فرسان الثورة الثانية للطاقة الشمسية العربية: تخزين وتنويع وتوطين
تشهد المنطقة العربية فورة جديدة في الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة أو ما يصح اعتباره «الثورة الثانية». وتتظهر هذه الثورة على ثلاثة محاور هي: الأول، التخزين وضمان قدرة المنظومة على العمل بلا انقطاع. الثاني، تنويع نموذج الأعمال والدخول القوي للقطاع الخاص، والثالث المساهمة بتطوير التكنولوجيا بدل الاكتفاء باستيرادها. وكانت «الثورة الأولى» قد تركزت على محور واحد هو طاقة التوليد من خلال مشاريع عملاقة تمولها في معظمها الحكومات، وكان المعيار: كم ميغاواط أُضيف إلى الشبكة؟
ومثل كل الثورات هناك رواد ومبادرون يقودون، نذكر منهم على سبيل المثال لتوضيح الدور في الثورة الأولى والثانية وليس تصنيف الأهمية: د. سلطان الجابر من خلال شركة «مصدر» محمد أبونيان من خلال شركة «أكوا باور»، محمد إسماعيل منصور، من خلال «إنفينيتي باور». كريم قعوار من خلال شركة «قعوار للطاقة». وتبقى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست» أحد أبرز رواد توطين التكنولوجيا. وهناك بالطبع، تجارب وأسماء أخرى في مصر والمغرب وسلطن

ة عمان والأردن ولبنان تستحق معالجة مستقلة، وسنشير إلى بعضها في السياق.
وتعكس الأرقام حجم التحول. إذ تتوقع «بلومبرغ إن إي إف» ارتفاع القدرة التراكمية لطاقة الشمس والرياح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نحو 49 غيغاواط إلى 404 غيغاواط بحلول 2035. لكن الرقم وحده لا يروي القصة. الأهم هو كيف ستُدار هذه الطاقة، ومن سيديرها، ومن سيطور أدواتها.
الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة: الكهرباء ليلاً ونهاراً
كان التقطّع إحدى أبرز مشكلات الجيل الأول من الطاقة الشمسية: الألواح تنتج نهاراً وتتوقف ليلاً، ويتغير إنتاجها بحسب الظروف المناخية. ومع ارتفاع حصة الشمس والرياح، تحول التخزين من تقنية مساندة إلى عنصر أساسي في منظومة الكهرباء.
وكانت أبوظبي من أوائل المختبرات الإقليمية للتخزين على نطاق الشبكة. فقد أنجزت في 2019، منظومة لبطاريات الصوديوم-كبريت اليابانية، بقدرة 108 ميغاواط وسعة 648 ميغاواط/ساعة، موزعة على عشرة مواقع، ونفذتها «أمبلكس الإمارات» بالتعاون مع «إن جي كيه إنسوليترز» اليابانية.
«مصدر»: مشروع تخزين بقيمة 6.1 مليار دولار
وبعد نحو عقد، انتقلت أبوظبي إلى مقياس مختلف تماماً. فأطلقت شركة «مصدر» بالتعاون مع «مياه وكهرباء الإمارات» مشروعاً ضخماً باستثمارات قدرها 6.1 مليار دولار، يجمع 5.2 غيغاواط من الطاقة الشمسية مع بطاريات بسعة 19 غيغاواط/ساعة، لتوفير غيغاواط واحد من الكهرباء النظيفة على مدار الساعة.

ويعتمد المشروع الجديد أساساً على بطاريات الليثيوم-أيون الصينية، ما يطرح سؤالاً: هل جعل نضج هذه التقنية وانخفاض تكلفتها الخيار الاقتصادي المنطقي، أم أن المنطقة فوتت فرصة البناء على تجاربها المبكرة في تقنيات تخزين بديلة؟ وسنعود إلى هذا السؤال في المحور الثالث.
ويقف خلف هذا المسار د. سلطان الجابر، رئيس مجلس إدارة «مصدر»، الذي ارتبط اسمه بتحويل الطاقة المتجددة إلى أحد المحاور الاستراتيجية للتنمية في الإمارات، ومحمد جميل الرمحي، الرئيس التنفيذي للشركة، الذي يمثل الجيل التنفيذي الثاني المكلف بتحويل هذا التوجه إلى مشروعات ومحفظة دولية بلغت 65 غيغاواط مطلع 2026.
«أكوا باور»: مشاريع تخزين 6 آلاف ميغاواط/ساعة
وفي السعودية، تتجسد الصلة بين الثورتين في مسيرة محمد أبونيان. فهو لم يواكب الثورة الأولى فحسب، بل كان من روادها، وقاد «أكوا باور» في مرحلة تحولت فيها الطاقة الشمسية من صناعة ناشئة مرتفعة التكلفة إلى محطات عملاقة تنتج الكهرباء بأسعار تنافسية.
واليوم، وبعد أكثر من عقدين على تأسيس «أكوا باور»، يشارك أبونيان بفاعلية في الثورة الثانية. ففي أغسطس 2026 وقعت الشركة اتفاقيات لتطوير ثلاث محطات تخزين بسعة إجمالية 6000 ميغاواط/ساعة. وبعد أن كان التحدي إثبات قدرة الشمس على إنتاج كهرباء رخيصة، أصبح الرهان تخزين هذه الكهرباء وتحويلها إلى مصدر أكثر استقراراً للشبكة.

