مستغرباً خاصة وانها الدولة الأكثر تضررا. لأنها تستأثر بحوالي 80 في المئة من صادرات الخليج النفطية. وهناك بعض المحللين يرون أن الصين قد تضحي بدفع سعر أعلى للنفط والغاز، مقابل رؤية أميركا تغرق في حرب ممتدة في الخليج. هذا إذا لم تبادر هي وروسيا إلى تزويد إيران سراً بأسلحة تساعد على إطالة مدة الحرب.
الخلاصة
مع التأكيد على عدم استبعاد الفرضيات التبسيطية بإن يكون إغلاق مضيق هرمز هو مجرد تسعير مبالغ به لمخاطر الحرب بسبب التهديدات الإيرانية. وبأن استهداف منشآت الغاز القطري هو تقدير سياسي وعسكري خاطئ. فإن التساؤلات المطروحة ليست مجرد تكهنات نظرية، بل هي تساؤلات مشروعة تستند إلى وقائع والإجابة عليها تتطلب فهماً عميقاً للديناميات الجيوسياسية والاقتصادية التي تحكم أسواق الطاقة والصراع الإقليمي. وهي تعكس حقيقة أن الطاقة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل هي أداة جيوسياسية قوية في يد الدول الكبرى.



