قمة ترامب-شي وعصر الطاقة الجديدة: من يضع المعايير يمتلك السوق والنفوذ (2 من 2)

تناول الجزء الأول من هذا المقال كيف تحولت المعايير التقنية إلى إحدى ساحات التنافس على شروط «المساكنة القسرية» بين الولايات المتحدة والصين، وتتبع انتقال الصين من التفوق الصناعي في الطاقة المتجددة إلى تعزيز حضورها في مؤسسات التقييس الدولية. ويتناول الجزء الثاني النتائج الملموسة لهذا المسار، وكيف تحاول الصين المشاركة في كتابة قواعد عصر الطاقة الجديدة، والرد الأميركي والأوروبي على هذا التحرك.

3. الحضور الصيني على طاولة المعايير بالأرقام

قطعت الصين شوطاً طويلاً في تثبيت موقعها كشريك في «كتابة» المعايير التقنية، كما أشرنا في الجزء الأول. وتكشف الأرقام حجم هذا الحضور وتسارعه. ففي عام 2025 وحده، قادت الصين وضع وإصدار 285 معياراً دولياً ضمن المنظمة الدولية للتقييس (ISO) واللجنة الكهروتقنية الدولية (IEC)، في مجالات شملت الطاقة الجديدة والشبكات الذكية والطب التقليدي وواجهات الدماغ والحاسوب، بزيادة 26.7% على العام السابق.

كما قدمت 505 مقترحات لمعايير دولية جديدة، شملت الطاقة منخفضة الكربون والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والشبكات الصناعية، بزيادة 15.83%. وخلال الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021–2025)، قادت وضع وإصدار 1183 معياراً دولياً في المنظمتين، بزيادة 88.1% عن الخطة الثالثة عشرة.

لكن الرقم الإجمالي لا يقول كل شيء. الأهم ما هي المجالات التي تحاول الصين وضع المعايير فيها؟ وهنا تظهر ثلاث طبقات متمايزة من هذا الاختراق التنفيذي.

قمة ترامب-شي: «المساكنة القسرية» وصراع عصر الطاقة الجديد (1 من 2)

الطبقة الأولى: كتابة القاعدة حيث لا توجد قاعدة بعد

أوضح مثال على هذه الطبقة بطاريات الحالة الصلبة، إحدى أبرز تقنيات الجيل التالي من السيارات الكهربائية. ففي 21 أغسطس 2026، أطلقت الصين داخل اللجنة الكهروتقنية الدولية أول مشروع معيار دولي في العالم لإرشادات التطبيق وشروط اختبار هذه البطاريات. وقادت الصين هذا المشروع بمشاركة خبراء من فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية كمساهمين لا كقادة.

الدلالة هنا لا تتعلق بالبطارية بحد ذاتها، بل بالتوقيت: الصين لا تنتظر نضج التكنولوجيا واتساع سوقها العالمي لتتكيف لاحقاً مع قواعد كتبها آخرون؛ إنها تحضر عند كتابة القاعدة الأولى، حين تكون كلفة التأثير في التصميم النهائي للمعيار في أدنى مستوياتها.

الطبقة الثانية: امتلاك مقياس الحكم على المنتج، لا تصنيعه فقط

الألواح الشمسية تكشف طبقة مختلفة تماماً. فالتكنولوجيا هنا ناضجة والمعايير التقنية لتصنيعها موجودة أصلاً؛ لكن في يوليو 2025، أطلقت الصين داخل المنظمة الدولية للتقييس (IEC) مشروع 63667-1، وهو ليس معياراً لكيفية تصنيع اللوح، بل لكيفية قياس بصمته الكربونية طوال دورة حياته. وقاد المشروع خبير صيني بمشاركة خبراء من الولايات المتحدة وألمانيا واليونان ونيجيريا.

إقرأ أيضاً: الصين ـ أميركا: من زواج المصلحة إلى المساكنة بالإكراه (1 من 3)

الفارق دقيق لكنه حاسم: من يتحكم بطريقة القياس يعزز قدرته على التحكم بالنتيجة قبل أن يبدأ القياس نفسه. فمع تزايد اشتراط الكربون في المناقصات الخضراء والتجارة، تصبح «كيفية الحساب» أداة تنافسية بحد ذاتها، لا تفصيلاً بيئياً هامشياً. والصين، التي تستحوذ على نحو 85% من القدرة الإنتاجية العالمية لسلسلة توريد الطاقة الشمسية، لا تكتفي بأن تكون أكبر مُصنِّع، بل تريد أن تكون شريكاً رئيسياً في كتابة المعايير التي يُقاس بها منتجها ومنتج منافسيها على حد سواء.