«إنفينيتي باور» و «قعوار للطاقة»: التخزين في مصر والأردن
ودخلت التخزين في تصميم المشاريع الجديدة عبر المنطقة. ففي مصر، تعمل «سكاتك» و«سنغرو» مع الحكومة على مشروع بطاقة 1.7 غيغاواط شمسية مع 4 غيغاواط/ساعة تخزين. وبرز رجل الأعمال محمد إسماعيل منصور من خلال شركة «إنفينيتي باور» كأحد أكبر مطوري الطاقة المتجددة في أفريقيا، بقدرة تشغيلية 1.3 غيغاواط في مصر وجنوب أفريقيا والسنغال، مع هدف معلن هو 10 غيغاواط بحلول 2032. والأهم أن مشاريعها الجديدة تدمج التخزين: 200 ميغاواط شمسية مع 120 ميغاواط/ساعة في بنبان، وغيغاواط شمسي مع 600 ميغاواط/ساعة في المنيا، إلى جانب مشروع رياح بقدرة غيغاواط في رأس شقير.
وفي الأردن يبرز كريم قعوار رئيس «قعوار للطاقة»، كاسم مرتبط بالدخول المبكر للقطاع الخاص الأردني صناعة الطاقة المتجددة. فقد أُطلقت الشركة عام 2008 ضمن مجموعة قعوار، ومن إنجازاتها تطوير محطة «شمس معان»، أكبر محطة شمسية في الأردن. وبين 2015 و2016 أنشأت الشركة محطتين متصلتين بالشبكة في العقبة بقدرة 5.91 ميغاواط، بينها محطة بنظام القياس الصافي بقدرة 3.30 ميغاواط.
من المشاريع العملاقة إلى تعدد نماذج الأعمال
التحول الثاني يجري في هوية المطورين وطريقة تمويل المشاريع. فالمشاريع العملاقة الممولة من الحكومات والمؤسسات السيادية اقتصرت في معظمها على الدول المتقدمة أو النامية الغنية، أو على الدول التي حصلت على دعم مؤسسات مالية دولية كما في مصر والمغرب والأردن، وهي لا تزال قائمة لكنها لم تعد النموذج الوحيد.وبدا القطاع الخاص ينشط في الطاقة الموزعة، خصوصاً للعملاء التجاريين والصناعيين. والجديد هو تعدد النماذج، والتي تمتد من المحطة العملاقة إلى أسطح المنازل.

«إنجازات» و «أيميا باور»: الطاقة كخدمة وأفريقيا
التقط رئيس شركة «أيميا باور» حسين النويس بعداً مختلفاً للطاقة الشمسية، وهو تحويل الحاجة الملحة للطاقة في الدول الأفريقية مقرونة بانخفاض التكلفة إلى فرصة استثمارية وتنموية عبر حشد التمويل من المؤسسات المالية والاستثمارية.
أما محمد الدمرداش رئيس شركة «إنجازات» فيمثل نموذجاً مختلفاً. فبدلاً من منافسة الشركات الكبرى في محطات الغيغاواط، انطلق من سؤال أقرب إلى المصنع والمزرعة: كيف يحصل العميل على الطاقة والمياه من دون تحمل استثمار رأسمالي كبير مقدماً؟
ونجحت الشركة في توطين وتطوير نموذج توفير «الطاقة كخدمة» وليس كاستثمار، وعلى ربط الطاقة بالمياه والغذاء. ولديها حالياً مشاريع بقيمة 30 مليون دولار تقريباً. إضافة إلى خطط لمشاريع جديدة بنحو 250 مليون دولار. ورغم تواضع هذه الأرقام قياساً بمشاريع الغيغاواط، لكنها تخدم شريحة من العملاء لا تصل إليها المشاريع العملاقة.
ولا يقتصر هذا النموذج على شركة واحدة، بل يتسع ليشمل المصانع والمنشآت التجارية. ففي مصر، تستهدف مبادرة «الصناعة الشمسية» تركيب غيغاواط واحد من الطاقة الشمسية في المصانع خلال عامين، وقد دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أكثر من 240 نظاماً على الأسطح، بينها أكثر من 20 مصنعاً. ووقّعت «النهضة للأسمنت» عقد شراء طاقة لمدة 30 عاماً مع مطوّر لمشروع شمسي بقدرة 27 ميغاواط. وفي عُمان، يُتوقع بدء التشغيل التجاري في سبتمبر 2026 لمشروع يزوّد أكثر من 200 منشأة صناعية.

أما في المنازل والمباني الصغيرة، فتبقى العقدة في التشريع أكثر منها في التكنولوجيا. فمعظم الدول العربية تفتح القياس الصافي أو الفوترة الصافية أمام تقنيات التوليد الموزع.وتطبق الأردن والسعودية وتونس الفوترة الصافية. وتصفّر دولة الإمارات باستثناء دبي، العداد في نهاية السنة دون تعويض الفائض. وفي المغرب يفرض القانون حداً أقصى لبيع الفائض قدره 20 في المئة. وفي لبنان، يشرّع القانون 318/2023 القياس الصافي ويسمح بربط أنظمة حتى 10 ميغاواط، لكن التطبيق لا يزال متعثراً.
من استيراد التكنولوجيا إلى المشاركة بتطويرها
التحول الثالث أكثر صعوبة: هل تستطيع المنطقة الانتقال من شراء التكنولوجيا إلى المشاركة في تطويرها؟
هناك محاولات متفرقة في أكثر من دولة عربية من مبادرين شباب وشركات ناشئة. أما المبادرات المؤسساتية التي يعول عليها فلا تزال محدودة، ومن أبرز المبادرات حتى اليوم ما يتم في مختبرات جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست». حيث يجري العمل على الخلايا الشمسية الترادفية القائمة على البيروفسكايت والسيليكون، التي تستطيع تجاوز كفاءة الخلايا التقليدية. وقد حقق فريق «كاوست» كفاءة معتمدة بلغت 33.2 في المئة، مسجلاً آنذاك رقماً قياسياً عالمياً، فيما تركز الأبحاث اللاحقة على تحسين الاستقرار وقابلية التصنيع التجاري.
وهنا يأخذ «توطين التكنولوجيا» معناه الحقيقي. فالمعيار ليس من يستخدم التكنولوجيا أولاً، ولا حتى من يصنعها محلياً بترخيص خارجي، بل من يمتلك المعرفة والباحثين والقدرة على المشاركة في تطوير الجيل التالي منها.
وبهذا المعيار يصبح التقدم في التصنيع خطوة مهمة لكنها غير كافية. فقد بدأ في مصر بناء أول مصنع متخصص لبطاريات التخزين في الم

نطقة بموقع «سنغرو» في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بطاقة سنوية مخططة قدرها 10 غيغاواط/ساعة. وهو مكسب في التوطين الصناعي وفرص العمل وسلاسل الإمداد، لكن تقنية البطارية نفسها تبقى من تطوير الشركة الأم. وهنا الجواب الجزئي عن السؤال الذي طرحناه في المحور الأول عن البطاريات الصينية: المنطقة تنتقل من الاستيراد إلى التصنيع، ولم تنتقل بعد إلى المشاركة الواسعة في تطوير التقنية.
بين الثورة والدولة
الثورة الثانية للطاقة الشمسية وتخزين الطاقة ليست مجرد إضافة مزيد من الميغاواطات. إنها في قصة يصنعها، في النهاية، أشخاص يتخذون القرارات ويلتقطون مبكراً اتجاهات التطور ومساراته. لكن هذه القصة لن تكتمل بالأسماء وحدها: فنجاحها يعتمد مبادرة الدولة لتحصين الثورة بتطوير التشريعات وتنفيذها، وخلق أسواق تكافئ من ينتج ويخزّن، ومراكز بحث تحوّل المعرفة إلى تقنية تنتقل من المختبر إلى المصنع وسلاسل الإمداد.