الصين والنفط الروسي: إدارة أزمة و «التفاف مشرعن» على العقوبات

هل تشكل الزيادة الكبيرة في واردات الصين من النفط الروسي خلال أغسطس الماضي، مؤشراً على تغيير في خريطة مصادر الطاقة الصينية، ربطاً باضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز؟

أجاب ياسر هلال، مؤسس ورئيس تحرير «طاقة الشرق»، على هذا السؤال في مقابلة مع «قناة القاهرة الإخبارية»، بالقول إن إغلاق مضيق هرمز ومهاجمة إيران لمنشآت النفط في بعض دول الخليج فرض تغييرات «دراماتيكية» في أسواق النفط والغاز. ولكنها لا ترقى إلى تغيير في خريطة مصادر الطاقة. فهي أقرب إلى إدارة أزمة، وارتفاع صادرات روسيا النفطية إلى الصين هو حلقة من حلقات التكيف مع تداعيات هذه الأزمة.

وربط هلال هذا التحرك باستراتيجية صينية بدأت ملامحها منذ عام 2003، في عهد الرئيس هو جينتاوعُرفت باستراتيجية «معضلة ملقا»، وتقضي بتقليص تأثر واردات الطاقة الصينية بالاضطرابات في المضائق والممرات المائية. وأشار إلى أن اضطراب هرمز أتاح اختباراً عملياً لهذه الاستراتيجية، من خلال زيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب البرية، والاستفادة من الإمدادات الروسية، والبحث عن مسارات بحرية بديلة.

وأوضح أن زيادة واردات النفط الروسي استفادت بصورة خاصة من خطوط الأنابيب التي تربط روسيا والصين، إلى جانب الاستفادة من ذوبان الجليد الموسمي لنقل كميات كبيرة من النفط عبر طريق القطب الشمالي.

روسيا لا تستطيع أن تحل محل الخليج

ورداً على سؤال عما إذا كانت هذه التحولات تعني تغيراً طويل الأمد في حصة دول الخليج من واردات الطاقة الصينية، استبعد هلال ذلك، قائلاً إن «روسيا لا تستطيع أن تحل محل الخليج، كما لا تستطيع الصين الاستغناء عن نفط الخليج».

إقرأ أيضا: ملف خاص: الصين ومضيق هرمز (3 من 3)

اختبار استراتيجية «معضلة ملقا» لتقليص الارتهان للمضائق

وأشار إلى أن عودة الأوضاع إلى طبيعتها في حال انتهاء الأزمة مع إيران قد تكون أسرع مما يُعتقد، إذ تستطيع الناقلات إعادة توجيه نشاطها نحو المسارات والأسواق الأكثر جدوى وربحية، وإن كانت بعض آثار خفض الإنتاج واضطراب أسواق الشحن قد تحتاج إلى وقت لمعالجتها.

لنلاحظ كيف تعمل السياسة

ورداً على سؤال حول العقوبات الأميركية والغربية المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، والضغوط التي تمارس على الدول المستوردة لخفض مشترياتها من روسيا، قال هلال: «لنلاحظ هنا كيف تعمل السياسة». وأشار إلى أنه مقابل تشديد العقوبات على روسيا، هناك استثناءات كثيرة ومعقدة تسمح باستمرار تصدير النفط والغاز الروسي إلى الصين وغيره من الدول. وكان آخرها إصدار وزارة الخزانة الأميركية قراراً بتمديد إعفاء صادرات النفط الروسي إلى الصين عبر خط كازاخستان إلى مارس 2027.

النفط الروسي شيء… والارتهان للغاز الروسي شيء آخر

ورداً على سؤال حول مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2»، ميّز هلال بين سعي الصين إلى تعظيم استفادتها من النفط الروسي وبين استعدادها للاعتماد المفرط على الغاز الروسي. واستبعد أن توافق الصين بسهولة على مشروع «قوة سيبيريا 2»، لأنها تفضل الاحتفاظ بقدر من التنويع في وارداتها من الغاز لضمان تقليص الارتهان للغاز الروسي. ولذلك تُلاحظ زيادة اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً الذي يوفر قدراً أكبر من المرونة رغم ارتفاع أسعاره.

إقرأ أيضاً: تدفق قياسي للنفط: «هرمز» آخر لا تراه الرادارات والمسيّرات

وفي المقابل، أشار إلى الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للقطب الشمالي، مع تطوير روسيا مشروعات تسييل الغاز وأسطولاً من ناقلات الغاز الكاسحة للجليد. واعتبر أن نجاح النقل على مدار العام عبر هذه المنطقة يمكن أن يسهم في تغيير بعض مسارات تجارة الطاقة وتقليص الاعتماد على المضائق التقليدية، ومنها هرمز وباب المندب.

هرمز: الأرقام لا تروي القصة كاملة

وحول احتمالات تفاقم الأزمة في ظل تراجع عدد الناقلات التي تعبر مضيق هرمز، شدد رئيس تحرير مجلة «طاقة الشرق» على ضرورة التدقيق في الأرقام المتداولة عن عدد الناقلات لتقدير الحجم الفعلي لتدفقات النفط.

وأشار إلى نجاح دول الخليج، وخصوصاً شركة «أدنوك» في تصدير كميات كبيرة من نفط الإمارات والكويت والعراق عبر ما يعرف بالنقل المظلم، حيث تستخدم ناقلات صغيرة لعبور المضيق بعد تعطيل أنظمة التتبع، ليتم نقل الحمولة إلى ناقلات ضخمة خارج المضيق، ما يجعل عدد السفن المرصودة أقل من إجمالي الحركة الفعلية.

زر الذهاب إلى الأعلى