مفاعل «إيتر» للطاقة الاندماجية: شمس اصطناعية أم حلم مستحيل؟

 

خطأ: نموذج الاتصال غير موجود.

في الجنوب الفرنسي، بين غابات الصنوبر وكروم العنب يسعى العلماء إلى تحقيق الحلم المستحيل ببناء شمس اصطناعية. حيث يسعى العلماء في مفاعل إيتر ITER للطاقة الاندماجية، إلى محاكاة ما يجري داخل الشمس، حيث تنصهر ذرات الهيدروجين في حرارة تقارب 15 مليون درجة، وضغط خيالي لتكوّن الهيليوم وإطلاق طاقةً لا نهائية ودون انبعاثات كربونية أو نفايات نووية طويلة الأمد، ودون أي خطرٍ من الانفجار أو الانصهار الكارثي.

لكن ما الذي يجعل هذا المشروع مختلفًا عن أحلام العلماء التي سبقت؟ وما التحديات التي يواجهها؟

شمس في مفاعل

يجيب تقرير لمجلة ناشيونال جيوغرافيك بأن الشمس  تكونت قبل حوالي 4.6 مليار سنة، من غيمةٍ هيدروجينية ضخمة ضغطتها الجاذبية حتى وصلت حرارة قلبها إلى نحو  15 مليون درجة. ما أدى لبدء عملية لا نهائية من الاندماج بين ذرات الهيدروجين، ولجعل الشمس مصدراُ للحرارة والحياة.

إقر أيضاً: طاقة الاندماج النووي: أنواع المفاعلات وطرق الاندماج  (5 من 5)

ويعمل ITER على إعادة إنتاج هذه الظاهرة داخل منشأةٍ بشرية. ففي قلبه توجد آلة ضخمة تُعرف باسم التوكاماك   Tokamak. وهي حجرة معدنية هائلة على شكل «دونات»، صُمّمت لاحتواء بلازما بدرجات حرارة تفوق حرارة لشمس بعشر مرات. حيث تؤدي الحرارة إلى اندماج النوى (جمع نواة) لتُنتج الهيليوم والطاقة.
ولأنه لا يوجد أي مادّة يمكنها تحمّل مثل هذه الحرارة، فلذلك كان الحل بالسعي لحبس البلازما في حقل مغناطيسي خارق ومنع وصولها إلى جدران المفاعل.

مفاعل بارتفاع 6 طوابق

في قاعةٍ معدنية ضخمة بارتفاع عشرين طابقاً، تلتفّ آلاف الأنابيب والصفائح المعدنية كأنها شبكة كونية من الحديد والضوء. وكل جزء من مفاعل إيتر للطاقة الاندماجية صُنع خصيصًا له. إذ يتكوّن من نحو  10 ملايين قطعةٍ معدنية. ويزن الهيكل الأساسي وحده حوالي 450  ألف طن.

يضمّ المفاعل مجموعة من الملفات المغناطيسية العملاقة المصنوعة من مواد فائقة التوصيل. وأكبرها «المغناطيس المركزي» بطول ستة طوابق. وهو قادر على توليد قوة مغناطيسية تكفي لرفع حاملة طائرات من الماء. وتُحيط به ستّ حلقات قطبية ضخمة و18 مغناطيساً على شكل حرف  D، تزن مجتمعةً أكثر من 11  ألف طن.

مفاعل عملاق بطول 6 طوابق، وهيكل اساسي يزن 450 ألف طن، ومغناطيسات خارقة ترفع حاملة طائرات من البحر

إنه عمل هندسي على حافة المستحيل، يجمع بين حرارةٍ تبلغ 130 مليون درجة وبرودةٍ تصل إلى ناقص232 درجة درجة.
هكذا يجمع المفاعل بين أعلى حرارةٍ وأدنى برودةٍ معروفتين في الكون، على بُعد أمتار قليلة من بعضهما.

مشروع علمي لا عسكري ولا تجاري

خلافًا للمفاعلات النووية التقليدية، فإن ITER  مشروعٌ علمي لا عسكري ولا تجاري. زتموّله عشرات الحكومات بشكلٍ مشترك، ويُدار بمبدأ «المصدر المفتوح»؛ أي أن كل دولة أو شركة ستتمكن من الوصول إلى البيانات ونتائج الأبحاث مجاناً.
يقول المهندس الكوري كي جونغ جونغ، رئيس الوحدة الكورية في المشروع: “نحن لا نبني آلة طاقة فحسب، نحن نبني رمزاً للسلام العلمي بين الأمم”.

تصميم هندسي على حافة المستحيل، يجمع بين حرارةٍ تبلغ 130 مليون درجة وبرودةٍ ناقص 232 درجة

يشارك في المشروع أكثر من 2000  خبير من 33 دولة ، بينهم فيزيائيون ومهندسون وتقنيون وعمال. إنها «أمم متحدة للطاقة»، تجتمع على هدفٍ واحد: أن تنتصر المعرفة على الانقسام، والعلم على التنافس.

يحتاج الاندماج إلى تسخين ذرات الهيدروجين حتى حرارة توفق 100 مليون درجة وذلك باستخدام مضخات تطلق حزم من الطاقة تعادل مليون فولت نحو قلب المفاعل. الأمر الذي يولد مادة تعرف بـ “البلازما”، تدور داخل المفاعل بسرعةٍ تفوق سرعة الصوت مئات المرات، حتى تبدأ النوى بالتحطم والاندماج.
حينها تُطلَق طاقة هائلة على شكل نيوترونات عالية الطاقة ترتطم بجدران المفاعل المعدنية المبطّنة بخليط من التنغستن والفولاذ والبرونز. هذه الجدران تمتصّ الطاقة الحركية للنيوترونات، وتحولها إلى حرارة يمكن لاحقاً استخدامها لتوليد الكهرباء في المفاعلات التجارية المستقبلية.

