الصين ومضيق هرمز (1 من 3)
لماذا غابت الصدمة السعرية وحضرت «الصدمة الصينية»؟

كشفت أزمة مضيق هرمز، وانعكاساتها على الصين، جملةً من المعطيات والمفارقات التي تتجاوز التحليلات اليومية، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول تحولات أعمق في نظام النفط العالمي وآليات عمله.

في هذه السلسلة المؤلفة من ثلاثة أجزاء، تحاول «طاقة الشرق» قراءة هذه التحولات، انطلاقاً من ثلاثة أسئلة رئيسية:

الجزء الأول: كيف تكيفت الصين مع أكبر تهديد لأمنها الطاقوي؟ وما الدور الذي لعبته استراتيجية «معضلة مضيق ملقا» المعتمدة منذ مطلع الألفية، لمواجهة تهديدات إغلاق المضائق وطرق الإمداد؟

الجزء الثاني: هل كشفت الأزمة ظهور الصين بدور «المستورد المرن» القادر على التأثير في توازن السوق من خلال إدارة الطلب، على غرار «المنتج المرن» الذي ارتبط تاريخياً بالسعودية؟

الجزء الثالث: هل شكلت أزمة هرمز اختباراً «ميدانياَ» لسلاح التحكم بموارد وإمدادات النفط والغاز الذي تراهن عليه أميركا في صراعها الاستراتيجي مع الصين؟

تمثلت أبرز تداعيات أزمة توقف إمدادات النفط عبر مضيق هرمز بمفارقتين  لافتتين. الأولى، «غياب الصدمة السعرية» التي توقعها كثيرون. فرغم فقدان نحو 11 مليون برميل يومياً، لم يقفز السعر إلى 150 – 200 دولار، بل استقر عند مستوى 100 دولار معظم مراحل الأزمة. والثانية، «حضور الصدمة الصينية» التي لم يتوقعها أحد، والمتمثلة بقدرة الصين على استيعاب الأزمة من خلال سلسلة سياسات وإجراءات منسقة. وبالتالي تجاوز نقطة ضعفها التاريخية، وهي الاعتماد المفرط على واردات النفط البحرية.

فما هي معطيات وأبعاد «الصدمة الصينية» ؟ وهل كان هذا الصمود الاستراتيجي وليد ظروف استثنائية أم تخطيط طويل الأمد ومراكمة عناصر قوة نوجزها في ما يلي:

أولاً: الاحتياطي الاستراتيجي: بوشر بناؤه قبل عقدين

طرحت فكرة بناء احتياطي استراتيجي من النفط الخام في عهد الرئيس السابق هو جينتاو عام 2003 في سياق سياسة طويلة الأمد أطلق عليها «معضلة مضيق ملقا». واستهدفت تقليص الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة لنفوذ قوى أخرى. وشكلت أزمة هرمز أول اختبار «ميداني» لهذه السياسة.

وقد بلغ هذا الاحتياطي بنهاية 2025 بين 1.2 و 1.5 مليار برميل. وهو أكبر احتياطي استراتيجي في العالم. وتغطي هذه الكميات نظرياً ما بين 110 و180 يوماً من صافي الواردات، متجاوزة معيار وكالة الطاقة الدولية. وتشير التقديرات إلى أن بكين سحبت بين 100 و200 مليون برميل من مخزوناتها خلال الأزمة، بينما عالجت المصافي في شهر مايو كميات تفوق الإمدادات الواردة بنحو 500 ألف برميل يومياً. ما يعني أن التحول من بناء المخزون إلى السحب منه بلغ قرابة 1.9 مليون برميل يومياً.

ويرى غابرييل كولينز من معهد بيكر أن هذا الاحتياطي يمنح الصين نافذة تشغيلية تتراوح بين 60 و90 يوماً قبل الاضطرار إلى تقليص نشاط المصافي. والرسالة الضمنية لواشنطن كانت واضحة: أي حصار بحري قصير أو متوسط الأمد لن «يربك» الاقتصاد الصيني بالسرعة التي تفترضها سيناريوهات إشعال أزمة تايوان ومضيق ملقا.

الصورة من بلومبرغ الشرق

 

ثانياً: التحكم بالطلب الهيكلي: تخفيض ضخم وسريع بقرار

انخفضت واردات الصين البحرية من النفط من حوالي 11 مليون برميل يومياً إلى 7.8 مليون برميل يومياً في شهر مايو، ثم إلى 6.4 مليون برميل يومياً في يونيو، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 2016.

وبحسب JPMorgan ، فإن هذا الانخفاض مثّل نحو 74 في المئة من إجمالي تراجع تجارة النفط الخام العالمية. لكن أهمية التراجع لا تكمن في حجمه فقط، بل في أن جزءاً كبيراً من واردات 2024 و2025 كان موجهاً لبناء المخزون لا للاستهلاك الفعلي. فقد استوردت الصين حوالي 1.4 مليون برميل يومياً أكثر مما عالجته مصافيها خلال العامين الماضيين.

وعندما قُطعت الإمدادات، لم تظهر صدمة مرئية في السوق المحلية: فلا نقص في الوقود، ولا تضخم حاد في أسعار الطاقة. وخلص محللو Société Générale إلى أن تأثير الأزمة طال 14 في المئة من الإمدادات العالمية. أي ضعف النسبة التي سجلت خلال الحظر العربي للنفط عام 1973. ومع ذلك لم ترتفع الأسعار بالقدر نفسه، وأرجعوا ذلك إلى الدور الذي لعبته الصين في إعادة توازن السوق.

ثالثاً: السيارات الكهربائية: أمن قومي وليس بيئة ومناخ

في مايو 2026 تجاوزت نسبة السيارات الكهربائية والهجينة 60 في المئة من إجمالي المبيعات. بينما انخفضت مبيعات السيارات التقليدية إلى أدنى مستوياتها منذ 2010. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن أسطول السيارات الكهربائية الصيني أزاح نحو مليون برميل يومياً من الطلب على النفط في 2025. وتوقعت ارتفاع الرقم إلى 2.7 مليون برميل يومياً بحلول 2030.

تكشف هذه المؤشرات أن التحول إلى النقل الكهربائي لم يعد سياسة بيئية ومناخية فحسب، بل أصبح أحد عناصر الأمن القومي الصيني. فكل سيارة كهربائية جديدة تقلص الحاجة إلى نفط يمر عبر ممرات بحرية معرضة للمخاطر. كما وفرت السيارات الكهربائية والهجينة للمستهلكين مرونة فورية للانتقال بعيداً عن الوقود عند ارتفاع الأسعار، وهو ما أضاف طبقة من المرونة لم تكن مدرجة في التقديرات التقليدية.

رابعاً: البتروكيماويات: إيثان أميركي لحمايتها

اعتمدت السلطات الصينية توازناً مرناً في استخدام النفط الخام، صناعة التكرير وتصدير المشتقات المكررة، وبين حماية السلسلة الإنتاجية المرتبطة بصناعة البتروكيماويات. وتم تفضيل تحويل الإمدادات إلى وحدات بتروكيماوية لتأمين المواد الخام لصناعات الأدوية والأسمدة والبوليمرات. وقامت شركات مثل سينوبك Sinopec بتعديل جداول التشغيل لتحويل الخام إلى مدخلات صناعية بدلاً من منتجات وقود قابلة للتصدير.

إقرأ أيضاً: الصين ـ أميركا: من زواج المصلحة إلى المساكنة بالإكراه (1 من 3)

وقد أدى توقف واردات النافتا من دول الخليج وهي مادة رئيسية في صناعة البتروكيماويات، إلى تراجع إنتاج البلاستيك الأولي في الصين بنحو 1.6 مليون طن خلال أبريل الماضي. ومع أن ذلك ساهم من جهة بتخفيض الطلب على النفط، لأنه يعادل تقريباً إزاحة 700 ألف برميل يومياً. إلا انه خلق بالمقابل مشكلة كبيرة في سلاسل الإنتاج، ولجأت الصين لحل المشكلة إلى زيادة استيراد الإيثان الأميركي، الذي يتمتع بكفاءة أعلى من النافثا في إنتاج البولي إيثيلين. وتشير التقديرات إلى أن زيادة الصادرات الأميركية من الإيثان إلى الصين خلال شهر مارس ربما خفضت الطلب على النفط الخام بنحو 330 ألف برميل يومياً إضافية. ومع ان ذلك يعتبر استبدال الارتهان بارتهان آخر، إلا أن الإيثان الأميركي، يبقى ورقة ضغط أقل قابلية للاستخدام كسلاح في أي أزمة سياسية.

خامساً: المنتجات النفطية: تعليق الصادرات ومساعدات

اتخذت بكين قراراً استثنائياً بتعليق صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات خلال أشهر الأزمة. ونتيجة لذلك تراجعت صادرات المنتجات المكررة بنحو 65 في المئة مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات S&P Global. الأمر الذي خفض الطلب الصيني على النفط الخام بنحو 385 ألف برميل يومياً وأسهم في تهدئة اضطراب السوق العالمية.

لكن القرار تجاوز الإدارة الداخلية للأزمة، ليصبح آداة نفوذ إقليمي. إذ بادرت بكين إلى إرسال بعض الشحنات كمساعدات لدول آسيوية تضررت بشدة من اضطراب الإمدادات. وهي خطوة محللون بدبلوماسية المشتقات النفطية، أو «دبلوماسية الديزل».

الخلاصة:

كشفت الأزمة أن استيعاب الصين لأكبر إضطراب في إمدادات الطاقة، لم يكن استجابة طارئة، بل نتيجة تراكم سياسات طاقوية وصناعية امتدت لأكثر من عقدين. أما فعالية تلك السياسات، فتبقى موضع تساؤل في حال امتدت الأزمة لفترات طويلة أو شملت حصاراً واسعاً لطرق الشحن والتمويل في سياق صراع أميركي-صيني مباشر.

ومهما يكن فإن الأزمة كشفت أيضاًً ضرورة إعادة النظر بفعالية السيطرة على المضائق للتحكم بإمدادات الطاقة واستخدامها كورقة ضغط في سياق هذا الصراع. فاللعبة أصبحت أكثر تعقيداً وتتضمن إدارة الشحنات الاستراتيجية، تحوّل الطلب الداخلي، وديناميكيات أسواق المشتقات. هذا لا يبدد قدرة الولايات المتحدة على التأثير، لكنه يحد من سرعتها وحجم تأثيرها في حال فُرضت قيود على الإمدادات.

هل كشفت الأزمة، قدرة الصين غير المسبوقة على التخفيض السريع لوارداتها النفطية البحرية بحوالي 6 ملايين برميل يومياً، تحولها إلى لاعب رئيسي في موازنة العرض والطب العالمي، او ما يصح تسميته بـ «المستورد المرن» على غرار دور المنتج المرن الذي لعبته السعودية؟

ذلك ما يناقشة الجزء الثاني من ملف الصين ومضيق هرمز.

زر الذهاب إلى الأعلى