المعادن النادرة: انتقال التنافس الدولي إلى أعماق البحار

لا داعي لانتظار انتهاء اجتماع الجمعية العامة للهيئة الدولية لقاع البحار، لإعلان فشل الهيئة مجدداً في قوننة استغلال معادن أعماق البحار. لكن يمكن استخدام فشل الاجتماع الثلاثين للهيئة لتأريخ اندلاع حرب معادن الأعماق رسمياً.

فقد أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشرارة الأولى لهذه الحرب في شهر أبريل الماضي، بقرار رئاسي مفاجئ يسمح ببدء عمليات التعدين البحري بموجب إطار تنظيمي خاص بالولايات المتحدة. ما يعني تخطي القانون الدولي وكل الخلافات والمداولات حوله التي تتم في الهيئة الدولية. وسَبَق ذلك شرارات لا تقل خطورة، تمثلت بمباشرة الصين وروسيا واليابان وعدد من الدول الجُزرية والشركات الدولية عمليات التنقيب والاستخراج في مناطقها الاقتصادية الخالصة.

فشل الهيئة الدولية لقاع البحار 

يرجّح المراقبون أن يُطلق فشل الهيئة الدولية في إقرار القانون “فوضى عارمة” على مستويين: الأول يتعلق بالاستكشاف والتنقيب والاستخراج، سواء في المياه الوطنية أو في المياه الدولية. والثاني يتعلق بموجة من النزاعات القانونية بين الدول، قد تتحول إلى نزاعات سياسية وربما عسكرية في بعض المناطق.

إقرأ أيضاً:

«حرب الأعماق» للفوز بمليارات الأطنان من المعادن النادرة (1 من 2)

حرب معادن الأعماق: هل يكون صدع كليبرتون، «إقليم دونباس» نرويجي (2 من 2)

وكانت الاجتماعات السنوية للهيئة، التي بدأت في شهر مارس الماضي وتنتهي باجتماع الجمعية العامة هذا الأسبوع، قد واجهت، كما في السنوات السابقة، خلافًا حادًا حول بدء الاستغلال التجاري لمعادن البحار، بين محور الدول المؤيدة بقيادة الصين وروسيا، والدول الرافضة بقيادة بعض الدول الأوروبية، بعد تحول موقف أميركا، التي كانت تقود هذا المحور “عن بعد”. وفشلت جميع المحاولات لإيجاد حل وسط يقضي بالوقف “المؤقت” أو “الاحترازي”، بانتظار إنجاز القانون العتيد واللوائح التنظيمية.

وهذا الفشل لا يمكن تحميله للهيئة بالطبع. لأنه يعكس عمق الخلافات بين الدول الأعضاء، وربما الأهم غير الأعضاء مثل الولايات المتحدة التي لم تنضم أساساً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. كما أن استمرار الخلافات سيؤدي إلى فشل الهيئة في فرض الالتزام بالقانون في حال إقراره.  وكذلك  فشلها في منع عمليات الاستغلال التجاري في حال عدم إقراره.

أين المشكلة؟

تتمثل المشكلة أساساً في وجود مخزون ضخم من المعادن النادرة في اعماق المحيطات يقدر بعشرات مليارات الأطنان. وهناك مثلاً حوالي 30 مليار طن في منطقة كلاريون ـ كليبرتون فقط. ومع  أن هذا المخزون معروف منذ عشرات السنوات، وبوشر استغلاله بشكل جزئي في خمسينيات القرن الماضي، لكنه تحول إلى ميدان للتنافس والصراع الدولي بسبب انفجار الطلب على المعادن النادرة. لأنها باتت عنصراً رئيسياً في الصناعات المدنية والعسكرية. وكذلك بسبب السيطرة شبه المطلقة للصين على هذه المعادن.

وتتركز الخلافات المتعلقة بالاستغلال التجاري لمعادن أعماق البحار على المسائل التالية:

1. الأضرار البيئية

يجادل معارضو التعدين البحري بعدم وجود أية دراسات أو معلومات كافية حول تكوين قيعان المحيطات. وبأن المعلومات المتوفرة أقل بكثير من تلك المتعلقة بسطح المريخ. ولذلك يستحيل على العلماء تقدير الأضرار البيئية التي قد تنجم عن عمليات التنقيب والاستخراج. ويرون ضرورة تأجيل التعدين التجاري إلى حين استكمال دراسات الأثر البيئي. مما يسمح بوضع الضوابط والنُظم اللازمة.

2. الاعتبارات السياسية والقانونية

وأهمها أن ثروات قاع البحار «تراثاً مشتركاً للبشرية»، بموجب قرار تاريخي أصدرته الأمم المتحدة عام 1975. وينص على اقتطاع نسبة من عوائد التعدين ووضعها في صندوق خاص تستفيد منه الدول الفقيرة. ويعني ذلك أن تجاوز هذا القرار من قِبل أي شركة أو دولة يترتب عليه تبعات قانونية ودعاوى قضائية معقدة.
ولذلك يُفترض أن يشكل القانون واللوائح التنظيمية التي تصدت الهيئة الدولية لإنجازها الممر الإلزامي لبدء التعدين التجاري. لكن الدول والشركات المؤيدة لبدء التعدين التجاري أعلنت أنها تمتلك الحق في الحصول على التراخيص اللازمة لمباشرة عمليات التنقيب والاستخراج. وذلك بالاستناد إلى نصوص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. كما أعلنت، أن هذه الاتفاقية تمنحها الحق بمقاضاة الهيئة الدولية لفشلها في وضع الإطار القانوني اللازم.

3. فوضى قانونية

تتمثل في أن القانون الدولي “الموعود” يتعلق أساساً بالمياه الواقعة تحت الولاية القضائية الدولية. والتي تُقدّر مساحتها بنحو 50 في المئة من مساحة قاع البحار. إلا أنه يشكل في الوقت نفسه معياراً استرشادياً لوضع إطار قانوني وتنظيمي للعقود المتعلقة بالمياه الخاضعة للولاية القضائية الوطنية. إذ لا يصح اعتماد نظام التعدين الأرضي الحالي الذي تشوبه الكثير من العيوب، خاصة على صعيد العدالة والإنصاف للدول المالكة للثروات.

أميركا تقلب الطاولة

في مقابل الفشل المتكرر في إنجاز القانون الدولي والإطار التنظيمي، ومحاولات تدوير الزوايا بين المؤيدين والمعارضين، فاجأت أميركا الجميع بقرار يقلب طاولة المفاوضات ويغير المعادلات. والأهم أنه ينقل الخلاف من دائرة التفاوض التقني والسياسي والمناخي والبيئي والاقتصادي، إلى ميدان المواجهات السياسية المفتوحة على كل الاحتمالات.

إقرأ أيضاً:

ورشة دولية لبناء أساطيل حفارات وحصادات لمعادن أعماق البحار

سباق معادن أعماق البحار: هل تُغيّر أميركا قواعد اللعبة وتلحق بالصين؟

يستهدف الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترامب في 24 أبريل 2025، كما جاء في نصّه الحرفي:

  • “استعادة السيطرة على المعادن والموارد البحرية الحيوية”. ويشير الأمر، إلى أن الولايات المتحدة “يجب أن تتخذ إجراءات فورية لتسريع التنمية المسؤولة لموارد المعادن في قاع البحر. وتحديد كمية المعادن الموجودة في قاع البحر داخل البلاد. وإعادة تنشيط القيادة الأميركية في تقنيات الاستخراج والمعالجة المرتبطة بها. وضمان سلاسل توريد آمنة لقطاعات الدفاع والبنية التحتية والطاقة في أميركا”.
  • الهدف الأكثر خطورة وأهمية، يتعلق بمطالبة وزير التجارة “بتسريع عملية مراجعة وإصدار تراخيص استكشاف المعادن في قاع البحر وتصاريح الاسترداد التجارية، في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية. وذلك بموجب قانون موارد المعادن الصلبة في قاع البحار العميقة”.

لوكهيد مارتن تعود لأعماق البحار

ويعني القرار، أن أميركا، التي ظلت حتى الأمس القريب تقود “عن بعد” التيار المعارض للتعدين التجاري، انتقلت بشكل مفاجئ، ليس فقط إلى المعسكر المؤيد. بل إلى معسكر خاص بها يتجاوز المؤيدين والمعارضين. والأهم أنه يتجاوز أي بحث في إخضاع أنشطة التنقيب والاستخراج التي تقوم بها الشركات الأميركية للقوانين الدولية.
وتستند الإدارة الأميركية في ذلك إلى أن أميركا ليست عضواً في اتفاقية الأمم المتحدة للبحار. وبالتالي هي ليست عضواً في الهيئة الدولية لقاع البحار.

وكترجمة مباشرة لهذا التوجه، أعلنت شركة لوكهيد مارتن Lockheed Martin  في شهر أبريل الماضي عن استعادة السيطرة على ترخيصين للتعدين في أعماق البحار، في منطقة كلاريون  كليبرتون. وذلك بعد أن باعتهما سابقًا إلى شركة “لوك مارين مينيرالز” النرويجية. وكانت الشركة قد فازت بالترخيصين من الجهات التنظيمية الأميركية أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى