العراق: هل يمهّد إلغاء عقد السكك الحديدية لإعادة إطلاق «طريق التنمية»؟

هل يكون قرار الحكومة العراقية بتاريخ 14 يونيو الجاري، إلغاء عقد السكك الحديدية المرتبط بمشروع «طريق التنمية»، مقدمة لإعادة إطلاق أقوى وأشمل للمشروع. وليس مؤشراً على بداية التراجع عنه كما يبدو من القراءة الأولى؟

القراءة الدقيقة للقرار ترجح ذلك، لسببين. الأول أنه جاء في سياق «مراجعة وإلغاء عدة عقود أحيطت بشبهة فساد» كما قالت الحكومة. وشملت تلك العقود مشروع توسعة مطار بغداد الدولي. وتلك مسألة طبيعية في ظل الأوضاع السياسية والإدارية التي عانى منها العراق في السنوات الماضية. والثاني أن «طريق التنمية» يعتبر المشروع الاستراتيجي الأكبر في تاريخ العراق الحديث.

من ناغورنو كاراباخ إلى الفاو: طريق التنمية ومعركة الممرات

منذ إطلاقه رسمياً عام 2023، قُدم مشروع طريق التنمية بوصفه مشروعاً للنقل البري يربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية بخط للسكة الحديد وطريق سريع بطول يقارب 1200 كيلومتر. وقُدِّرت كلفته بنحو 17 مليار دولار، منها أكثر من 10 مليارات دولار مخصصة للبنية السككية وحدها.

إقرأ أيضا: ممر زنغزور وقناة التنمية العراقية يطلقان خط تركيا ـ آسيا

لكن أهمية المشروع تتجاوز البنية التحتية للنقل. إذ يسعى العراق إلى استعادة موقعه التاريخي كحلقة وصل بين الخليج وأوروبا وآسيا. وتزداد أهمية هذا الطموح في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها خريطة الممرات التجارية العالمية، والتنافس المتصاعد بين المشاريع المختلفة التي تربط الشرق بالغرب، وكان آخرها الممر الهندي-الخليجي-الأوروبي.

تتضح أهمية المشروع عند النظر إليه في سياق التحولات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة جنوب القوقاز بعد حرب ناغورنو كاراباخ وفتح ممر زنغزور الذي يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان ثم بتركيا. مما فتح عملياً الحلقة الشمالية لإحياء الممر التركي-الآسيوي الممتد نحو آسيا الوسطى والصين. أما مشروع طريق التنمية، فيفتح الحلقة الجنوبية من الممر التي تربط الخليج العربي بتركيا ومن ثم بأوروبا.

ممر زنغزور لوصل الأراضي الأذربيجانية

دعم تركي ورضى خليجي

وبهذا المعنى، فالمشروع يعتبر جزءاً من شبكة إقليمية أوسع تمتد من موانئ الخليج إلى الأناضول والقوقاز وآسيا الوسطى. وهو ما يفسر الاهتمام التركي الكبير بالمشروع، حيث وصفه الرئيس رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة بأنه «طريق الحرير الجديد». كما يفسر أيضاً تأييد قطر والإمارات اللتين وقّعتا مذكرة تفاهم رباعية مع العراق وتركيا عام 2024، للتعاون في تنفيذ المشروع. وهو ما يفسر بالمقابل المعارضة الإيرانية للمشروع ودعمها غير المحدود لأرمينيا في معركة ناغورنو كاراباخ الأخيرة، لضمان عدم انتصار أذربيجان  وبالتالي فتح ممر زنغزور.

والمشروع العراقي لا ينافس الممرات الدولية الأخرى فحسب، بل يندمج معها أيضاً، ويمنح العراق فرصة نادرة للتحول من دولة نفطية إلى محور تجاري ولوجستي.

هل يحظى المشروع بدعم دولي؟

رغم أن «طريق التنمية» لا يحظى حتى الآن بالزخم السياسي والإعلامي الذي حظي به الممر الهندي-الخليجي-الأوروبي، فإن المؤشرات المتوافرة لا توحي بوجود معارضة أميركية أو أوروبية له.

فعلى العكس، يتوافق المشروع مع أهداف غربية معلنة تقوم على تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على المسارات التي تمر عبر روسيا أو إيران. والأهم أن الممر التركي يشكل منافساً جدياً لممرات الحزام والطريق الصينية. كما يعزز دور تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، ويربط أوروبا بصورة أكثر مباشرة بالخليج العربي.

