لماذا يتراجع النفط والذهب رغم الحرب والأزمات؟
في القواعد التقليدية للأسواق، كانت الحرب كافية لدفع النفط إلى الصعود، وكان الخوف كافياً لرفع الذهب. لكن المشهد الحالي يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: لماذا تتراجع أسعار النفط والذهب، أو تفقد زخم الارتفاع سريعاً، فيما الأزمات لا تزال قائمة؟
الإجابة ليست في أن العالم هدأ، بل في أن الأسواق باتت أكثر ارتباطاً بإدارة الأزمة لا بالأزمة نفسها. فالأسعار لم تعد تتحرك بمجرد وقوع الخطر، بل بحسب قدرة الدول الكبرى والمنتجين الرئيسيين على احتوائه، وتعويض أثره، ومنعه من التحول إلى نقص فعلي في الإمدادات أو إلى خلل حاد في النظام المالي.
جائحة كورنا: بداية التغيير
ظهر هذا التحول بوضوح خلال جائحة كورونا، ففي ربيع 2020، لم يرفع الخوف أسعار النفط، بل دفعها إلى الانهيار. الأزمة لم تضرب الإمدادات بقدر ما ضربت الطلب. توقفت الطائرات، تراجعت حركة النقل، انكمش الاستهلاك، وامتلأت مستودعات التخزين. وهبطت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، في لحظة كشفت أن الأزمة قد تُخفض النفط لا ترفعه، متى أصابت الاستهلاك قبل الإمداد.
مع الحرب الروسية الأوكرانية، عاد النفط إلى الصعود في البداية، مدفوعاً بالخوف من نقص الإمدادات الروسية واتساع العقوبات. لكن بعد الصدمة الأولى، بدأت السوق تتكيف: أعيد توجيه الشحنات، ظهرت خصومات على النفط الروسي، تحركت المخزونات، وتدخلت السياسات الغربية لضبط التدفق لا لإيقافه بالكامل. الحرب استمرت، لكن السعر لم يبق عند ذروة الخوف الأولى. 
هذا هو جوهر المرحلة الحالية: النفط لا يرتفع لأن الحرب قائمة، بل يرتفع عندما تفشل السياسة في منع الحرب من تعطيل شحن البراميل.
مضيق هرمز: الاختبار الحقيقي لآليات الاحتواء
جاءت الحرب الإيرانية لتضع هذا المنطق أمام اختبار أشد. فالأزمة تحمل كل عناصر الصعود: توتر إقليمي، تهديد لمضيق هرمز، قلق على الممرات البحرية، وخشية من اتساع المواجهة إلى منشآت الطاقة في الخليج. كل المقدمات كانت تشير إلى صعود حاد ومستدام. لكن ما حدث كان أكثر تعقيداً.
إقرأ أيضاً: خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: ماذا لو تغير النظام الإيراني؟ (2 من 2)
ارتفعت الأسعار مع كل خبر عن تهديد للممرات أو تعطيل محتمل للإمدادات، لكنها عادت للتراجع كلما ظهرت مؤشرات على أن السوق لا تزال قادرة على امتصاص الصدمة. أبرز هذه المؤشرات كان قرار دول وكالة الطاقة الدولية إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، وهو أكبر سحب منسق في تاريخ الوكالة. الرسالة كانت مباشرة: النقص لن يُترك يصنع ذعراً مفتوحاً.
في الوقت نفسه، لعبت المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في حماية جزء مهم من التدفقات. فقد ساعد تشغيل خط الشرق – الغرب بكامل طاقته، وصولاً إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً باتجاه ينبع وموانئ البحر الأحمر، على تقليص أثر الضغط على ممرات الخليج. لم يكن ذلك مجرد إجراء لوجستي، بل إشارة للسوق بأن إغلاق مسار لا يعني شل القدرة على التصدير.
إلى جانب ذلك، ساهمت إشارات المنتجين الكبار، بما فيها الزيادات التدريجية في إنتاج أوبك+ والاستعداد لتعويض جزء من النقص، في منع الأسعار من الانفلات. فالسوق لا تسعّر الخطر العسكري وحده، بل تسعّر أيضاً قدرة المنتجين على التعويض، وقدرة المستهلكين الكبار على السحب من المخزونات، وقدرة السياسة على إبقاء الأزمة تحت سقف معين.
دروس ودلالات استهداف منشآت الغاز القطري
لم يعد ملف الطاقة مقتصراً على النفط. فالغاز أصبح جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الاقتصادي، خصوصاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت تشكيل سوق الغاز في أوروبا وآسيا. لذلك، فإن أي ضربة تطال موّرداً رئيسياً مثل قطر، إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، لا تُقرأ كحدث في سوق الغاز فحسب، بل كاختبار لقدرة النظام العالمي على إعادة توزيع الطاقة بسرعة.
