تصدير نفط الخليج عبر سوريا وأوهام «وثيقة» توم براك
لبنان منافس قوي على مشاريع متكاملة تشمل التكرير والتخزين
يتصاعد الحديث عن «وثيقة أميركية» منسوبة إلى المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك. وتهدف إلى إحياء خط كركوك بانياس، وتحويل سوريا إلى مركز لتصدير نفط الخليج، واستبعاد مقصود للبنان. فما حقيقة هذه «الوثيقة»؟ وما دقة وصوابية مضمونها في حال وجودها، من الناحية الجيوسياية، ومن ناحية أساسيات صناعة النفط والغاز؟
أولاً: في «الوثيقة»
بعيداً عن إشكالية الإيحاءات المقصودة، باستخدام تعبير «وثيقة أميركية» وتجاوز التعريف القانوني والإداري لهذا التعبير، فلا توجد وثيقة او مذكرة، ولا حتى إحاطة رسمية منشورة حول هذا الموضوع. وجل ما هو موجود، تصريحات متناثرة او مداخلة في مؤتمر، لبراك.
خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: إغلاق ملتبس ومشاريع غير قابلة للتنفيذ (1 من 2)
وسواء كان الأمر اجتهاداً إعلامياً بتجميع تصريحات براك، وتقديمها كوثيقة. أو كان مذكرة داخلية أعدها مع فريقه في السفارة الأميركية بأنقرة، وتم تسريبها عمداً، فإن ما يعنينا بالأمر هو مضمون «السردية» التي يتم تداولها في وسائل الإعلام. خاصة وان هذا المضمون يتسق مع المعروف عن توم براك بأنه رجل الصفقات dealmaker. كما يتسق مع المعروف عنه بدعمه الكبير لإحياء خط كركوك ـ بانياس.
ثانياً: في مضمون «الوثيقة»
مع أن هذا الطرح يبدو جذاباً من الناحية الجيوسياسية، إذ ينسجم مع جهود إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي. كما ينسجم مع تصاعد المخاوف على أمن الإمدادات بسبب «ملابسات» إغلاق مضيق هرمز. ولكن عند الانتقال من مستوى «السردية الجذابة» إلى مستوى التحليل الرصين، يتبين أنه يصطدم بحقائق سياسية وأمنية واقتصادية وتاريخية. كما يتناقض مع أساسيات صناعة النفط والغاز.
ويُظهرالتدقيق في المحاور الأربعة التي تضمنتها «الوثيقة» أن هناك محور أساسي مستهدف وبالتالي يستحق التوقف عنده وهو إحياء خط كركوك ـ بانياس. أما المحاور الثلاثة، فنكتفي بالإشارة إليها بإيجاز:
- محور خط الغاز القطري التركي: اعتمدت قطر منذ سنوات طويلة خيار تصدير الغاز المسال وليس الغاز الجاف عبر الأنابيب. واستثمرت عشرات مليارات الدولارات في إنشاء بنية تحتية متكاملة من مرافق الانتاج والتسييل إلى أساطيل النقل. ولو شاءت بناء خطوط أنابيب لكانت اعتمدت توسعة خط دولفين القائم فعلاً، أو إنشاء خط مواز لتصدير الغاز إلى سلطنة عمان.
- محور تمديد خط الغاز العربي إلى تركيا: نكتفي بسؤال «نافي للجهالة»، من أين سيأتي الغاز إذا كانت مصر باتت مستوردة صافية للغاز.
- محور خط أذربيجان – حلب: خط محدود الأبعاد و محدد الاهداف مولته دولة قطر لتوفير الغاز لمحطات الكهرباء.
إقرأ أيضاً: خط الغاز القطري التركي: توظيف سياسي واستهلاك إعلامي
ثالثاً: محور إحياء خط كركوك ـ بانياس
يمكن القول إنه «بيت القصيد» في «الوثيقة» المزعومة، أو في تسريبها إذا وجدت. ولكن هذا الخط يتجاهل الحقائق التي أعاقت كل محاولات إحيائه وهي:
- الحقيقة الأولى: العراق لا يواجه مشكلة بتصدير نفط حقل كركوك وبقية حقول الشمال. لأنه يمتلك خطين لتصديره إلى تركيا. الأول هو الخط الاتحادي التاريخي كركوك ـ فيش خابور ـ منياء جيهان. والثاني الخط «الكردي» الذي تم استحداثه بعد تخريب الخط الأول من قبل تنظيم داعش وهو كركوك ـ فيش خابور. وتمت مؤخراً تسوية الخلاف مع حكومة كردستان، بعدما أوقفت الحكومة العراقية تشغيله، بموجب قرار تحكيم دولي. وتبلغ الطاقة التصميمية لهذين الخطين حوالي 2.5 مليون برميل يومياً. (تم تأهيل الخط الاتحادي بشكل جزئي وباتت قدرته الفعلية حالياً حوالي 350 ألف برميل).
- الحقيقة الثانية: حقول الشمال باتت هرمة ومستنزفة إلى حد بعيد، ولا تتجاوز حصتها حالياً، 15 في المئة من إجمالي انتاج العراق. في حين تتركز النسبة الباقية في حقول الجنوب والوسط. كما أن هذه الحقول تستأثر بالجزء الأكبر من مشاريع التطوير ومن استثمارات الشركات النفطية الأجنبية.

خط البصرة حديثة العقبة مع تفريعة إلى بانياس وطرابلس - ذلك يقود إلى الحقيقة الثالثة، التي يعرفها جيداً السيد توم براك، وربما تزعجه، وهي أن الخط المطروح بقوة حالياً هو خط البصرة ـ حديثة كمرحة أولى. ثم يتفرع إلى خطين: الأول نحو بانياس وطرابلس والثاني نحو العقبة. وآخر التطورات كانت بتاريخ 7 أبريل 2026، بصدور قرار تاريخي عن الحكومة العراقية يقضي بدعوة الشركات لتقديم عروضها لبدء التنفيذ.
- الحقيقة الرابعة: لا مصلحة لتصدير نفط الخليج عبر سوريا أو أي دولة في شرق المتوسط. لأن الجزء الأكبر من الصادرات النفطية يتجه إلى الدول الأسيوية وليس الأوروبية والأفريقية. ما يعني إزالة مخاطر مضيق هرمز للوقوع في مخاطر قناة السويس ومضيق باب المندب. يضاف إلى المخاطر الأمنية غير القابلة للتنبؤ. فالمشكلة ليست في بناء خط أنابيب، بل في القدرة على حمايته.
خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: ماذا لو تغير النظام الإيراني؟ (2 من 2)
لبنان في قلب المعادلة وطرابلس تصنع الفرق
- الحقيقة الخامسة: أي خط أنابيب نحو المتوسط يصبح مجدياً تجارياً وحتى سياسياً، إذا ارتبط بمشروع متكامل للتكرير بإقامة مصفاة حديثة وفق أعلى المعايير البيئية والكفاة التشغيلية. ومرافق ضخمة لتخزين النفط الخام والمشتقات النفطية. إضافة إلى مركز إقليمي لتجارة النفط والمشتقات. وذلك ما يطرح كخيار للبحث في الأوساط السياسية والاستثمارية وبعض الشركات النفطية.
وهنا يبرز لبنان كأحد الخيارات المنافسة بقوة، لاستضافة هذا المشروع المتكامل، مستنداً في ذلك إلى جملة من المزايا:
- وجود منشآت النفط في طرابلس كأكبر مساحة جاهزة ومجهزة على الساحل الشرقي للمتوسط، بمساحة تبلغ حوالي 3 ملايين م2.
- إطار تشريعي وتنظيمي مرن يسمح باعتماد اي من الصيغ المريحة للاستثمارت الحكومية والخاصة (BOT, BOO، منطقة اقتصادية خاصة وتملك المشروع بالكامل). أسوة بتجربة شركة نفط العراق التي تملكت مصفاة طرابلس (البدواي). وهي بالمناسبة التي أنشأت وشغلت مطار القليعات لاستخدامه في تصدير قطع غيار المصافي إلى الدول العربية
- مناخ أعمال ملائم لجذب استثمارات وشراكات إقليمية ودولية
- قطاع خاص ديناميكي، خاصة الشق المغترب لأن الشق المقيم بغالبيته فاقد للمصداقية والثقة خاصة بعد سرقة العصر بالاستيلاء على أموال المودعين.
خطوط الأنابيب لتصدير نفط الخليج عبر سوريا أو غيرها، لا تُبنى على الخرائط، بل على الثقة وهذه هي السلعة الأكثر ندرة. كما لا تبنى على الرغبات السياسية، بل على الجدوى وهذا هو العامل الأكثر أهمية.



