خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: ماذا لو تغير النظام الإيراني؟ (2 من 2)

خلص الجزء الأول من هذا المقال المستند إلى سيناريو انتهاء الحرب مع إيران، بصيغة “لا غالب ولا مغلوب”، إلى صعوبة قيام مشاريع لخطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز. وإلى أن أقصى ما يمكن تصوره هو مبادرات جزئية من قطر لتوسعة خط دولفين والتفكير ببناء محطة تسييل في سلطنة عمان. أما الكويت فقد تفكر ببناء خط لربط بعض حقولها بالخط السعودي شرق–غرب في حين تسعى الإمارات والعراق إلى توسعة الخطوط العاملة فعلاً.

في هذا الجزء سنتناول السيناريو الثاني، وهو انتهاء الحرب بحدوث تغيير في بنية النظام الإيراني أو تحول في توجهاته السياسية. ما يسمح بتوقع حدوث تغيير في توجهات ما تبقى من دول محور المقاومة، أي العراق ولبنان واليمن. كما يفتح المجال بالتالي لقيام نظام إقليمي برعاية أميركية كاملة، وذلك في ظل غياب قوى فعلية إقليمية ودولية معادية لها، وفي ظل ميل الصين إلى التنافس وليس الصراع مع أميركا.

ولما كان مثل هذا التحول بمثابة «زلزال جيوسياسي واقتصادي» يعيد رسم خارطة المصالح والنفوذ على المستويين الإقليمي والدولي، فإن سلامة ورصانة التحليل تقتضي الاكتفاء باستقراء المؤشرات وطرح التساؤلات ومنها:

أولاً: من استحالة «التسوية الرمادية»

  • هل يمكن أن تتقبل أو تتحمل الولايات المتحدة انتهاء الحرب بصيغة “لا غالب ولا مغلوب”، مع بقاء النظام الإيراني كقوة عدم استقرار في المنطقة، الأمر الذي يعني ليس الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة لأكبر حرب تخوضها منذ فيتنام فقط، بل خسارة استراتيجية تهدد موقعها ونفوذها كأول دولة عظمى في العالم؟

هل تتحمل أميركا المخاطرة بنفوذها والقبول بمعادلة «لاغالب ولا مغلوب» بعد أكبر حرب تخوضها منذ فيتنام؟

  • هل صحيح أن قبول أميركا بالمفاوضات المباشرة هو نتيجة لتوازن رعب فرضته إيران بقدرتها العسكرية المدمرة، والتي تقتصر حالياً على مخزون غير متجدد من الصواريخ، والذي يتم اعتراض الجزء الأكبر منها؟
  • هل إغلاق مضيق هرمز، وهو نقطة القوة الرئيسية لإيران، يتم بقدرتها العسكرية، أم أن هناك قطبة مخفية تتعلق بدور شركات التأمين وتسعير مخاطر الحرب، وسعي أميركا للتحكم المباشر بممرات وطرق إمداد الطاقة؟
  • هل يصح توقع وجود تسوية كبرى قيد التشكل، تقودها الولايات المتحدة مع جناح يُوصف بالمعتدل أو البراغماتي داخل الحرس الثوري، تقوم هذه التسوية على تطبيع العلاقات مع أميركا بالدرجة الأولى، وإنهاء سياسة تصدير الثورة ودعم الأذرع، إضافة إلى معالجة الملف النووي وحصره بالاستخدامات السلمية؟

المخيف هو السقوط الفوضوي للنظام

  • أليس صحيحاً أن ما يخيف أميركا ودول الخليج بعد الحرب ليس القوة العسكرية للنظام الإيراني، بل سقوطه الفوضوي، ما يهدد باشتعال الاضطرابات والمواجهات بين أجنحته، والأخطر بين النظام وبين المكونات العرقية والطائفية؟ ويفهم في هذا السياق التدخل الأميركي الحاسم لإنهاء حالات التمرد في مناطق الأطراف، وكذلك امتناع أميركا ومنعها لإسرائيل من استهداف منشآت تصدير لتجنب خنق النظام مالياً، وكذلك مصافي النفط لتجنب إثارة الاضطرابات الشعبية؟
  • هل يمكن الاستناد إلى ما سبق وغيره الكثير من المؤشرات، ليس آخرها اختيار باكستان الجارة القوية والنووية لإيران لتولي مهمة الوساطة، لترجيح فرضية السعي إلى إحداث التغيير المنشود من داخل النظام عبر تمكين الجناح الأكثر براغماتية وتعزيز موقعه، مقابل تراجع تدريجي للأجنحة الأكثر تشدداً؟

خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: إغلاق ملتبس ومشاريع غير قابلة للتنفيذ (1 من 2)

وفي محاولة لرصد إجابات أولية على هذه التساؤلات، يجدر مراقبة أي مؤشرات على دخول إيران في تفاهم عميق مع الولايات المتحدة يتجاوز الإطار السياسي ليشمل مثلاً الإعلان عن أن القوانين الإيرانية لا تمنع مشاركة الشركات الأميركية في تطوير قطاع النفط والغاز، أو الإعلان عن مفاوضات مع شركة بوينغ لتجديد الأسطول الإيراني كما حصل بعد اتفاقية 2015.