الطبقة الثالثة: من قياس المنتج إلى تعريف «الأخضر» نفسه

أما شهادات الكهرباء الخضراء فتمثل الطبقة الأكثر اتساعاً: لا معيار تقني لمنتج واحد، ولا مقياس أداء لخاصية واحدة، بل نظام اعتماد يقرر ما الذي يحق له أصلاً أن يحظى بلقب «أخضر» عبر سلسلة الإمداد بأكملها.

وهنا لا حاجة للتحليل والاستدلال، ففي مارس 2025، أصدرت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، والإدارة الوطنية للطاقة وثيقة تحت عنوان «دفع تدويل معايير الشهادات الخضراء». ودعت الوثيقة صراحة إلى تحويل معايير استهلاك الكهرباء الصينية إلى معايير دولية، وتشجيع الشركاء التجاريين على الاعتراف بشهاداتها.

هذه الطبقة هي الأخطر لأنها لا تمس منتجاً بعينه بل تصنيف كل شيء: البطارية، والصلب، والألمنيوم، واللوح الشمسي؛ إذ يتحدد كونه «أخضر» أم لا بحسب مصدر الكهرباء المستخدمة في تصنيعه. من يملك هذا التعريف يملك مفتاح دخول أسواق بأكملها دفعة واحدة، لا سوقاً واحدة.

وهكذا تتصل الطبقات الثلاث ببعضها في حلقة واحدة: كتابة القاعدة التقنية للمنتج، فامتلاك مقياس الحكم عليه، فتعريف الشرط الذي يؤهله لدخول الأسواق أصلاً؛ ثلاث نقاط سيطرة متتالية على المسار نفسه، لا ثلاثة أمثلة متفرقة.

ثانياً: ماذا تفعل أميركا وأوروبا؟

لم يعد الرد الغربي على المسعى الصيني يقتصر على الرسوم والدعم المضاد، بل انتقل إلى ساحة المعايير نفسها. ويتم ذلك عبر استراتيجيات منسقة تستهدف تعزيز القيادة المعيارية وتوحيد المواقف بين الحلفاء. لكن الغرب يخوض المنافسة بنموذج أكثر اعتماداً على القطاع الخاص والتوافق، في مقابل دور أكبر للدولة في التمويل والتنسيق والتوجيه في الصين.

استراتيجية أميركا للمعايير: تكريس القيادة ومواجهة «التلاعب الجيوسياسي»

كرّست واشنطن هذا التحول في «الاستراتيجية الوطنية للمعايير في التقنيات الحرجة والناشئة» USG NSSCET، التي أصدرها البيت الأبيض عام 2023. وقد وضعت توليد الطاقة النظيفة وتخزينها ضمن المجالات ذات الأولوية. ودعت إلى زيادة الاستثمار في الأبحاث السابقة للتقييس وتعزيز الحضور الأميركي في الهيئات الدولية، مع الإبقاء على قيادة القطاع الخاص. ثم جاءت «استراتيجية المعايير الأميركية 2025»، التي نشرها المعهد الأميركي للمعايير الوطنية (ANSI) في يناير 2026، لتجعل تعزيز القيادة الأميركية في المعايير الدولية و«الدفاع ضد التلاعب الجيوسياسي» هدفاً صريحاً.

وهنا تظهر نقطة القلق الاستراتيجي الأميركي التي يمكن وصفها بالخط الأحمر: ليس عندما تبيع الصين لوحاً شمسياً أرخص أو سيارة كهربائية أكثر تنافسية، بل حين يتحول تفوقها الصناعي إلى قدرة على كتابة القواعد التي سيضطر المصنع الأميركي نفسه إلى العمل وفقها. تستطيع واشنطن مواجهة الدعم الصيني بدعم مضاد والواردات برسوم جمركية، لكن هذه الأدوات لا تكفي إذا تحولت المواصفات الصينية إلى معايير عالمية. عندها لا تعود المنافسة على حصة من السوق، بل على قواعد السوق نفسها.

