«كرافت» الصيني… مشروع فائق التوصيل إلى اقتصاد الاندماج النووي
إعلان الصين عن نجاح الاختبارات في مشروع كرافت CRAFT ، لأكبر منظومة مغناطيسات فائقة التوصيل في العالم، يتجاوز السباق التكنولوجي في مجال الاندماج النووي مع أميركا، ليشمل السباق على بناء منظومة الطاقة الاندماجية.
والأهم، فإن هذا الإنجاز،يطرح إشكالية التنافس على اقتصاد الاندماج النووي بين نظامين مختلفين: نظام أميركي-غربي، يعتمد على الاستثمارات الخاصة بدعم حكومي محدود. ونظام صيني تختلط فيه الاستثمارات العامة بالخاصة، والاستخدامات المدنية بالعسكرية، ويعتمد استراتيجيات وخطط متكاملة ومرنة على مستوى التخطيط، و”حديدية” على مستوى التنفيذ.
ويقصد باقتصاد الاندماج النووي المنظومة المتكاملة التي تشمل البحث العلمي، والتصنيع، وسلاسل الإمداد، والتمويل، والموارد البشرية، وصولاً إلى بناء محطات الكهرباء التجارية.
ما الذي حققه مشروع CRAFT ؟
كرافت CRAFT هو مرفق شامل لتقنيات الاندماج يتبع معهد فيزياء البلازما في مدينة هيفاي. وتتكون المنظومة التي تم اختبارها من مغناطيسين رئيسيين. الأول مغناطيس المجال الحلقي، الذي يعمل كقفص مغناطيسي لحبس البلازما ومنع احتكاكها بجدران المفاعل. ويبلغ وزنه 582 طناً، بطول 21 متراً وعرض 12 متراً، أي نحو 1.3 ضعف حجم نظيره في مشروع إيتر ITER الدولي، مع سعة تخزين طاقة تفوقه بنحو ثلاثة أضعاف. وهو مكون من 16 ملفاً مصنوعة بالكامل من الفولاذ وأسلاك فاقة التوصيل.
أما المكوّن الثاني، فهو ملف “السولينويد” المركزي الأكثر تعقيداً، لأنه يتحكم بتيار البلازما واستقرارها. وقد اجتاز الاختبار عند 60 كيلو أمبير، متجاوزاً القدرة التصميمية البالغة 46.5 كيلو أمبير، أي بقدرة تعادل نحو ستة أضعاف مفاعل إيست EAST الصيني العامل منذ العام 2006.
وتكمن أهمية نجاح اختبار هذه المكونات في أنها ستستخدم في استكمال بناء مفاعل BEST عام 2027، الذي أعلنت الصين أنه سيكون مماثلاً لمفاعل إيتر مع إدخال تحسينات تقنية عليه. كما ستستخدم لاحقاً في بناء المفاعل التجريبي CFETR لتشغيل أول محطة كهربائية بالطاقة الاندماجية بحلول عام 2035.
لماذا يتجاوز الإنجاز الجانب التقني؟
لكن أهمية CRAFT لا تكمن في المغناطيسات وحدها، بل في كونه يمثل نموذجاً للطريقة التي تدير بها الصين مشروع الاندماج النووي بأكمله.
CRAFT… حلقة في استراتيجية الصين للاندماج النووي
الدور المفترض لمشروع كرافت كحلقة في سلسلة صناعة الاندماج ليس استثناءً خاصاً به، بل هو الصفة الملازمة لكافة المشاريع. كما يظهر التدقيق أن التعدد الكبير في الجهات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة المعنية بطاقة الاندماج النووي لا يعكس تضارباً في التخصصات والأهداف أو تنافساً في الأنشطة كما يبدو للوهلة الأولى، بقدر ما يعكس السمة المميزة للنظام الصيني القائم على التخطيط المركزي المرن، والتنفيذ “الحديدي”. وكذلك على التداخل وضياع الحدود بين القطاعين العام والخاص. ويشمل ذلك الأنشطة البحثية، والمشاريع التجريبية، والتمويل والاستثمارات، وبناء قاعدة صناعية لسلاسل الإمداد المستقبلية، وتهيئة الموارد البشرية اللازمة. وهو ما يذكر بالطريقة التي تمت بها بناء وتطوير صناعة الطاقة المتجددة.
كيف توزع الصين أدوار مؤسسات الاندماج النووي؟
مقابل التعدد الكبير في الهيئات والشركات المعنية والعاملة في الاندماج، يلاحظ التخصص الشديد وتوزيع الأدوار فيما بينها. إضافة إلى التوزيع الجغرافي بما يسهم في مراعاة التوازنات المناطقية وربما العرقية، أسوة بما يحدث في مختلف القطاعات. ففي حين يركز مفاعل EAST مثلاً على أبحاث فيزياء البلازما، يتولى HL-3 اختبار ظروف تشغيل أقرب إلى المفاعلات التجارية، بينما يختص CRAFT بتطوير واختبار المكونات الهندسية الأساسية، وبخاصة المغناطيسات فائقة التوصيل. وبالتوازي، تعمل مراكز بحثية أخرى على تطوير المواد القادرة على تحمل البيئة القاسية والإشعاعات داخل مفاعلات الاندماج.
التمويل والاستثمار… نموذج يختلف عن الغرب
الإدارة المركزية لصناعة أو لاقتصاد الاندماج تمتد إلى أبعد من الأبحاث والمختبرات، لتشمل التمويل والاستثمارات. إذ تعتمد أنشطة الاندماج بكافة فروعها ومراحلها على التمويل الحكومي. وتقدر وزارة الطاقة الأميركية التمويل الحكومي المباشر لأبحاث الاندماج فقط بحوالي 1.5 مليار دولار سنوياً، أي ما يقارب ضعف التمويل الفيدرالي الأميركي لكافة أنشطة الاندماج، وليس الأبحاث فقط.
وبالانتقال إلى الاستثمارات والشركات الخاصة، فالأمر لا يختلف كثيراً. إذ يتضح أن ملكية شركات الاندماج الصينية تعود لهيئات حكومية أو لشركات أخرى تمتلك فيها الحكومة الحصص الرئيسية. وآخر الأمثلة كان في العام 2025، حين أُسست المؤسسة الوطنية الصينية للطاقة النووية شركة الصين للطاقة الاندماجية FECC برأسمال مسجل يبلغ 15 مليار يوان. وساهمت فيها شركات وهيئات أخرى مثل مجموعة شنغهاي إلكتريك. وينطبق ذلك على مختلف الشركات، بما في ذلك شركات ضخمة مثل ENN أو شركات صغيرة مثل Energy Singularity.
وبغرض التوضيح وليس المفاضلة، يلاحظ أن تطوير صناعة الاندماج النووي في الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً يعتمد بالدرجة الأولى على القطاع الخاص. وقد بلغ إجمالي التمويل التراكمي لشركات الاندماج عالمياً نحو 9.8 مليارات دولار حتى منتصف عام 2025. ولا يقتصر الفارق على حجم الأموال، بل على كيفية توظيفها. إذ يتوزع هذا المبلغ على عشرات الشركات التي تتنافس فيما بينها لتطوير تصميمات وتقنيات مختلفة، وهو نموذج يقوم على المنافسة والابتكار اللامركزي.
بناء الكفاءات… قرار وخطط مركزية
يبلغ التخطيط المركزي والتنفيذ الحديدي مداه بالخطط القاضية بخلق جيل من المهندسين والفنيين والمتخصصين في مختلف مجالات طاقة الاندماج النووي. وتم تخصيص موارد مالية ضخمة للجامعات والمعاهد والشركات لتحقيق هذا الهدف.
وللدلالة على نجاح هذا التوجه وعلى التنفيذ الصارم للخطط المقررة، نشير إلى أن عدد الخريجين الصينيين من حملة الدكتوراه في مجالات الاندماج بلغ في العام 2025 عشرة أضعاف الخريجين الأميركيين. كما شكل الباحثون الصينيون نحو 47 في المئة من مؤلفي الأبحاث المنشورة في مجلة Nuclear Fusion.
الخلاصة: السباق على اقتصاد الاندماج
من هذا المنظور، لا يمثل إنجاز CRAFT مجرد نجاح هندسي. بل خطوة إضافية في مشروع صيني أوسع، يراهن على أن حسم سباق الاندماج النووي لن يكون لمن يحقق أول اختراق علمي فقط. وإنما أيضاً لمن يمتلك القدرة الصناعية والتنظيمية على تحويل ذلك الاختراق إلى صناعة تجارية واسعة النطاق.
فهل تسهم الاختراقات الصينية المتتالية في دفع أميركا والدول الغربية إلى تبني سياسات داعمة للطاقة الاندماجية والاستجابة لمطالب شركات الاندماج؟ وهو ما عبّرت عنه بوضوح جمعية صناعة الاندماج النووي FIA) ) في ورقة سياسات وجّهتها لصناع القرار في واشنطن نهاية 2025. وطالبت فيها الحكومة الأميركية بتخصيص استثمار فدرالي لمرة واحدة بقيمة 10 مليارات دولار لدعم البنية التحتية البحثية والتجارية لمشروعات الاندماج. وحذت بشكل صريح من أن الولايات المتحدة «ستخسر سباق الاندماج أمام منافسين مثل الصين» في حال غياب هذا التمويل وهو ما قد يُنذر بواقع جيوسياسي يشبه ما شهدناه سابقاً في المعادن النادرة والتصنيع المتقدم والبطاريات.