إقرأ أيضاً: تساؤلات غير بريئة حول استهداف الغاز القطري وإغلاق مضيق هرمز
الضربات التي طالت منشآت راس لفان عطّلت جزءاً من الطاقة القطرية للغاز المسال. وتشير تقديرات منشورة إلى أن الضرر أصاب قطارَيْن من أصل 14 قطار تسييل، بما يعادل نحو 17 في المئة من القدرة التصديرية. في الظروف التقليدية، كان ذلك كفيلاً بإشعال الأسعار لفترة أطول، خصوصاً أن قطر مورد رئيسي لآسيا وأوروبا، وأن سوق الغاز لا تمتلك احتياطياً استراتيجياً عالمياً شبيهاً بمخزونات النفط.
لكن الغاز، مثل النفط، واجه آليات احتواء. تحرّك المشترون لتنويع الشحنات، وارتفعت المنافسة على الغاز المسال من مصادر بديلة، كما ساعدت المخزونات الأوروبية على منع القلق من التحول إلى أزمة أسعار مفتوحة. لذلك قفزت أسعار الغاز الأوروبية مع تعطّل راس لفان، لكنها بقيت بعيدة عن ذروة أزمة 2022، ثم عادت إلى مستويات أقل مع اتضاح حجم التعطل وقدرة السوق على التكيف.
في هذا السياق الذي تصنعه السياسة لا الجغرافيا وحدها، تبرز مشاريع مثل حقل الجافورة في السعودية كجزء من صورة أوسع تتعلق بمستقبل قدرة الاحتواء ذاتها. فالحقل، الذي تقدّره أرامكو بنحو 229 تريليون قدم مكعبة قياسية من الغاز الخام و75 مليار برميل من المكثفات، يستهدف الوصول إلى ملياري قدم مكعبة قياسية يومياً من غاز البيع بحلول 2030. هذه المشاريع لا تعوّض بشكل فوري أي اضطراب عالمي طارئ، لكنها تغيّر توقعات السوق، وتمنح المستثمرين إشارة بأن خريطة الغاز في المنطقة آخذة في الاتساع، وأن قدرة الاحتواء المستقبلية ستكون أوسع.
لماذا لم تنفلت أسعار الطاقة؟
يمكن تلخيص عوامل الكبح في أربع نقاط. الأولى هي المخزونات الاستراتيجية، التي تحولت من أداة طوارئ صامتة إلى آلية فاعلة لتهدئة الأسواق. الثانية هي مرونة مسارات التصدير، ولا سيما في الخليج، حيث يخفف تحويل جزء من الصادرات بعيداً عن نقاط الاختناق من أثر التهديد الجغرافي على السعر.
الثالثة هي تكيّف المشترين؛ فبعد أوكرانيا، أصبح المستوردون أكثر خبرة في إعادة ترتيب العقود، وشراء الشحنات الفورية، وتنويع الموردين حتى بتكلفة أعلى. أما الرابعة فهي أن الأسواق باتت تُميّز بين التهديد والتعطل الفعلي؛ فالتهديد يرفع السعر مؤقتاً، لكن استمرار الصعود يحتاج إلى دليل مادي: شحنات متوقفة، مخزونات تنخفض بسرعة، أو ممرات مغلقة لفترة طويلة.
الذهب: الملاذ ليس آلياً
بعد الطاقة، يأتي الذهب دليلاً إضافياً على التحول ذاته. فالذهب لا يزال ملاذاً آمناً في الوعي الاقتصادي العالمي، لكنه لم يعد يتحرك تلقائياً مع كل أزمة. قد يصعد بفعل القلق، ثم يتراجع عندما يعود الدولار، أو أسعار الفائدة، أو عوائد السندات إلى واجهة القرار الاستثماري.
عندما ترتفع الفائدة، يصبح الذهب أقل جاذبية لأنه لا يدرّ عائداً. وعندما يقوى الدولار، يصبح أغلى على المشترين بعملات أخرى. وعندما يحتاج المستثمرون إلى السيولة، قد يبيعون الذهب لا لأنهم فقدوا الثقة به، بل لأنهم يحتاجون إلى النقد. لذلك فإن تراجعه من ذروته لا يعني غياب الخطر، بل يعني أن القلق وحده لم يعد كافياً لصناعة اتجاه سعري مستمر.
الخلاصة: الأسعار تتأثر بإدارة الأزمة لا بوقوعها
من كوفيد إلى أوكرانيا، ومن راس لفان إلى الحرب الإيرانية، تتكرر الخلاصة نفسها: الأزمة لم تعد وحدها تصنع السعر. ما يصنع السعر هو قدرة العالم على امتصاصها.
النفط لا يرتفع فقط لأن المضائق مهددة، بل لأنه قد يعجز عن الوصول إلى المستهلكين. والغاز لا يشتعل فقط لأن منشأة تضررت، بل إذا لم توجد بدائل كافية. والذهب لا يصعد فقط لأن القلق قائم، بل إذا تراجعت الثقة بالدولار وبالنظام المالي معاً.
لهذا، فإن تراجع أسعار الطاقة والذهب فيما الأزمات لا تزال قائمة ليس علامة اطمئنان كاملة، بل هو انعكاس لمعادلة جديدة: لا يكفي أن تقع الأزمة كي تتحرك الأسعار. يجب أن تفشل السياسة في احتوائها.
باتت الأسعار تعكس قدرة إدارة الأزمة، لا حجم الأزمة ذاتها.



