الصين ومضيق هرمز (3 من 3)
اختبار استراتيجية «معضلة ملقا» لتقليص الارتهان للمضائق
أظهر هذا التحليل في الجزء الأول أسباب وأبعاد قدرة الصين على استيعاب إغلاق مضيق هرمز وتوقف إمدادات النفط، بأقل الأضرار الممكنة. وأظهر الجزء الثاني منه، نجاح الصين في خفض وارداتها النفطية المنقولة بحراً خلال فترة قياسية، بنحو 42 في المئة، حيث لعب الاحتياطي النفطي دوراً مهماً في إثبات فعالية استراتيجية «معضلة ملقا»
ويتناول الجزء الأخير الأبعاد الجيوسياسية لهذه التطورات، وانعكاساتها على الصراع بين الاستراتيجية الأميركية القائمة على التحكم بموارد النفط والغاز والاستراتيجية الصينية لتقليص الارتهان للمضائق.
اختبار ميداني للاستراتيجيات النفطية
لوضع هذه التطورات في سياقها الجيوسياسي المنطقي، نشير إلى أن الولايات المتحدة اعتمدت طوال العقود الماضية نهجاً يقوم على التحكم بموارد وطرق إمداد النفط والغاز، لتعزيز علاقتها مع حلفائها، أو إضعاف ومحاصرة خصومها وأعدائها. وقد رسخ الرئيس ترامب هذه السياسة بطريقة واضحة ومباشرة من فنزويلا إلى غرينلاند إلى مضائق هرمز وباب المندب وملقا.
وفي المقابل ردت الصين بنهج مضاد أرسى دعائمه الرئيس الصيني الأسبق هو جينتاو عام 2003، عُرفت بـ«معضلة ملقا». وتقضي بتقليص الارتهان لممرات ومضائق بحرية تخضع لسيطرة قوى دولية أخرى.
ومن هنا وبعيداً عن اعتبارات أسواق وأسعار النفط، يمكن اعتبار إغلاق مضيق هرمز والرد الصيني المفاجئ بخفض واردات النفط المنقولة بحراً، بمثابة مناورة بالذخيرة الحية أو حتى «استطلاع بالنار» لفاعلية هاتين الاستراتيجيتن
إقرأ أيضا: الصين ومضيق هرمز (1 من 3)
لماذا غابت الصدمة السعرية وحضرت «الصدمة الصينية»؟
بمعزل عن النقاش الدائر حول من أغلق المضيق فعلاً، ومن استفاد ومن تضرر، ومع التسليم بالفرضية المعلنة، وهي أن إيران هي من أغلقه وأن أميركا والدول الغربية والصين عجزت كلها عن فتحه، ولو جزئياً، كما فعلت خلال الحرب العراقية-الإيرانية، وما يُعرف بـ«حرب الناقلات». فإن ذلك لا يغير كثيراً في حقيقة أن الأزمة كشفت جملة من الخلاصات العسكرية والجيوسياسية والطاقوية بالطبع، وذلك ما يبرر وصفها بأنها كانت «استطلاعاً بالنار».
أولاً: الاحتياطي النفطي الصيني: صمود ام تأجيل للآزمة
يكمن الضعف الفعلي في قراءة هذه الأزمة أو «المعركة» في افتراض وجود رابح وخاسر، وتحميل المعطيات أكثر مما تحتمل لإثبات تلك الفرضية. ومثال ذلك القول إن الصمود أو المرونة الصينية في استيعاب توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز، يعني أن النهج الأميركي القائم على قطع الطاقة قد سقط أو كاد. ولخصت ديبورا ماي دان من مركز كولومبيا لسياسات الطاقة العالمية، ضعف هذه الفرضية بالتساؤل عن حدود المرونة الصينية، وتساءلت: «هل كان الصمود الصيني استيعاباً حقيقياً ومستداماً للصدمة، أم مجرد تأجيل لها؟»
من أزمة هرمز إلى معضلة ملقا: قراءتان متعارضتان
يبدو واضحاً من وجهة نظر محايدة أن هناك قراءتين متعارضتين لتطورات الأزمة وتداعياتها:
- إضعاف الفرضية الأميركية، المتعلقة بالتأثير السريع والحاسم لقطع الإمدادات. فقد تمكنت الصين من استيعاب الصدمة ولو بشكل غير مستدام. وشرحنا كيفية تحقيق ذلك في الجزأين الأول والثاني من هذا الملف. ونضيف هنا أن إغلاق المضيق لم يوقف الإمدادات بشكل كامل. إذ تمكنت السعودية والإمارات من تصدير الجزء الأكبر من إنتاجهما عبر خطوط الأنابيب البرية التي تتجاوز المضيق. وترى مجلة The Diplomat أن اعتماد الصين على نفط الخليج لم يُترجم إلى عزلة، بل إلى «ضعف مشترك». فهذا الاعتماد لا يحميها من صدماته، لكنه أيضاً لا يمنح واشنطن أداة ضغط طاقوية سريعة المفعول كما كان مفترضاً.
- أزمة مضيق هرمز كنموذج لـمعضلة ملقا، فقد وفرت الأزمة (معركة الاستطلاع بالنار)، درساً بالغ الأهمية لأميركا. وهو أن إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب أو حتى مضيق ملقا، لا يتطلب قوة عسكرية ضخمة وإغراق سفن أو مواجهات مسلحة، إذ تكفي ضربات محدودة وإقناع شركات التأمين البحري برفع الأسعار أو وقف التغطية التأمينية. وهو درس يمكن أن تستفيد منه الصين أيضاً في محاصرة تايوان، «إذ يكفي خلق عدم يقين لدفع شركات الشحن لوقف عملياتها» كما يقول الباحث آيك فريمان.
كما وفر الحصار الذي فرضته البحرية الأميركية على إيران خارج مضيق هرمز، درساً ربما أكثر أهمية. إذ يمكن لتحالف بحري غربي فرض حصار على المضيق الذي يمر عبره نحو 80 في المئة من واردات الصين. ويكون بعيداً عن مسرح أي مواجهة حول تايوان، خصوصاً أن شركات التأمين البحري الصينية لا تُغطي سوى 15 في المئة تقريباً من تجارة الصين وفق صحيفة واشنطن تايمز.
التداعيات على أميركا والصين ودول الخيج
بالنسبة لواشنطن: الدرس الأعمق للأزمة، ليس فقدان قيمة الورقة الطاقوية، بل حالة «عدم التناظر» في ثبات واستدامة فعالية أوراق القوة بين الطرفين. فأميركا تمتلك أدوات سريعة التفعيل والتأثير، لكنها قصيرة العمر ويمكن خلق بدائل لها. ومثال ذلك انقطاع الإمدادات بالاستفادة من السيطرة على طرق الإمداد والمضائق. والمثال الأوضح فرض وزارة التجارة الأميركية عام 2025 قيوداً مفاجئة على صادرات الإيثان التي تبلغ حصة الصين أكثر من نصفها. فقد عطّل القرار عدداً من مصانع البتروكيماويات الصينية. لكن القرار أُلغي خلال أقل من شهر بعد تلويح الصين بورقة المعادن النادرة، وهو الأمر الذي قد يدفع واشنطن لتطوير بنية ضغط أكثر فعالية واستدامة.
إقرأ أيضا: الصين ومضيق هرمز (2 من 3)
سوق النفط بين «مستورد مرن» صيني و«منتج مرن» سعودي؟
بالنسبة لبكين: الأزمة قدّمت دليلاً عملياً على صواب الاستثمار في الاحتياطي النفطي الصيني، والطاقة المتجددة، وخطوط الأنابيب. وهي بنية أثبتت فعاليتها في استيعاب أي صدمة لمدة قصيرة، دون أن يكون واضحاً حتى الآن صمود هذه البنية إذا طالت الأزمة، وهو ما سيُعزز زخم هذا الإنفاق سياسياً. لكن معهد بيكر يضيف بُعداً أكثر واقعية يتمثل بأن استجابة بكين تحكمها أولويات متدرجة، في مقدمتها الحفاظ على استقرار النظام، وتجنب مواجهة عسكرية مباشرة في قضية تايوان. ويعتبر أن «الصمود الطاقوي» قد يكون جزءاً من نهج حذر أقرب لـ«الاحتواء الهادئ» منه لاستثمار مكسب افوري.
بالنسبة لدول الخليج: أكدت الأزمة عمق وتشابك المصالح التي تتضمن بالإضافة إلى النفط والغاز استثمارات وشراكات صناعية. ولا تزال الصين تعتمد على نفط الخليج لتأمين نحو خُمسَي وارداتها. والحديث عن تراجع الواردات من الخليج أقرب إلى «التنويع التكتيكي المحدود». ويرجح أن تدفع الأزمة دولاً مثل الكويت والعراق إلى تسريع تنفيذ خطوط أنابيب لنقل النفط إلى البحر الأحمر أو المتوسط.
الخلاصة: درع يتحول إلى بنية
الصين ظهرت كمستورد مرن للنفط ليس لأنها تريد المساهمة بإدارة أسواقه، بقدر ما تريد إدارة اعتمادها عليه. وهذا فارق جوهري. عام 1973 استخدم المنتجون العرب النفط سلاحاً هجومياً فأحدثوا أول أزمة طاقة حديثة. وفي ربيع 2026 استخدمت الصين درعها الطاقوي لاستيعاب أكبر صدمة إمدادات شهدتها السوق. سابقتان تاريخيتان تشيران إلى اتجاهين متعاكسين.
إقرأ أيضاً: «أسطول الظل»: بين تهريب النفط
والاستخدام الأميركي للتحكم بالإمدادات والمفاوضات
ما كشفته الأزمة ليس مجرد قدرة الصين على امتصاص صدمة مؤقتة، بل تحولاً بنيوياً تراكم بصمت على مدى أكثر من عقدين في السيارات الكهربائية والاحتياطيات وتنويع المصادر والبتروكيماويات. وقد وصل هذا التحول إلى عتبة غيّرت المعادلة بشكل قابل للقياس. لكن هذه العتبة هي بداية لا نهاية: فالاحتياطي االنفطي سيحتاج إعادة بناء، والطلب على النفط في البتروكيماويات والطيران والصناعة الثقيلة لا يزال راسخاً، والغاز المسال لا يزال نقطة ضعف، وثغرة طرق الإمداد من مضيق هرمز إلى مضيق ملقا لا تزال قائمة.
والسؤال الذي يطرحه هذا الملف، دون أن يُغلقه، هو: هل يمثل ما جرى في ربيع 2026 استثناءً عابراً، أم بداية نمط جديد في ديناميكيات سوق النفط والصراع الجيوسياسي معاً؟ وستتبلور الإجابة في ضوء تطورات سياسية واقتصادية ونفطية متشابكة، ومن بينها بالطبع تقييم أزمة مضيق هرمز، أو ما يمكن وصفه بعملية «الاستطلاع بالنار»، بوصفها اختباراً ميدانياً للفرضية الأميركية القائمة على التحكم بموارد وطرق إمداد النفط والغاز، وللفرضية الصينية المستندة إلى استراتيجية «معضلة ملقا».