 ITER نفسه لن ينتج كهرباء.

مفاعل إيتر للطاقة الاندماجية غير مصمم لإنتاج الكهرباء، بل هو مجرد تجربة إثباتية  Proof of Concept، هدفها تأكيد أن الاندماج قابل للتحقق والاستدامة. والغاية القصوى هي تحقيق تفاعلٍ اندماجي مستمر لمدة 400 ثانية، قد يغير التاريخ.

إقرأ أيضاً: تأجيل تشغيل المفاعل الدولي للاندماج النووي «ITER»

منذ بدايته، أثار مشروع ITER نقاشاً واسعاً في الأوساط العلمية. ثلاثة من حاملي جائزة نوبل في الفيزياء وصفوه بأنه “فكرة نبيلة لكنها مستحيلة”، وأن “إنشاء شمسٍ مصغّرة على الأرض ضربٌ من العبث”.

في المقابل، رأى ستيفن هوكينغ فيه “الفكرة الوحيدة القادرة على إنقاذ البشرية من الانهيار المناخي والطاقي”. أما الباحثة الأميركية كاثرين مكارثي، مديرة مكتب المشروع الأميركي، فتقول: “هذا مشروع عالي المخاطر وعالي العوائد في الوقت نفسه. ربما يتجاوز قدراتنا الحالية، لكنه يستحق المحاولة”.

ثلاثة من الحائزين على نوبل للفيزياء يصفون الطاقة الاندماجية بأنها فكرة نبيلة ولكن مستحيلة، وأنها ضرب من العبث

المنتقدون يرون أن المفاعل مكلف وبطيء، وأن تحقيق الجدوى الاقتصادية قد يتأخر نصف قرن.
لكن المؤيدين يردّون بأن كل ثورة علمية تبدأ بالتجربة المستحيلة، وأن الاستثمار في المعرفة هو الرهان الأكثر أماناً في عالمٍ يقترب من حافة أزمة الطاقة.

من السلاح إلى الخلاص

تاريخ الاندماج النووي بدأ كحلمٍ في المختبر وانتهى أولاً كسلاحٍ في الحرب. فبعد الحرب العالمية الثانية، أدّى سباق التسلّح إلى تطوير القنبلة الهيدروجينية كأول تطبيق عملي لطاقة الاندماج.
في الأول من نوفمبر 1952 فجّرت الولايات المتحدة أول قنبلة اندماجية في جزر مارشال، بطاقة تفوق 700  ضعف قنبلة هيروشيما.
من رحم هذا الخراب وُلدت فكرة “الذرات من أجل السلام”، التي دعا إليها الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عام 1953 في الأمم المتحدة، فاتّجه العلماء نحو إعادة توجيه الطاقة النووية لأغراض سلمية.

إقرأ أيضاً: طاقة الاندماح النووي: عسكرة واستخدام مزدوج (3 من 5)

وفي خمسينيات القرن الماضي، كشف الاتحاد السوفياتي عن تصميم «التوكاماك» الذي غيّر مسار أبحاث الاندماج. ومع تطوّر التقنيات في مختبرات برينستون وأوكسفورد وناغا، اتضح أن الطريق إلى السيطرة على البلازما طويل ومعقّد، لكنه ممكن.
وبعد نصف قرن من التجارب، انطلقت فكرة إنشاء ITER  عام 2006 كتحالفٍ دولي. وقد ارتفعت تكلفته من6  مليارات دولار إلى نحو 65  ملياراً. لكن إنجازه سيُعتبر كما يصفه الفيزيائي الهولندي أكّو ماس: “كاتدرائية العلم الحديث التي شيّدها جيلنا من أجل الأجيال القادمة”.

حدود الإنسان وحدود الأمل

ما يميّز ITER ليس فقط تعقيده الهندسي، بل رمزيته الحضارية. ففي زمنٍ تتنازع فيه الأمم على الطاقة، يقدّم هذا المشروع نموذجًا للتعاون العلمي العالمي في مواجهة تحدٍ مشترك للبشرية كلها.

إنه ليس مفاعلًا بقدر ما هو اختبار لإرادة الإنسان في الفهم والسيطرة على الطبيعة دون تدميرها. ربما لن يولّد ITER طاقة كهربائية، لكنه ولّد بالفعل طاقة أعمق: الأمل في أن يُنقذ العلم ما أفسدته السياسة.

يقول العالم الإسباني ألبرتو لوراتي، مدير قسم العلوم في المشروع: “نحن نلعب بقوى الطبيعة الأم. لا نعرف تماماً ما ينتظرنا، وقد نكتشف أننا لم نفهم شيئاً بعد. لكن علينا أن نحاول.”

إنّ مشروع “آيتر” لا يَعِد فقط بطاقةٍ نظيفة، بل بعصرٍ جديد من العلم والتعاون الإنساني، حيث تتحول طاقة الاندماج النووي  من من سلاحٍ إلى خلاص.

بتصرف عن تحقيق منشور في مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، أعده مايكل فينكل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى