قمة ترامب-شي: «المساكنة القسرية» وصراع عصر الطاقة الجديد (1 من 2)

من كان ينتظر قرارات أو صفقات من قمة ترامب–شي، أدرك أن القمم الأميركية–الصينية هي اجتماعات دورية باردة، لتنظيم علاقة الاعتماد المتبادل، أو قواعد «المساكنة القسرية» بين زوجين يستحيل طلاقهما. وكما أن تصريحات الرئيسين لا تعطي عادة صورة واضحة عن الملفات التي تم بحثها، فإن المباحثات نفسها، قد لا تعطي صورة واضحة عن الملفات الساخنة التي تشهد اندفاعة أحد الطرفين للإخلال بالتوازن القائم وتحسين شروط «المساكنة» لصالحه.

ومن بين الملفات الساخنة حالياً، يبرز ملف الطاقة بأبعاده الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية. فالصين لم تكتف بتحقيق التفوق في الطاقة المتجددة والمعادن الحرجة، مقابل تفوق أميركا في النفط والغاز، بل اقتربت من خط أحمر أميركي وغربي، وهو فرض استخدام المواصفات والمعايير التقنية الصينية كمعايير دولية. ما يؤدي إلى اختلال شروط الاعتماد المتبادل.

إقرأ أيضاً: الصين ـ أميركا: من زواج المصلحة إلى المساكنة بالإكراه (1 من 3)

ولعل أبلغ تلخيص لأهمية هذا الملف، المقولة الشهيرة المنسوبة لمؤسس شركة سيمنز إبان الثورة الصناعية الأولى: “من يضع المعايير يمتلك السوق”، ويصح تطويرها إبان الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي بإضافة: “ويمتلك النفوذ الجيوسياسي أيضاً”.

 انقلاب موازين الاعتماد المتبادل

المفارقة أن الولايات المتحدة والصين تدخلان هذه المواجهة من موقعَيْ قوة مختلفين، وفي ظل علاقة اعتماد متبادل متشابكة. فأميركا، تتحكم منذ عقود طويلة بالنفط والغاز في مجالات الإنتاج والتكرير والتصنيع والتسويق والتكنولوجيا أيضاً. وتسعى حالياً لإحكام سيطرتها على طرق الإمداد من غرينلاد إلى هرمز. أما الصين فتعتمد في نموها الاقتصادي وأمنها القومي على استيراد النفط عبر خطوط إمداد بحرية طويلة ونقاط اختناق جيوسياسية، ما يجعلها الطرف الأضعف في علاقة الاعتماد المتبادل.

وفي المقابل، تمكنت الصين خلال العقدين الماضيين من التفوق في مجال الطاقة المتجددة. وبنت منظومة صناعية وتجارية وسلاسل إمداد مترابطة تبدأ من معالجة المعادن الحرجة والمواد الأولية، وتمر بالمكونات والخلايا والرقائق، وتنتهي بالبطاريات والألواح والسيارات الكهربائية.

إقرأ: الممرات الآمنة: خريطة أميركية لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة (1 من 2)

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تستحوذ على نحو  85 في المئة من القدرة الإنتاجية في سلسلة الطاقة الشمسية و80 في المئة في بطاريات الليثيوم-أيون، وترتفع النسبة إلى نحو 95 في المئة في رقائق الخلايا الشمسية و97% في مواد الأنود. كما تعالج أكثر من 70% من الليثيوم والكوبالت والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة.

واكتشفت الولايات المتحدة أن امتلاك النفط والغاز لا يمنحها الاستقلال في منظومة الطاقة الجديدة، لأنها تعتمد في عدد من حلقاتها على سلاسل معالجة وتصنيع تتركز بدرجة كبيرة في الصين.

ولم تعد المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن الصين تصنع ألواحاً وبطاريات أرخص فحسب، بل أن السيطرة الصناعية قد تتحول إلى قوة بنيوية طويلة الأمد، خصوصاً مع اندفاع الصين إلى ترسيخ دورها في ميدان المعايير التقنية.

من يضع المعيار يمتلك السوق

قد تبدو المعايير التقنية شأناً فنياً يخص المهندسين وهيئات المواصفات والمقاييس، لكنها في الواقع القوة الخفية التي تحكم الصناعة ةالتجارة وحتى النفوذ الجيوسياسي. واعتماد معايير موحدة في التصنيع، هو الشرط الأول لكي تعمل منتجات الشركات والدول كافة مع بعضها البعض. أما إذا وضعت كل دولة أو شركة معاييرها الخاصة، فتصبح المنتجات محصورة بأسواق محددة أشبه بجزر معزولة.

وللتوضيح، قد تنتج شركة أفضل بطارية AA، بسعر أقل وعمر أطول، لكن إذا اختلف حجمها بضعة مليمترات عن المقاس المعتمد، فستكون أمام خيارين: إما إعادة تصنيعها وفق المعيار، وإما المخاطرة بالخروج من السوق والإفلاس.

وهذه المعايير ليست في معظمها قوانين دولية ملزمة، لكنها تتحول عملياً إلى لغة مشتركة للصناعة والتجارة، تعتمدها الحكومات والهيئات التنظيمية والشركات والمشترون وسلاسل التوريد. وعندما يصبح معيار ما واسع الانتشار، يضطر المنتجون الراغبون في دخول الأسواق التي تعتمده إلى تصميم منتجاتهم واختبارها وفق قواعده. وهنا تتحول مسألة تقنية تبدو محايدة إلى نفوذ اقتصادي: فالدولة التي تنجح في جعل تقنياتها ومواصفاتها أساساً للمعايير الدولية تمنح شركاتها أفضلية، وتدفع منافسيها إلى التكيف مع قواعد ساهمت هي في صياغتها.

وهذا بالضبط ما يقلق أميركا والغرب عموماً، أي عندما يتحول التفوق الصناعي إلى «ارتهان تقني» lock-in  . وبعيداً عن التحليل والاستدلال، فذلك ما عبّر عنه صراحة تقرير اللجنة الأميركية لمراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الصين لعام 2025. فقد حذر من أن الحصة السوقية الصينية الكبيرة تستطيع خلق معايير بحكم الواقع، وأن نجاح الشركات الصينية في ترسيخ معاييرها قد يخلق حالة lock-in تجعل تغيير المورد مكلفاً، خصوصاً في البنية التحتية مثل الاتصالات ومعدات الشبكات الكهربائية. وحذر أيضاً من تعزيز الصين مواقعها القيادية في اللجان الفنية للمنظمات الدولية المعنية بالمعايير والتقييس.

من المصنع إلى طاولة اللجنة الكهروتقنية الدولية

المسعى الصيني لكتابة قواعد عصر الطاقة الجديد ليس افتراضاً تحليلياً؛ بل يمكن تتبعه في سياسات معلنة، وحضور مؤسسي متنامٍ، ونتائج ملموسة داخل هيئات التقييس الدولية. وفي المقابل، بدأت الولايات المتحدة وأوروبا بناء سياسات لمواجهته.

أولاً: ماذا تفعل الصين؟

يمكن تتبع المسعى الصيني لكتابة قواعد الطاقة الجديدة على ثلاثة محاور متكاملة: سياسات متدرجة ومتصلة امتدت عبر أكثر من عقد، وحضور مؤسسي متنامٍ في هيئات التقييس الدولية، واختراقات تنفيذية ملموسة تترجم هذه السياسات والمواقع إلى نتائج فعلية على أرض الواقع.

1. تدويل المعايير بعد «صنع في الصين»

لم يأتِ التحرك الصيني الحالي من فراغ، بل هو محصلة تسلسل استراتيجي متدرج بدأ عام 2015 بالانتقال من «مصنع العالم» إلى قوة تكنولوجية، مروراً ببرنامج وطني لتطوير التقييس ذاته، وصولاً إلى استهداف معايير الكربون والشهادات الخضراء وخطة بناء نظام الطاقة الجديد (تفصيل هذا المسار في الانفوغراف المرفق).

2. الحضور في المؤسسات الدولية

واكب هذا التدرج حضور مؤسسي متنامٍ: فمنذ عام 2008، تحتل الصين مقعد العضو السادس الدائم في المنظمة الدولية للمعايير ISO، وانتُخب رئيس صيني للمنظمة عام 2015. وسجلت حضوراً مماثلاً في اللجنة الكهروتقنية الدولية IEC، أهم هيئات معايير الكهرباء والطاقة المتجددة، بتعيين رئيس صيني لها عام 2020، إضافة إلى انتخاب أمين عام صيني للاتحاد الدولي للاتصالات لولايتين متتاليتين.

ولا تعني هذه المناصب أن بكين تتحكم بقرارات هذه المؤسسات، لكنها تعكس انتقال الصين من هامش منظومة التقييس الدولية إلى قلبها.

يتناول الجزء الثاني من المقال النتائج الملموسة للحضور الصيني في هيئات التقييس الدولية، وكيف تحاول الصين المشاركة في كتابة قواعد عصر الطاقة الجديد، والرد الأميركي والأوروبي على هذا التحرك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى