خط أنابيب البصرة–حديثة: لا عقد تنفيذ مع شيفرون والتكلفة ليست 15 مليار دولار
أسهم تصريح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الداعي إلى الإسراع بتنفيذ مشاريع خطوط أنابيب النفط نحو المتوسط، في توضيح الالتباس الإعلامي الذي ترافق مع تصريح وزير النفط باسم خضير العبادي في الثامن من الشهر الجاري. فقد تداولت وسائل الإعلام نقلاً عنه، معلومتين غير دقيقتين. الأولى تلزيم وصلة البصرة–حديثة من الخط إلى ائتلاف تقوده «شيفرون» ويضم «تي آي كابيتال» الأميركية و«يو سي سي» القطرية؛ والثانية أن التكلفة تقارب 15 مليار دولار.
أين الالتباس وما هي الحقيقة؟
توضح المراجعة الدقيقة لكلام وردود وزير النفط خلال مؤتمره الصحافي أنه تحدث فعلاً عن توقيع اتفاق مع تحالف «شيفرون»، وأن الكلفة التقديرية تقارب 15 مليار دولار. ولكنه لم يوضح بشكل قاطع أنه يقصد اتفاق المبادئ الموقع في شهر يوليو الماضي بين شركة نفط البصرة والتحالف، والمتعلق حصراً بإعداد الدراسات الفنية والمالية للخط، سواء الوصلة الأولى منه، أي البصرة–حديثة، أو الوصلات المحتملة الأخرى، أي حديثة–جيهان في تركيا، أو بانياس في سوريا، أو العقبة في الأردن.
وكان قرار مجلس الوزراء واضحاً في أن اتفاق المبادئ واتفاق عدم إفشاء المعلومات المرتبط به، لا يرتبان التزامات مالية أو تعاقدية نهائية على وزارة النفط. وفي القرار نفسه، أجازت الحكومة لشركة نفط البصرة التعاقد مع شركة «KBR» الأميركية لتقديم الخدمات الاستشارية الخاصة بوصلة البصرة–حديثة.
إذاً… ائتلاف «شيفرون» لم يُمنح، وفق القرارات المعلنة حتى الآن، عقداً لتنفيذ وصلة البصرة–حديثة. وإن كان ذلك لا ينفي أبداً احتمال مشاركة الائتلاف أو بعض شركاته لاحقاً في تنفيذ هذه الوصلة أو الوصلات الأخرى من الخط.
من أين جاءت الـ 15 مليار دولار؟
توضيح الالتباس الأول يساعد على توضيح الالتباس الثاني. فالوزير العبادي ذكر صراحة رقم الـ 15 مليار دولار، لكنه أوضح أن ذلك هو الكلفة التقديرية للاستثمارات المطلوبة لبناء منظومة متكاملة من خطوط الأنابيب انطلاقاً من عقدة حديثة، إضافة إلى مرافق التخزين وربما التكرير. وذكر تحديداً مسار حديثة–كركوك–جيهان، ووصلة بانياس. وقال إن ذلك كله خاضع لدراسات الجدوى الفنية والمالية.
إقرأ أيضاً: نفط البصرة لا كركوك… إلى بانياس وطرابلس، وتسوية «إرضائية» لتركيا
ولمزيد من التوضيح، نشير إلى أن التقديرات الرسمية العراقية التي أُعلنت في أكثر من مناسبة منذ العام 2024 لكلفة وصلة البصرة–حديثة تراوحت بين 4.5 و 5 مليارات دولار، وفقاً للمواصفات الحالية. أي بطول نحو 700 كيلومتر وقطر 56 بوصة وطاقة استيعابية بحدود 2 مليون برميل. يضاف إلى ذلك أن رقم الـ 15 مليار دولار يعني أن تكلفة الكيلومتر الواحد تقارب 21.5 مليون دولار، وهي تكلفة غير معقولة وتعادل تقريباً ثلاثة أضعاف التقدير الرسمي لكلفة وصلة البصرة–حديثة نفسها.
إذاً… رقم الـ 15 مليار دولار هو التكلفة التقديرية الأولية للاستثمارات اللازمة لبناء منظومة متكاملة من خطوط الأنابيب والمنشآت المرتبطة بها، وليس لوصلة البصرة-حديثة.
لكن ذلك يقود إلى سؤال لم تتضح إجابته بعد.
من سيمول الـ 15 ملياراً؟
إذا كان الرقم يمثل الحجم الإجمالي المتوقع للاستثمارات في شبكة أوسع، فلا يعني ذلك بالضرورة أن الحكومة العراقية ستدفع 15 مليار دولار، ولا أن المكونات المختلفة للمنظومة ستُنفذ بالطريقة التمويلية نفسها.
فوصلة البصرة–حديثة مشروع عراقي قائم، له ترتيبات تنفيذ وتمويل بدأت قبل دخول ائتلاف «شيفرون» على الخط. ومع ذلك، فإن طريقة تنفيذه ومشاركة الشركات النفطية والاستثمارية في تمويلها قد تكون موضع دراسة. أما الوصلات التي ستنطلق من حديثة إلى منافذ التصدير الخارجية فتخضع لدراسات فنية ومالية، وتحتاج بطبيعتها إلى ترتيبات عابرة للحدود واتفاقات تحدد التمويل والملكية والتشغيل ورسوم النقل.
ومع أن مسار حديثة–بانياس يبدو متقدماً من الناحية السياسية، بعد توقيع العراق وسوريا مذكرة تفاهم في أميركا وبرعايتها، فإن خطوط الأنابيب لا تُبنى بالاعتبارات الجيوسياسية وحدها. فالمسار الذي يبدو جذاباً سياسياً يحتاج إلى إثبات جدواه التجارية وقابليته لجذب التمويل.
وهذا تحديداً ما يفترض أن تحسمه الدراسات الجارية.
شبكة واحدة… ومشروعات مختلفة
لذلك، قد يكون من المبكر التعامل مع شبكة الأنابيب العراقية الجديدة باعتبارها مشروعاً واحداً قيمته 15 مليار دولار، ودخل مرحلة التنفيذ. فالأدق، أنها مجموعة مشروعات مترابطة، عمودها الفقري وصلة البصرة–حديثة. أما الوصلات المحتملة إلى المتوسط، فلكل منها اقتصادياتها، وشركاؤها المحتملون، ومصادر تمويلها، ومخاطرها السياسية والتجارية.
من هنا تكتسب توجيهات الزيدي الأخيرة أهميتها. فهي تؤكد أن بغداد تريد الإسراع في تنفيذ استراتيجية تنويع منافذ تصدير النفط، وتقليص اعتمادها على الخليج ومضيق هرمز. لكنها لا تعني أن خريطة هذه البدائل حُسمت، أو أن عقود تنفيذها وتمويلها أصبحت جاهزة.