ثانياً: … إلى صعوبة «التسوية الحاسمة»

هذا التحول، إذا تحقق، لا يقتصر على إعادة تموضع إيران، بل يشكل تحولاً جذرياً يعيد رسم خارطة المصالح والنفوذ في الشرق الأوسط.

ولكن إذا كان تجاهل فرضية حدوث هذا التحول هو «خطأ تحليلي»، فإن توقع حدوثه بسرعة وسلاسة هو «خطيئة». وهناك جملة من التحديات والمتغيرات المتشابكة التي قد تؤجل بل تعطل، لعل أهمها:

  1. صعوبة التغيير في النظام الإيراني الحاكم منذ عقود والمستند إلى تركيبة من عدة طبقات ومؤسسات منفصلة ومتشابكة، يجمعها «ظل المرشد». والأهم أنه نظام يستند إلى قاعدة دينية تستخدم المظلومية المذهبية لترسيخ وجوده وتوسعه الإقليمي.
  2. حدوث أي تغيير في إيران سيؤدي طبعاً إلى إضعاف حلفائه في العراق ولبنان واليمن، ولكن ذلك لا يعني أن انكفاءهم وتراجعهم عن مواقعهم المهيمنة في بلدانهم سيتم تلقائياً وبسلاسة، وهو ما يستدعي تفاهمات وتسويات وضغوط تساهم فيها أميركا والدول الإقليمية خاصة مصر والسعودية وإيران.
  3. إعادة تشكيل النظام الإقليمي وإشراك إيران وإسرائيل فيه يستدعي إيجاد حل مقبول من الدول العربية الرئيسية للقضية الفلسطينية. فهل يتم مثلاً إزاحة اليمين الإسرائيلي المتشدد لصالح حكومة أقل عدوانية وصدامية، ما يسمح بضرب كل أشكال التطرف السني والشيعي واليهودي التي حكمت الإقليم خلال العقدين الماضيين.
  4. يفترض أن يأخذ الراعي الأميركي لهذا النظام الإقليمي الذي يضم إيران وإسرائيل بعين الاعتبار مصالح الدول الفاعلة وبخاصة السعودية وتركيا ومصر، بما يكفل مشاركتها الفاعلة في نجاح استراتيجية أميركا التي يروج لها الرئيس ترامب، أي الاستثمار بالاستقرار.

هل هناك تسوية يقودها جناح براغماتي داخل الحرس الثوري تقضي بتطبيع العلاقات مع أميركا وإنهاء سياسة تصدير الثورة؟

ثالثاً: «محور التنمية» بدل «محور المقاومة»… لكن بشروط

إذا صحّ هذا السيناريو، فإن المنطقة تكون أمام مرحلة انتقال من منطق المحاور الصراعية إلى منطق المصالح الاقتصادية. ولا يعني ذلك انتهاء التعقيدات المتراكمة، بقدر ما يعني إعادة ترتيبها وتوجيهها ضمن مسار اقتصادي. وعليه فإن مشاريع خطوط الأنابيب العابرة للدول والتي تضم إيران أو إسرائيل، يستبعد أن توضع على بساط البحث الجدي بسرعة، فذلك يتطلب مرور وقت كاف لاختبار صدقية التسويات، وبناء حد أدنى من الثقة بين الدول المعنية. فالمشاريع الكبرى لا تُبنى على تفاهمات سياسية أولية، بل على استقرار متراكم وقابل للقياس.

وسواء طالت فترة الاختبار أو قصرت، فإن مشاريع خطوط الأنابيب والطاقة عموماً ستكون محكومة بمحددات مستجدة من أهمها:

  1. الجدوى الاقتصادية: التي تبقى الفيصل النهائي، في ظل كلفة المشاريع الضخمة وفترة الاسترداد الطويلة التي تقدرها شركة ماكينزي وشركاه بين 10 و 20 سنة. ففي ظل الاستقرار المتوقع، قد تتراجع أهمية العامل الأمني وتنخفض بالتالي الحاجة لخطوط أنابيب كبدائل لمضيق هرمز، وخصوصاً مع وجود خطوط أنابيب لدى السعودية والإمارات والعراق تقدر طاقتها بحوالي 10 ملايين برميل يومياً.