أوروبا والحلفاء: الدفاع المشترك عن النفوذ

سبقت أوروبا الولايات المتحدة في التحرك، فأطلقت المفوضية في فبراير 2022 استراتيجية للتقييس تستهدف تعزيز القيادة الأوروبية عالمياً، ثم بدأت مراجعة نظامها بعدما كشف تقييم 2025 بطء إنجاز المعايير ومحدودية المشاركة. وتشير دراسة أوروبية إلى مشكلة بنيوية: فالصين أنشأت نحو 870 «لجنة مرآة»، وهي لجان وطنية تتابع أعمال اللجان المناظرة في (ISO) و (IEC) وتنسق مشاركة الخبراء والمواقف الصينية تجاه مشروعات المعايير الدولية. أما في أوروبا، فتتوزع هذه المهمة بين هيئات التقييس الوطنية في دول الاتحاد والمؤسسات الأوروبية، ما يجعل تنسيق موقف أوروبي موحد أكثر تعقيداً.

إقرأ: الممرات الآمنة: خريطة أميركية لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة (1 من 2)

وفي موازاة ذلك، سُجلت في فبراير 2026 نقلة نوعية في إطار التعاون الأميركي–الأوروبي–الياباني في مجال المعادن الحرجة، تمثلت في طرح استخدام مفهوم «الأسواق القائمة على المعايير» standards-based markets. ويقوم هذا المفهوم على توسيع نطاق المعايير إلى ما يتجاوز المواصفات التقنية، ليشمل المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، فضلاً عن أمن سلاسل الإمداد. وبموجب هذا النهج، يمكن منح معاملة تفضيلية للمعادن والمنتجات التي تستوفي هذه المعايير، حتى لو كانت أسعارها أعلى من منتجات منافسة تأتي من سلاسل إنتاج أقل كلفة، وفي مقدمتها السلاسل الصينية طبعاً.

صراع فوق طاولة المعايير والتقييس

وهكذا انتقلت المواجهة من المصنع والسوق إلى لجان التقييس نفسها: الصين تسعى إلى تحويل ثقلها الصناعي إلى قدرة على كتابة القواعد، فيما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها منع تحول التفوق الصناعي الصيني إلى تفوق معياري يصعب تغييره لاحقاً.

لكن نجاح الصين في تحقيق التفوق الشامل والمستدام في الطاقة المتجددة، في ظل تشابكها مع المعادن الحرجة والثورة الصناعية الرابعة، مهمة صعبة. كما أن ضمان استمرارية هذا التفوق مهمة أصعب. أما تحقيق تفوق مماثل في مجال المعايير التقنية، فهو مهمة بالغة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة.

ومن غير المرجح أن تكون الصين تسعى إلى ذلك أصلاً؛ فهي تسعى إلى ضمان مقعد رئيسي على طاولة هيئات المعايير والتقييس، إلى جانب أميركا وأوروبا واليابان وغيرها، والمشاركة في كتابة القواعد التي ستعمل وفقها منظومة الطاقة الجديدة.

الخلاصة

في العصر النفطي، كانت الولايات المتحدة، ولا تزال، هي الطرف المتفوق، بدءاً من التحكم بالاحتياطيات والإنتاج، مروراً بطرق النقل وأمن الإمدادات، وصولاً إلى التكنولوجيا والمعايير. وكانت الصين الطرف الأضعف في علاقة الاعتماد المتبادل.
لكن في عصر الطاقة المتجددة باتت الصين هي الطرف المتفوق في عدد من مفاصل القوة الأساسية، من التصنيع وسلاسل الإمداد مروراً بالمعادن الحرجة، وصولاً إلى التكنولوجيا. وتسعى الآن إلى تعزيز تفوقها بترسيخ دورها في المعايير التقنية التي تحدد كيف تعمل هذه المنظومة.

وهنا تلتقي ملفات قمة ترامب–شي، من الطاقة والمعادن إلى التكنولوجيا والتجارة والرسوم، في مواجهة واحدة. فالمسألة ليست مجموعة صفقات منفصلة، بل خطط وسياسات تتخللها «قمم ومفاوضات» تستهدف إعادة هندسة علاقة الاعتماد المتبادل وتنظيم شروط المساكنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى