سنغافورة تدخل «اقتصاد الاندماج النووي»… فمتى تدخل الدول العربية؟
يشكل دخول دولة نامية وصغيرة مثل سنغافورة ميدان الاندماج النووي مؤشراً مهماً على تسارع انتقال السباق الدولي من مرحلة الاختراقات التكنولوجية والمفاعلات البحثية، إلى ميدان سلاسل الإمداد والقدرات الصناعية والتجارية المرتبطة بالمفاعلات التجارية، أو ما يمكن تسميته “اقتصاد الاندماج النووي”. فهل يشكل ذلك حافزاً للدول العربية لدخول السباق؟
وكالة العلوم والتكنولوجيا والأبحاث السنغافورية (A*STAR) وقعت مؤخراً اتفاقية شراكة مع شركة كومونولث فيوجن سيستمز الأميركية (CFS). وتركز هذه الشراكة الممتدة لخمس سنوات على تطوير تقنيات مرتبطة بمحطات الاندماج النووي التجارية. ويشمل ذلك المواد المتقدمة، والتصنيع الدقيق، واختبارات المواد، والنمذجة الحاسوبية للبلازما فائقة السخونة. كما تمنح الاتفاقية سنغافورة موطئ قدم مبكراً في عملية التسويق التجاري لمفاعل ARC الذي تطوره الشركة الأميركية، والذي يُتوقع أن يُستخدم في محطة تجارية لتوليد الكهرباء في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.
من المختبرات إلى اقتصاد الاندماج
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في الشراكة بحد ذاتها، بل في طبيعة الدور الذي تسعى سنغافورة للعبه. فالدولة الآسيوية الصغيرة لا تحاول بناء مفاعل اندماج خاص بها، ولا منافسة الولايات المتحدة أو الصين في سباق «أول مفاعل اندماجي تجاري». بل تسعى إلى التموضع داخل سلسلة القيمة الصناعية والمالية والتكنولوجية المرتبطة بالاندماج النووي.
وهنا تحديداً تكمن النقلة النوعية التي يشهدها القطاع عالمياً. فبعد سنوات من التركيز على إثبات الجدوى العلمية والتكنولوجية لتفاعلات الاندماج، بدأت الأولوية تتحول تدريجياً نحو المجالات الصناعية والهندسية، في محاولة للإجابة على تساؤلات بالغة الأهمية، من بينها:
• كيف يمكن بناء مفاعلات تتحمل درجات حرارة تفوق حرارة مركز الشمس بعدة مرات؟
• كيف يمكن تطوير المواد القادرة على احتواء البلازما والنيوترونات؟
• وكيف يمكن إنشاء سلسلة إمداد صناعية وتجارية لمحطات يفترض أن تعمل لعقود؟
إقر أيضاً: طاقة الاندماج النووي: أنواع المفاعلات وطرق الاندماج (5 من 5)
هذا التحول يفسر تركيز سنغافورة على مجالات مثل هندسة المواد، والتصنيع المتقدم، والمحاكاة الحاسوبية للبلازما. وهي قطاعات تمتلك فيها خبرة متقدمة بفضل صناعات أشباه الموصلات والفضاء وبناء السفن. وقال الرئيس التنفيذي لشركة CFS بوب مومغارد، إن سنغافورة تمتلك «قدرات هائلة في التصنيع المتقدم وهندسة المواد». واعتبر أن هذه القدرات يمكن أن تسهم في تطوير سلاسل الإمداد، وبالتالي في تسريع تقنيات الاندماج النووي.
الذكاء الاصطناعي والمحطات الاندماجية
يتزامن هذا التحرك مع تصاعد غير مسبوق في الطلب العالمي على الكهرباء. فالتوسع السريع في الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات العملاقة، والمركبات الكهربائية، والتصنيع الرقمي، بدأ يدفع الحكومات والشركات إلى البحث عن مصادر طاقة مستقرة وعالية الكثافة وقادرة على العمل بشكل متواصل.
وبحسب بيانات وكالة بلومبيرغ، فإن الطلب العالمي على الكهرباء قد تضاعف أكثر من مرتين منذ عام 2000، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة 29 في المئة إضافية بحلول عام 2035، و69 في المئة بحلول عام 2050.
إقرأ:أميركا تفصل تنظيم الطاقة الاندماجة عن الانشطارية: «أجهزة اندماج» لا مفاعلات
في هذا السياق، لم تعد طاقة الاندماج تُقدَّم فقط كحل مناخي أو كتقنية مستقبلية نظيفة، بل كمكوّن استراتيجي لأمن الطاقة العالمي في عصر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ولهذا السبب، تتسابق الحكومات والصناديق السيادية وشركات التكنولوجيا الكبرى للدخول مبكراً في القطاع. فشركة كومونولث فيوجن سيستمز نفسها نجحت في جذب تمويل يقارب 3 مليارات دولار. ويساهم فيها عدد من كبار المستثمرين مثل مثل غوغل وإنفيديا وتيماسيك. بينما وقعت غوغل اتفاقية لشراء نصف إنتاج الكهرباء المستقبلي من محطة ARC التجارية.
التنافس الاقتصادي والجيوسياسي
ما يجري اليوم يشبه إلى حد كبير المراحل الأولى لصناعات استراتيجية أخرى مثل أشباه الموصلات أو البطاريات الكهربائية. فالدول لم تعد تتنافس فقط على تطوير المفاعل نفسه، بل على السيطرة على: سلاسل الإمداد، والمواد المتقدمة، والتصنيع الدقيق، والملكية الفكرية، والتمويل، والبيئة التنظيمية.
وتشير المعطيات الحالية إلى وجود أكثر من 50 شركة ناشئة تعمل في قطاع الاندماج النووي عالمياً، معظمها في الولايات المتحدة. وفي المقابل تتقدم الصين بسرعة كبيرة عبر استثمارات حكومية ضخمة ومشاريع وطنية واسعة النطاق. كما دخلت دول مثل بريطانيا وفرنسا واليابان السباق عبر برامج وطنية وشراكات صناعية متقدمة.
إقرأ أيضاً: طاقة الاندماج النووي بين الانجاز العلمي والضجيج الإعلامي
أما سنغافورة، فتبدو وكأنها تراهن على لعب دور مشابه للدور الذي لعبته سابقاً في قطاعات الخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والتمويل. أي أن تصبح مركزاً إقليمياً عالي الكفاءة في اقتصاد الاندماج النووي الناشئ.
وماذا عن العالم العربي؟
ربما يكون الجانب الأكثر أهمية في التجربة السنغافورية هو الدرس الذي تقدمه للدول العربية. فإذا كانت دولة صغيرة، محدودة الموارد الطبيعية، تتحرك مبكراً لبناء موقع داخل سلاسل إمداد الاندماج النووي، فإن السؤال المطروح هو: ما الذي يمنع الدول العربية، التي تمتلك صناديق سيادية ضخمة، وطاقة منخفضة الكلفة، وقدرات صناعية متنامية، من القيام بخطوات مماثلة؟
فالاندماج النووي لا يفتح الباب فقط أمام بناء محطات كهربائية مستقبلية، بل أيضاً أمام قطاعات جديدة مرتبطة بالمواد المتقدمة، والتصنيع الدقيق، وإدارة الحرارة، والنمذجة الحاسوبية، وسلاسل الإمداد الصناعية.
ولهذا السبب، قد لا يكون الرابح الحقيقي في سباق الاندماج هو أول دولة تبني مفاعلاً تجارياً فقط. بل أيضاً الدول التي تتمكن مبكراً من التموضع داخل الاقتصاد الصناعي والمالي والتنظيمي الذي سيتشكل حول هذه التكنولوجيا خلال العقدين المقبلين.