2. التمييز بين مشاريع أنابيب النفط والغاز: لأن محددات كل منهما تختلف جذرياً. فالنفط يمكن نقله عبر الأنابيب إلى دول أخرى لإعادة شحنه بحالته الخام أو تكريره، ما يوفر مرونة كبيرة في اختيار المسارات. أما خطوط الغاز فيفترض أن تكون موجهة إلى أسواق الاستهلاك مباشرة، ولا جدوى من نقله عبر خطوط طويلة عابرة للدول إلى موانئ وسيطة لتسييله وإعادة شحنه، إذ إن الخيار الأكثر كفاءة يبقى تسييله في دول الإنتاج.

خطوط الأنابيب كقيمة مضافة 

3. الأسواق المستهدفة: تشكل عاملاً حاسماً في تقييم أي مشروع. فمع بقاء آسيا، وتحديداً الصين والهند، السوق الرئيسية للنفط الخليجي، فإن التوسع في خطوط تتجه نحو البحر المتوسط يفقد الكثير من جدواه إذا اقتصر على إعادة تصدير الخام، وذلك في ظل محدودية اعتماد أوروبا على نفط وغاز الخليج.

إذا كان تجاهل فرضية حدوث تغيير داخلي في إيران هو «خطأ تحليلي»، فإن توقع حدوثه بسرعة وسلاسة هو «خطيئة»

ويمكن لهذه المشاريع أن تصبح مجدية إذا تمكنت دول المصب، سواء كانت مصر أو إسرائيل أو لبنان وسوريا، من توفير بيئة سياسية وتنظيمية وتمويلية مستقرة، وذلك بهدف جذب الاستثمارات لتطوير بنية تحتية قادرة على خلق قيمة مضافة من خلال التكرير أو التسييل أو التخزين والتسويق، بحيث تصبح خطوط الأنابيب جزءاً من سلاسل قيمة متكاملة تحددها اعتبارات السوق بقدر ما تحددها الجغرافيا.

4. الاستراتيجية الأميركية ودور الشركات النفطية: يتوقع أن تلعب الشركات النفطية الأميركية دوراً كبيراً في توجيه مسارات خطوط الأنابيب بما يخدم مصالحها التجارية أولاً، وبما ينسجم مع الاستراتيجية الأميركية للتحكم بموارد الطاقة وطرق إمدادها ثانياً. ودخول هذه الشركات ميدان تطوير قطاع النفط والغاز الإيراني سيحول إيران من “عقبة” أمام مسارات الطاقة إلى “شريك استراتيجي”، وذلك ما عبر عنه صراحة  الرئيس ترامب بقوله “بقليل من الوقت سنفتح مضيق هرمز ونضع يدنا على النفط ونحقق ثروة طائلة”.

5. التنافس الصيني الأميركي: هذا التحول سيجعل من مشاريع الطاقة ساحة للتنافس على “الكفاءة” و”السرعة” بين أميركا والصين، وسيلعب هذا التنافس دوراً رئيسياً في تحديد مسارات الأنابيب ومصادر تمويلها، خاصة وأن الصين هي المستورد الرئيسي للنفط والغاز الخليجي.

خطوط الأنابيب ستكون محكومة بمحددات مستجدة أهمها الجدوى الاقتصادية والتنافس الأميركي الصيني

الخلاصة: منظومة طاقة لا خطوط أنابيب كبدائل لمضيق هرمز

يبقى هذا السيناريو، رغم تماسك عناصره، في إطار الاحتمالات التي لم تتبلور بعد، إذ يرتبط تحققه بتحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي والدولي يصعب الجزم بتوقيتها أو مسارها.

لكن ما يمكن استخلاصه بوضوح هو أن مستقبل خطوط الأنابيب في الشرق الأوسط لا يتحدد بعوامل سياسية وجغرافية أو احتياجات لوجستية فحسب، بل بمدى نضج البيئة السياسية التي يفترض أن تعمل ضمنها.

وفي حال تحقق هذا التحول، فإن المنطقة قد تنتقل تدريجياً من مرحلة التفكير في “تفادي المخاطر” إلى مرحلة بناء “منظومات طاقة متكاملة”، حيث تصبح خطوط الأنابيب جزءاً من شبكة أوسع، لا مجرد بديل لمضيق هرمز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى