الطاقة المتجددة: من عقود «بيع الشمس» إلى عقود شراء الطاقة الشمسية
«كابسارك»: عقد شراء معدّل لتوزيع أكثر إنصافاً وكفاءة للمخاطر بين المشتري والمنتِج
ساهمت عقود شراء الطاقة طويلة الأجل بأسعار ثابتة في نجاح الطاقة المتجددة المتغيرة وانتشارها، من خلال تشجيع الاستثمار وتحفيز التمويل. ولكن التوسع الكبير في قدرات التوليد كشف عن مشكلة كانت محدودة الأثر في المراحل الأولى. وتتمثل هذه المشكلة في أن المشتري، وبالتالي الدولة أو المستهلك، يتحمل جانباً كبيراً من التكاليف الناجمة عن تقلب الإنتاج بسبب تغير الأحوال الجوية، بدلاً من مشاركة المنتجين والمشترين/المستهلكين في تحملها، بطريقة تحقق الإنصاف والكفاءة.
وتشير دراسة صادرة عن مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية «كابسارك» إلى أن ارتفاع القدرة الإنتاجية يجعل معيار التكلفة المستوية غير كافٍ لتحديد القيمة الاقتصادية الفعلية للكهرباء المنتجة، وأن هذه القيمة لا تنعكس بصورة كافية في آلية التسعير التعاقدي. وتطرح الدراسة تنموذجاً مطوراً هو عقد الشراء المعدّل (Adjusted PPA)، الذي يعيد توزيع التكاليف والمخاطر بين الأطراف جميعها، وذلك بتحميل الشركات المنتجة ما هي أقدر على التحكم به وإدارته دون إجحاف.

زيادة قدرات التوليد تفاقم مشكلة التقلب
المثال الأبسط والأوضح هو الطاقة الشمسية نفسها. وتذكر الدراسة وعنوانها: «التحول من الأسعار الثابتة إلى قيمة أعلى لنظام الكهرباء: نموذج جديد لعقود شراء الطاقة لتقنيات الطاقة المتجددة المتغيرة في أنظمة المشتري الوحيد» أنه، عندما تكون قدرة توليد الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح تحديداً)، محدودة، يستطيع المشتري ونظام الكهرباء استيعاب إنتاج المحطات خلال النهار وإزاحة الإنتاج الأعلى تكلفة لمحطات الكهرباء التقليدية. ولكن مع التوسع الكبير في سعات الطاقة المتجددة، يمكن أن يصبح النظام متخماً بالكهرباء في ساعات الظهيرة، مقابل تراجع واضمحلال الإنتاج في المساء بالتزامن مع استمرار الطلب أو ارتفاعه.
ورغم انخفاض تكاليف إنشاء المحطات الشمسية، وتراجع التكلفة المستوية للكهرباء (LCOE)، فإن القيمة الاقتصادية التي تضيفها كل وحدة جديدة إلى النظام يمكن أن تتراجع مع ارتفاع حصة التوليد الشمسي. فالميغاواط/ساعة المنتج في ساعة فائض لا يملك نفس قيمة ميغاواط/ساعة يتم إنتاجه عندما يحتاج إليه النظام.
أما إذا انخفض الإنتاج عن المتوقع، فيحتاج مشغل النظام إلى موازنة النقص. وإذا زاد الإنتاج في وقت لا يستطيع النظام استيعابه، فقد يضطر إلى خفض الإنتاج. وهناك أيضاً الاحتياطيات المطلوبة لمواجهة التقلب، فضلاً عن بعض تكاليف الشبكة والمرونة.
ماذا عن التكاليف الأخرى؟
وتحدد دراسة كابسارك ثلاثة عناصر لا تحتسبها التكلفة المستوية التقليدية للكهرباء وهي: عدم التوافق الزمني بين الإنتاج والحاجة إليه، والعبء الإضافي للاحتياطيات، والتكلفة الإضافية لشبكات النقل اللازمة لربط مصادر التوليد المتقطعة.
إذن لم يعد السؤال فقط: كم تبلغ تكلفة إنتاج الميغاواط/ساعة من الشمس؟ بل أصبح أيضاً: متى تصل هذه الكهرباء إلى نظام الطاقة، وما قيمتها في تلك الساعة، ومن يتحمل تكلفة الفارق بين ما تنتجه المحطة وما يحتاج إليه النظام؟ وما هو التوزيع الأكثر كفاءة وعدالة للتكلفة، بحسب مسؤولية كل طرف وقدرته على إدارة المخاطر والتكاليف؟
وإذا كانت هذه التكاليف لا تظهر كلها في السعر المعتمد في عقود شراء الطاقة طويلة الأجل بأسعار ثابتة ، فأين تظهر ومن يتحملها؟
العقد يحمي المستثمر … فمن يتحمل تكلفة التقلب؟

هنا تذهب دراسة كابسارك خطوة أبعد من النقاش التقليدي حول تكلفة الطاقة الشمسية. فإنشاء محطة للطاقة الشمسية يقوم على تقديم عطاءات يكون سعر بيع الكهرباء العامل الحاسم فيها. ويقدم المستثمر عادة السعر الذي يسمح له باسترداد استثماره وتحقيق العائد المطلوب. وعقد شراء الطاقة طويل الأجل بسعر ثابت يمنحه اليقين اللازم للحصول على التمويل. فالمنتج إذن يتمتع بدرجة كبيرة من اليقين بشأن إيراداته، بينما يتحمل المشتري جانباً كبيراً من تكلفة موازنة تقلب الإنتاج. وتدخل هذه التكلفة في نهاية المطاف ضمن تكلفة الكهرباء، وتُنقل إلى المستهلك، أو إلى الدولة عندما تكون أسعار الكهرباء مدعومة.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة: العقد نجح في حماية المستثمر من المخاطر التي كان لا بد من تخفيفها لجذب الاستثمار، لكنه يعفي المنتج من تحمل جزء من التكلفة التي يتسبب بها انحراف إنتاجه.
عقد شراء معدل يستهدف عدالة وكفاءة توزيع التكاليف والمخاطر
الحل ليس إلغاء نموذج المشتري الوحيد، ولا التخلي عن المزادات أو عقود الشراء طويلة الأجل، ولا الانتقال بالضرورة إلى سوق كهرباء تنافسية. فالحل المقترح أبسط وأكثر تحديداً، وهو اعتماد عقد شراء معدل (Adjusted PPA)، كما تشير دراسة «كابسارك».
فالعقد المقترح يحافظ على المكون طويل الأجل، بما يوفر للمستثمر اليقين والاستقرار. لكنه يضيف تسوية مرتبطة بالفرق بين الإنتاج الفعلي للمشروع ونمط إنتاج مرجعي محدد مسبقاً، باستخدام سعر تصحيح يعكس القيمة الاقتصادية للكهرباء في النظام وقت حدوث الانحراف.
وتقوم الآلية المقترحة على تحديد سعر التعاقد ونمط إنتاج مرجعي لكل ساعة من خلال المزاد التنافسي، على أن يعكس النمط المرجعي خصائص تقنية التوليد وموقع المشروع، مع إمكان تحديثه كلما اقترب موعد التشغيل الفعلي وفق المعلومات المتاحة.

وعند التسوية المالية، يحصل المنتج على مكونين للإيرادات: الأول مستقر، ويُحتسب بضرب سعر العقد بكمية الإنتاج المرجعية، بما يحافظ على قدر من اليقين المالي اللازم للمشروع. والثاني هو مكون متغير، يُحتسب بضرب الفرق بين الإنتاج الفعلي والإنتاج المرجعي بسعر تصحيح يُحدد في الوقت الفعلي استناداً إلى القيمة الحدية للكهرباء في النظام.
وبذلك لا تعود إيرادات المنتج مرتبطة حصراً بكمية الكهرباء التي يولدها، بل تتأثر أيضاً بالقيمة الاقتصادية لانحراف إنتاجه عن المستوى المرجعي الذي حدده. وتتيح هذه الآلية الجمع بين استقرار الإيرادات والحوافز التشغيلية التي تشجع المنتج على تحسين التوقعات وإدارة الانحرافات، من دون تعريض كامل إيراداته لتقلبات الأسعار.
وإذا انخفض إنتاج المحطة عن المستوى المرجعي في ساعة تكون فيها الكهرباء شديدة القيمة للنظام، لا يبقى المنتج بمنأى تماماً عن الأثر الاقتصادي لهذا النقص. وإذا قدم كهرباء إضافية عندما تكون قيمتها مرتفعة، يمكن أن يستفيد من ذلك.
الفكرة الأساسية ليست نقل كل مخاطر التوليد إلى المستثمر. فدراسة «كابسارك» تميز بدقة بين المخاطر التي يستطيع المنتج إدارتها والمخاطر التي يجب أن تبقى على عاتق المشتري ومشغل النظام. فإذا كان خفض إنتاج محطة شمسية، مثلاً، ناتجاً عن اختناق الشبكة أو قرار المشغل أو عدم مرونة المحطات التقليدية، فلا يجوز تحميل المنتج تكلفة مشكلة لا يستطيع التحكم بها.
لكن المنتج يستطيع تحسين توقعاته وإدارة انحرافات إنتاجه، ولذلك يمكن تحميله جزءاً من تكلفة المخاطر التي يستطيع بالفعل التأثير فيها.

من التوليد إلى التخزين
إذا كان التوسع في سعات الطاقة المتجددة يستوجب إعادة النظر في نموذج عقود شراء الطاقة طويلة الأجل بأسعار ثابتة في أنظمة المشتري الوحيد، فهل يدفع التوسع في سعات التخزين لحل مشكلة تقطع الإنتاج إلى إعادة النظر أيضاً في عقود شراء خدمات التخزين؟
تتوالى المعطيات التي ترجح الإجابة بنعم، وأهمها نمو قدرات التخزين بالبطاريات عالمياً بمعدلات عالية، إذ بلغت الزيادة في القدرات الجديدة المضافة 40% عام 2025 مقارنة بعام 2024، وفقاً لتقرير «مراجعة الطاقة العالمية 2026» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية.
كما تتوالى نماذج العقود التي يلتزم فيها المطور بتوفير الكهرباء بالكمية والتوقيت اللذين يحددهما المشتري. فامتلاك قدرات التخزين يسهم في حل مشكلة تقلب الإنتاج تقنياً، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المطور أصبح مسؤولاً عن توفير الكهرباء وفق احتياجات المشتري، ما لم ينص العقد على ذلك.
وهذا موضوع آخر تسهم في إضاءته دراسة لمركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية «كابسارك» بعنوان «دراسة مقارنة للممارسات العالمية في عقود أنظمة تخزين الطاقة المتجددة الهجينة: السمات التعاقدية ونماذج السداد وآليات توزيع المخاطر».
الخلاصة: المشتري لم يعد معنياً فقط بكم ميغاواط/ساعة تنتج الألواح عندما تشرق الشمس، بل بكم ميغاواط/ساعة يوفرها له المطور عندما يحتاج إليها. فهو لا «يشتري الشمس»، بل يشتري طاقة شمسية.