إقرأ أيضا: ممر شرق ـ غرب: صناعة هندية خليجية بدعم أميركي

أما روسيا، فرغم إدراكها أن صعود الممرات البديلة قد يحدّ من أهمية بعض المسارات التقليدية التي تمر عبر أراضيها، فقد تعاملت بنوع من اللامبالاة مع الانتصار العسكري الساحق لأذربيجان على حليفتها التقليدية أرمينيا، وبالتالي مع إعادة فتح ممر زنغزور.

هل يتحول طريق التنمية إلى ممر للطاقة أيضاً؟

رغم الأهمية الكبيرة للمكونين البري والسككي، فإن هناك فرصة أكبر قد تجعل المشروع أكثر جدوى واستدامة، تتمثل في تحويله إلى ممر متكامل للنقل والطاقة والاتصالات في آنٍ واحد.

وقد بدأت بغداد وأنقرة بالفعل مناقشة أفكار تتجاوز النقل التقليدي. ففي مارس 2025 كشف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن مشروع طريق التنمية يتضمن أيضاً فكرة إنشاء خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر تركيا.

ويمتلك العراق مصلحة مباشرة في هذا التوجه. فمعظم صادراته النفطية تعتمد حالياً على مضيق هرمز . أما إنشاء خط استراتيجي جديد يمتد من حقول الجنوب والوسط باتجاه تركيا، فسيمنح بغداد منفذاً إضافياً إلى الأسواق الأوروبية والمتوسطية، ويعزز أمن الصادرات ويخفض المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد.

ماذا عن خط أنابيب البصرة-حديثة-العقبة-بانياس؟

ويبرز هنا سؤال لا يقل أهمية: هل من مصلحة العراق الاستمرار في الاعتماد على مضيق هرمز جنوباً، وعلى المسار التركي شمالاً، أم أن المصلحة الوطنية تقتضي تنويع منافذ التصدير؟ خاصة في ظل الإغلاق المتكرر للمضيق والمشاكل القانونية والسياسية المتنوعة المتعلقة بالنقل عبر كردستان وتركيا.

الحقيقة أن العراق لم يكتفِ بإيجاد الجواب، بل بدأ تنفيذه، عبر مشروع استراتيجي لتصدير نفط الجنوب والوسط عبر ممرات غربية نحو الأردن وسوريا ولبنان، من خلال خط أنابيب البصرة-حديثة بوصفه العمود الفقري لشبكة متكاملة لنقل النفط. إذ يتفرع إلى ثلاثة مسارات محتملة: الأول نحو بانياس ثم طرابلس، والثاني نحو العقبة، والثالث نحو بيجي ليرتبط بخط كركوك-جيهان.

إقرأ أيضا: خط الأنابيب العراقي: هل يرسم دور لبنان الجديد كمركز إقليمي للطاقة؟

ومع أن مشروع إنشاء خط البصرة-العقبة طُرح منذ أربعة عقود، ولم يجد طريقه إلى التنفيذ بسبب ظروف سياسية وأمنية وقانونية وتشغيلية متشابكة، فإن الوضع تغيّر الآن، وأعلن العراق في شهر أبريل الماضي بدء استدراج عروض لتنفيذ المرحلة الأولى أي خط  البصرة-حديثة الذي تبلغ طاقته حوالي 2.25 مليون برميل يومياً. وذلك ما أكده وزير النفط العراقي السابق حيان عبد الغني عقب مباحثاته مع نظيره السوري في بغداد عام 2025، بأن العراق يدرس مقترحات التصدير عبر خط بانياس السوري وخط طرابلس اللبناني.

وعليه فإن سوريا ولبنان أمام خيار استراتيجي واضح: إما المبادرة إلى تطوير مقاربات موضوعية وعملية للمشاركة في هذه المنظومة، وإما الانتظار حتى تكتمل البنية التحتية لمسارات بديلة تُهمّش دورهما. والحضور المبكر في هذا السباق ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لدولتين تحتاجان إلى موارد اقتصادية حقيقية في مرحلة إعادة البناء.

بين الفساد والاستراتيجية

إذا كان الإلغاء يطال عقداً أو آلية تنفيذ مشوبة بشبهات فساد، فإنه قد يكون خطوة ضرورية لحماية المشروع. أما الخطر الحقيقي فيكمن في أن تتحول مكافحة الفساد إلى ذريعة لتجميد المشروع أو تأجيله إلى أجل غير مسمى.

العراق يقف اليوم أمام فرصة نادرة. فالممرات التجارية الجديدة تتشكل بسرعة، والتحالفات الاقتصادية الإقليمية تُعاد صياغتها. ولهذا فإن المطلوب ليس الدفاع عن العقود ولا عن المقاولين، بل الدفاع عن مشروع استراتيجي لتحويل العراق إلى محور إقليمي-دولي للتجارة والطاقة والاتصالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى