أمن «البرميل»: لماذا لم يعد امتلاك النفط كافياً؟

لطالما قام أمن الطاقة على ثلاث ركائز متلازمة: حجم الاحتياطي، والطاقة الإنتاجية، والقدرة على نقل هذا الإنتاج إلى السوق. تقوى إحدى هذه الركائز أو تضعف بحسب ظروف السوق والأوضاع الجيوسياسية. وما تشهده المنطقة اليوم هو تصاعد حاد في وزن الركيزة الثالثة، حيث بات الهم الرئيسي للدول المنتجة والمستهلكة هو تأمين مسارات تصدير النفط وضمان وصول البرميل إلى السوق.

تزايد أهمية مسارات تصدير النفط

منذ اتساع المواجهة العسكرية في المنطقة مطلع عام 2026، وامتداد رقعة المخاطر من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، لم تعد قيمة البرميل تتحدد فقط بمكان وجوده أو تكلفة استخراجه. هناك عامل آخر فرض نفسه بقوة وهو قدرة المنتج على تخزين برميله ونقله إلى السوق. وهنا تحديداً يتغير مفهوم أمن الطاقة حين يصبح الطريق نفسه جزءاً من قيمة البرميل.

إقرأ أيضاً: خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز:

إغلاق ملتبس ومشاريع غير قابلة للتنفيذ (1 من 2)

تكشف بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA  حجم هذا التحول. ففي الربع الرابع من 2025 مر عبر مضيق هرمز نحو 20.7 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية. وبعد تصاعد المواجهة مع إيران في مطلع 2026 وإغلاق مضيق هرمز، تراجعت التدفقات إلى نحو 14.6 مليون برميل يومياً في الربع الأول من العام. وفي المقابل، ارتفعت التدفقات عبر باب المندب من نحو 3.7 إلى 5.4 ملايين برميل يومياً، بينما استقرت تدفقات قناة السويس وخط سوميد عند نحو 4.9 ملايين، ومضيق ملقا عند نحو 20.9 مليون. هذه ليست أرقام حركة ناقلات فحسب، بل خريطة لمواطن التركّز التي تستطيع أزمة محدودة النطاق أن تتحول عبرها سريعاً إلى اضطراب عالمي في الأسعار وسلاسل التوريد.

السعودية والإمارات: بدائل مضيق هرمز

تقدم السعودية أوضح مثال على أهمية “الطاقة القابلة لإعادة التوجيه”. فقد أعلنت أرامكو في نتائجها للربع الأول من 2026 أنها رفعت التدفقات عبر خط شرق-غرب إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً. بدورها، تقدم الإمارات نموذجاً موازياً عبر خط أبوظبي للنفط الخام ADCOP، الذي ينقل الخام إلى الفجيرة على خليج عُمان بطاقة تناهز 1.8 مليون برميل يومياً. وبحسب EIA، كانت السعودية والإمارات الدولتين الوحيدتين في أوبك القادرتين فعلياً على تجاوز مضيق هرمز.

لا يوجد بديل واحد لمضيق هرمز، بل شبكة متفاوتة من الخيارات: بعضها قائم وينقل ملايين البراميل اليوم، وبعضها لا يزال قيد الدراسة أو التطوير. هذا التمييز أساسي، لأن الإعلان عن مشروع جديد لا يعني وجود قدرة فعلية يمكن استدعاؤها عند أزمة الغد.

تكشف البيانات أعلاه أن التمييز الحاسم ليس بين “وجود بديل” و”عدمه”، بل بين طاقة إسمية على الورق وطاقة فعلية قابلة للاستدعاء وقت الأزمة.

العراق: معضلة الارتهان لمنفذ واحد

يقدم العراق أوضح مثال على كلفة الاعتماد على مسار تصدير رئيسي واحد. ولهذا أعادت التطورات الأخيرة الزخم إلى البحث عن بدائل: ففي 14 أبريل 2026 أفادت Energy Intelligence بأن بغداد تدرس مجموعة خيارات لخطوط أنابيب بديلة، ثم في 3 يونيو 2026 أقرت الحكومة العراقية خططاً لزيادة الصادرات عبر الأنابيب والشاحنات بمسارات تتجاوز هرمز. ويبرز هنا خط العراق–تركيا نحو جيهان كأصل استراتيجي قائم، لكن بحذر؛ فبيانات EIA تضع طاقته الإسمية عند نحو 1.5 مليون برميل يومياً، غير أن القسم العراقي من الشبكة تعرض لأضرار وتوقفات جعلت طاقته الفعلية بحدود 250 ألف برميل حالياً. وهذه حالة نموذجية تُذكّر بأن رقم السعة على الورق لا يكفي وحده لقراءة أمن الإمدادات.

من الطاقة الإنتاجية إلى الطاقة اللوجستية

لعقود، كانت “الطاقة الإنتاجية الفائضة” Spare Production Capacity المقياس الأساسي لقدرة السوق على امتصاص الصدمات، فإذا خرج منتج من السوق أو ارتفع الطلب، فما مقدار النفط الإضافي القابل للضخ؟ لكن هذا السؤال يفترض ضمناً أن البرميل الإضافي يستطيع الوصول إلى السوق بمجرد إنتاجه، وهو افتراض لم يعد مضموناً.

إقرأ أيضا: الصين ومضيق هرمز (3 من 3)

اختبار استراتيجية «معضلة ملقا» لتقليص الارتهان للمضائق

من هنا يصبح مفهوم “الطاقة اللوجستية المتاحة”  Spare Logistics Capacity عنصراً أساسياً في تحديد الأسعار. وهذا يعني مقدار الطاقة الإضافية المتاحة فعلياً للنقل البري والبحري والتخزين. والفارق بين هذا العنصر وبين مجرد امتلاك البنية التحتية دقيق وحاسم. فالسعودية والإمارات كانتا تمتلكان في 2025 سعات إسمية أعلى بكثير مما أتاحتاه فعلياً كطاقة إضافية (2.6 مليون برميل يومياً فقط)، لأن جزءاً من هذه السعات كان مستخدماً أصلاً في التشغيل اليومي. ويجدر التنويه هنا بقدرة الدولتين على زيادة الطاقة الفعلية إلى الحدود القصوى خلال فترة قياسية.

ولعل في مجريات الأحداث الراهنة في المنطقة المتعلقة بتصاعد الاهتمام بمرافق التخزين، وخطوط الأنابيب وخلق مسارات بديلة للتصدير، ما يؤكد استمرار الاعتماد على الطاقة الأحفورية لعقود مقبلة. ويؤكد أيضاً أنّ ما يكون قد شارف على النهاية هو عصر المسار الوحيد لتصدير النفط، وليس نهاية عصر النفط.

شبكة بدائل لا بديل واحد

إن بناء المزيد من البنية التحتية لن يهزم الجغرافيا بالكامل، فالأنبوب البديل يمكن أن يصبح هدفاً بدوره، والميناء البديل يحتاج ممراً بحرياً آمناً، والطريق البري يعبر حدوداً وأنظمة جمركية متعددة، وبناء هذه الممرات يستغرق سنوات بينما تُغيّر الأزمة الجيوسياسية خريطة التجارة خلال أيام. لذلك، فإن الاستراتيجية الأنضج ليست البحث عن “بديل لهرمز”، بل بناء شبكة بدائل لا تشترك جميعها في نقطة ضعف واحدة.

الاحتياطي الاستراتيجي سيظل مهماً، والطاقة الإنتاجية ستظل حاسمة، لكن السؤال الذي يتقدم اليوم هو: كم برميلاً يمكن تصديره حين تتعطل الطرق المعتادة؟ فالبرميل المحاصر في مكان إنتاجه، مهما بلغت قيمته تحت الأرض، لا يشغّل مصفاة ولا يلبي طلباً على الجانب الآخر من العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى