الصين ومضيق هرمز (2 من 3)
سوق النفط بين «مستورد مرن» صيني و«منتج مرن» سعودي؟

تناولنا في الجزء الأول من هذا الملف كيفية تمكن الصين من استيعاب أكبر تهديد لأمنها الطاقوي عبر الاحتياطيات الاستراتيجية، وإدارة الطلب، والتحول إلى السيارات الكهربائية، وتنويع مصادر الإمداد. أما هذا الجزء، فيناقش سؤالاً مختلفاً: هل كشفت الأزمة عن ظهور دور جديد للصين في سوق النفط العالمية يمكن وصفه بـ«المستورد المرن»؟

قد يبدو مبكرا إعلان ولادة مفهوم «المستورد المرن» لموازنة العرض والطلب في سوق النفط. لكن بالمقابل لا يمكن تجاهل «الانقلاب» الذي قادته الصين من خلال التخفيض الضخم والسريع لوارداتها النفطية والذي يعادل واردات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مجتمعة. ولتواجه الأسواق لأول مرة دولة قادرة على إدارة الطلب، بعد الاعتماد تاريخياً على إدارة العرض من قبل كبار المنتجين وفي مقدمتهم السعودية التي عرفت بأنها «المنتج المرن».

تتمثل أهمية الانقلاب الصيني، بأن الطلب ظل طوال العقود الماضية الحلقة الأقل مرونة في معادلة السوق. لأن المصانع، ووسائل النقل، ومحطات الكهرباء تحتاج إلى النفط والغاز بغض النظر عن سعره. ولأن الدول لا تستطيع خفض الاستهلاك بصورة مفاجئة ومؤثرة.

إقرأ أيضا: الصين ومضيق هرمز (1 من 3)

لماذا غابت الصدمة السعرية وحضرت «الصدمة الصينية»؟

ولكن الصين فعلتها، فقد تمكنت خلال الأسابيع الأولى لأزمة مضيق هرمز، من تخفيض وارداتها المنقولة بحراً من حوالي  11 مليون برميل يومياً إلى نحو 7.8 مليون برميل في مايو ثم إلى حوالي 6.4 مليون برميل في يونيو حسب بيانات كيبلر. ودون أن يتعرض اقتصادها لأزمة ظاهرة. ولخص مارتين راتس، كبير استراتيجيي السلع في مورغان ستانلي هذا التطور بقوله: “التراجع الكبير في الطلب الصيني وفّر نوعاً من الحماية لسوق النفط العالمية، وساهم بضبط ارتفاع الأسعار”.

لماذا نجحت الصين حيث أخفق الآخرون؟

يبدو واضحاً أن التجربة الصينية تشكل نموذجاً لا يمكن تعميمه، فهي ظاهرة فريدة تجمع بين عوامل لا تتوفر لأي دولة أخرى بالتزامن نفسه، وتشمل على سبيل المثال:

  • احتياطي استراتيجي لا يتوفر لأي دولة، ويقارب 1.4 مليار برميل، مقابل نحو 413 مليون برميل لأميركا.
  • بنية سياسية مركزية تسمح بإلزام المصافي على خفض الإنتاج، وتحويل الموارد النفطية المتاحة إلى قطاع البتروكيماويات مثلاً، ووقف صادرات الوقود وغيرها. وتلك قرارات وسياسات لا تستطيع الديمقراطيات الليبرالية تنفيذها بالسرعة ذاتها.
  • تنوع مصادر الطاقة المحلية من الفحم، والطاقة الشمسية والنووية والمائية، والرياح. وجميعها متاحة كبديل فوري أو شبه فوري.
  • التحول الكهربائي المتقدم، إذ يسهم أسطول السيارات الكهربائية في إعادة توزيع الطلب على الوقود وقت الأزمة.
  • تنويع مسارات الاستيراد، فقد انخفضت حصة الشرق الأوسط في واردات الصين النفطية عام 2025 إلى 42 في المئة أي أقل بعشر نقاط مئوية مما كانت عليه قبل عقد. إضافة إلى وجود ثلاثة خطوط برية للأنابيب لا تمر بأي مضيق بحري خاضع للرقابة الأميركية.

والفارق بين الصين والهند في هذه الأزمة ملفت. فقد اضطرت الهند في مايو 2026 إلى رفع أسعار البنزين والديزل بشكل مفاجئ وحاد، ما ضغط على الاقتصاد وعلى ثقة المستهلكين. أما الصين فأدارت الأزمة بعزل شبه تام بين السوق العالمية والمستهلك المحلي، وهو فارق ينبع من فوارق بنيوية لا من حظ عارض.

هل يعني ذلك أن الصين أصبحت أول «مستهلك ومستورد مرن»؟ أم أن ما حدث كان مجرد استجابة ظرفية لأزمة استثنائية؟

الإجابة على هذا السؤال تستوجب التدقيق بالحجج المضادة بالقدر نفسه من الموضوعية.

الحجج المضادة… لا معجزة بلا ثغرات

يستوجب أي تقييم موضوعي، الإقرار بأن المرونة الصينية لم تكن مطلقة، وأن بعض عواملها مؤقت بطبيعته، وتشمل:

مرونة دائمة أم استجابة مؤقتة

ثمة فارق جوهري بين ما هو هيكلي ودائم، كالتحول إلى السيارات الكهربائية والإيثان، وما هو ظرفي ومؤقت. فالمخزون الاستراتيجي سلاح ذو حد واحد. فهو يُستخدم مرة ثم يحتاج إلى إعادة بناء. وحين تشرع الصين في إعادة تكوين احتياطياتها، ضخمة من الطلب في السوق العالمية ويدفع الأسعار صعوداً. ما يضطرها للاختيار بين التضحية بجزء من الاحتياطي المتراكم، أو دفع سعر أعلى لإعادة بنائه. علماً أنّ جزءاً من الاحتياطي الحالي، كان مصدره النفط الإيراني والروسي الذي تم شراؤه بأسعار مخفضة جداً.

إقرأ أيضا:  من فنزويلا إلى إيران وروسيا: عودة النفط إلى صلب الاستراتيجية الأميركية

كذلك فإن تعليق صادرات المنتجات المكررة هو قرار سياسي استثنائي. وقد أثار انتقادات من شركاء تجاريين يعتمدون على الصين في الإمدادات. ولا يمكن الإبقاء عليه مطوّلاً دون تكاليف دبلوماسية واقتصادية. ولذلك اضطرت الصين إلى تأمين بعض الشحنات لدول معينة.

التباطؤ الاقتصادي كعامل مؤثر

تستوجب الأمانة الإقرار بأن جزءاً من «المرونة الصينية»، كان انعكاساً مباشراً للتباطؤ الاقتصادي. فأزمة القطاع العقاري لا تزال تُلقي بظلالها الثقيلة على الطلب الصناعي والإنشائي، وكلاهما كثيف الاستهلاك للطاقة.

إقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفط: أسطورة الإغلاق ودرس حرب الناقلات في الثمانينيات

والسؤال الذي يصعب الإجابة عنه هو: لو كان الاقتصاد الصيني ينمو بمعدلات 6 أو 7 بالمئة كما في العقد الماضي، هل كانت المرونة الطاقوية ذاتها ممكنة وبالحجم نفسه؟

حدود الإحلال الكهربائي

تُهيمن قصة السيارات الكهربائية على السردية، لكنها تغطي جزءاً من معادلة الطلب الصيني على النفط. فالبتروكيماويات تستهلك ما يقارب ربع الطلب على النفط. ولا تستطيع السيارات الكهربائية إلغاء هذا الطلب. كما أن الطيران والشحن الثقيل والصناعة الثقيلة لا تزال خارج نطاق الإحلال الكهربائي في الأفق المنظور. بل إن طموحات الصين في توسيع طاقتها الإنتاجية للبوليمرات قد تزيد الطلب على النفط في السنوات المقبلة.

غياب الشفافية ودقة البيانات

يعمل المحللون في ظل غياب للبيانات الدقيقة؛ فحجم الاحتياطي الاستراتيجي الصيني الفعلي لا يزال موضع جدل بين مصادر مختلفة، وبيانات الطلب الداخلي عرضة للتنقيح اللاحق. ويصف توم بيكر من شركة فيتول الوضع بقوله: “تبدو الصين كالثقب الأسود”. والحقيقة، ليس هناك رؤية واضحة لتوجهاتها، ولا أرقاماً دقيقة لمستويات مخزوناتها وإنتاجها واستهلاكها. وهو الأمر الذي يستوجب التعامل مع الأرقام المتداولة بوصفها تقديرات تقريبية، ولكن منطقية.

الخلاصة:

إذا صحّ أن القرن الماضي كان عصر العرض و«المنتج المرن»، فإن العقد الحالي قد يشهد بداية عصر أكثر تعقيداً، تصبح فيه مرونة الطلب جزءاً من معادلة استقرار السوق. ولا يعني ذلك أن الصين يمكنها التحكم بأسعار النفط، بقدر ما يعني أنها تمتلك من الأدوات ما يسمح لها بتخفيف أثر الصدمات النفطية على اقتصادها، وهو ما ينعكس تلقائياً على السوق العالمية.

ولكن، إذا كانت مرونة الصين اليوم مزيجاً من سياسات طويلة الأمد وظرف اقتصادي مؤقت، فما الذي يعنيه ذلك لمستقبل سوق النفط حين تعود إلى الشراء بكثافة لإعادة بناء احتياطياتها وللاستجابة لمتطلبات النمو الاقتصادي؟

ويبقى السؤال الأكبر خارج حدود الاقتصاد… فإذا كانت بكين قد نجحت في تقليص فاعلية سلاح الطاقة خلال أزمة هرمز، فكيف سيؤثر ذلك في حسابات التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة؟ وهل شكلت الأزمة اختباراً «ميدانياً» لسلاح التحكم بموارد وإمدادات النفط والغاز الذي تراهن عليه أميركا؟

هذا ما سنناقشه في الجزء الثالث من هذا الملف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى