نفط البصرة لا كركوك… إلى بانياس وطرابلس، وتسوية «إرضائية» لتركيا
طرابلس قد تحسم الجدوى التجارية التي ترسم «مسار» الخط و «مصير» النفط
- العراق يوقع مذكرة تفاهم مع سوريا لتصدير النفط عبر خط البصرة-حديثة ثم بانياس… خبر مهم. ولكن الأهم أن التوقيع تم في واشنطن بدعم الرئيس دونالد ترامب.
- رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي يتوجه إلى أنقرة بعد زيارة أميركا، لامتصاص الغضب التركي. وأيضاً للسعي إلى تمديد العمل باتفاقية خط أنابيب كركوك-جيهان قبل نفاذ قرار الوقف في 27 يوليو الجاري.
ملفان يبدوان للوهلة الأولى منفصلين، لكنهما ضلعان لمثلث إخراج نفط العراق من الارتهان لمضيق هرمز جنوباً ولتركيا شمالاً. أما الضلع الثالث فهو إقامة مركز إقليمي للتكرير والتخزين وتجارة المشتقات في طرابلس بلبنان. ورغم أنه الأقل تداولاً في الإعلام، فقد يكون الأكثر أهمية لارتباطه بتحقيق الجدوى الاقتصادية لمشروع خط الأنابيب الموضوع على نار حامية، وهو البصرة-حديثة-بانياس وطرابلس، وليس خط كركوك-جيهان كما يقال.
اتفاقية كركوك-جيهان: بانتظار التسوية والترضية
ملف اتفاقية خط كركوك-جيهان مرشح للتسويات السريعة في ظل الموقف الأميركي. وقد تقضي التسوية بقبول تركيا تمديد العمل بالاتفاقية لمدة عام واحد، والتراجع عن ربط التجديد بموافقة العراق على زيادة ضخ النفط عبر الخط من 200 ألف برميل يومياً إلى 1.5 مليون برميل، ما يعني ضمناً ربطه بحقول الجنوب والوسط، وهو ما يرفضه العراق تاريخياً. وفي المقابل يلتزم العراق باستئناف عمليات الاستكشاف والتنقيب في حقول الشمال المتوقفة منذ عدة عقود، مع «وعد بدراسة» إنشاء وصلة «صغيرة» تربط خط البصرة-حديثة بخط كركوك-جيهان.
«إحياء خط كركوك-بانياس»: التباس إعلامي
يجدر بداية توضيح هذا الالتباس، لوضع أي تحليل في سياقه الصحيح. فالمشروع المطروح للتنفيذ هو خط البصرة-حديثة على الحدود العراقية، على أن يتفرع تبعاً للتطورات إما إلى سوريا أو الأردن أو تركيا. أما الخط التاريخي كركوك-بانياس فقد انتهى عملياً، للأسباب التالية:
- إنتاج النفط يتركز في حقول الجنوب والوسط، وهي تشكل نحو 97 في المئة من صادرات النفط العراقية حالياً.
- تراجع إنتاج حقول كركوك والشمال إلى نحو 300 ألف برميل يومياً فقط، في وقت يبلغ فيه إجمالي إنتاج العراق نحو 4.1 مليون برميل يومياً.
- يمتلك العراق خطين لتصدير نفط الشمال إلى ميناء جيهان التركي، بطاقة تصميمية تفوق 2.5 مليون برميل يومياً، وطاقة تشغيلية تبلغ حالياً حوالي 350 ألف برميل. فأي معنى لإحياء خط ثالث ليحمل نفطاً بالكاد يكفي للاستهلاك في محافظات الشمال؟
خط كركوك-بانياس انتهت وظيفته، والمشروع الحقيقي هو خط جديد ينقل نفط الجنوب والوسط إلى المتوسط
ربما يتم استخدام الوصلة السورية من الخط القديم، لأنها الأقصر بين الحدود العراقية وبانياس. ولكن ذلك ليس قراراً سياسياً، بل هندسياً ومالياً، ويرتبط بتكلفة إعادة التأهيل، إذ تبين من دراسات سابقة أنها أعلى أو مساوية لإنشاء خط جديد. واليوم، يتكرر السؤال نفسه: هل يُرمَّم الخط القديم، أم يُستبدل، أم يُعتمد حل هجين يجمع بينهما؟ وهو ما ذكره صراحة نائب وزير الطاقة السوري بالقول إن الجمع بين ترميم الخط القديم وبناء أجزاء جديدة يحسن الجدوى الاقتصادية للمشروع.
خط البصرة-حديثة: المشروع الحقيقي سياسياً واقتصادياً
وعليه، فإن الخط المطروح للتنفيذ هو خط البصرة-حديثة، ويلاحظ أن الجهة العراقية الموقّعة على مذكرة التفاهم في أميركا هي شركة نفط البصرة، وليس أي كيان يمثل حقول الشمال. وتتمثل أهمية المذكرة الموقعة بأنها تغلب خيار بانياس وربما طرابلس لاحقاً، على خياري جيهان والعقبة. وذلك ما يفسر الغضب أو على الأقل عدم الرضى التركي.
وعند هذا الحد قد يُطوى مؤقتاً أو مرحلياً ملف الجانب السياسي في تقرير مسار الخط، ليُفتح ملف الجدوى التجارية، وهو عامل رئيسي في تقرير «مسار» الخط و«مصير» النفط المنقول عبره. خاصة وأن المرجح، كما تظهر المؤشرات الأولية، أن لا تتولى الحكومة العراقية تمويل إنشاء الخط، كما كان مطروحاً بالنسبة لتفريعة العقبة، وأن يتم التنفيذ عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص وبمشاركة أساسية من شركات النفط الأجنبية. وذلك ما يعزز تأثير عامل الجدوى التجارية.
لأن الأسواق الآسيوية هي الوجهة الرئيسية، فتصدير النفط الخام عبر المتوسط خيارً محدود الجدوى، ما لم يقترن بالتكرير والتخزين
ولتوضيح أبعاد الجانب التجاري، نشير إلى أن الأسواق الرئيسية للنفط العراقي هي الصين والهند والدول الآسيوية الأخرى. أما حصة الدول الأوروبية الضئيلة أصلاً فتميل إلى التراجع بسبب التحول المنهجي نحو الغاز والطاقة المتجددة، وبسبب النمو المتسارع لإنتاج الدول الأفريقية. ولذلك لا يستقيم من الناحية التجارية دفع تكاليف نقل النفط العراقي بالأنابيب إلى المتوسط ومن ثم تكاليف إعادة نقله بحراً إلى آسيا. كما لا يستقيم ذلك حتى من الناحية الأمنية والسياسية، لأنه يعني التخلص من مخاطر مضيق هرمز للوقوع بمخاطر مضيق باب المندب وقناة السويس أيضاً.
منشآت النفط في طرابلس: عامل حاسم لتحقيق الجدوى
وهنا تظهر أهمية لبنان ومنشآت النفط في طرابلس تحديداً، لإقامة مركز إقليمي للتكرير والتخزين وتجارة النفط الخام والمشتقات، لأن ذلك هو السبيل المؤكد والجاهز لتحقيق الجدوى التجارية. ويمتلك لبنان مزايا عديدة، أهمها:
- وجود منشآت النفط في طرابلس التي أنشأتها أصلاً شركة نفط العراق قبل نحو تسعة عقود. وهذه المنشآت تعتبر أكبر مساحة مجهزة على الساحل الشرقي للمتوسط (نحو 3 ملايين متر مربع)، وتضم مرافق للتخزين وأرصفة للتحميل قابلة للتوسعة والتطوير. إضافة إلى وجود خط أنابيب حمص-طرابلس الذي قد يكون صالحاً للتأهيل أو الترميم.
- تمتع لبنان باقتصاد حر ومناخ استثماري ملائم للاستثمارات الخاصة ومريح للشركات الأجنبية لإقامة مصفاة حديثة للنفط.
- نظام سياسي يمتاز – رغم كل علاته – بأنه قائم على الحياد النسبي في الصراعات الإقليمية والدولية.
- وجود طلب كبير ومتصاعد على المشتقات النفطية ذات الجودة العالية والمتوافقة مع المعايير الأوروبية، وغالبية المصافي في حوض المتوسط قديمة وبطاقات تكرير لا تكفي الطلب.
العراق يدعم خيار طرابلس
هذا الطرح، رغم محدودية تداوله، هو موضع دراسة من قبل العراق والشركات النفطية، ولم يعد حكراً على التحليل النظري. فقد صرّح نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الطاقة، وزير النفط العراقي السابق حيان عبد الغني (أغسطس 2025)، بأن بغداد تدرس تصدير نفط الجنوب والوسط «عبر خط بانياس السوري، وخط طرابلس اللبناني»، ذاكراً الوجهة اللبنانية بالاسم إلى جانب السورية. وفي بيروت، وصف رئيس الحكومة نواف سلام ملف أنبوب النفط ومصفاة طرابلس بأنه «أولوية للحكومة اللبنانية»، خلال لقائه موفد رئيس الوزراء العراقي.
العراق يدعم خيار طرابلس، ولبنان لا فعل ولا ردة فعل… وهل أعدّ «جيش المستشارين» ملفاً متكاملاً لهذا المشروع الاستراتيجي؟
بل تجاوز الأمر التصريحات إلى معطى أكثر تحديداً. إذ كشف النائب في البرلمان العراقي مصطفى جبار سند عن وثيقة موجهة من دائرة الدراسات والتخطيط والمتابعة في وزارة النفط إلى وزير النفط، تتعلق بالرد على طلب مكتب رئيس الوزراء تقييم عرض إحدى الشركات العراقية المعروفة لإنشاء مصفاة في طرابلس بطاقة 70 ألف برميل يومياً، مرتبطة بالخط القادم من البصرة-حديثة. وبينت الدائرة أن المشروع يحتاج إلى مزيد من الدراسة ربطاً بالمشروع الأم، وهو خط البصرة-حديثة-بانياس، واعترضت على الحجم الضئيل لطاقة التكرير المقترحة.
… ولبنان لا فعل ولا ردة فعل
الملفت والمستغرب هو غياب لبنان عن هذه التطورات المتسارعة، ليس لجهة الفعل ورد الفعل فقط، بل عن المتابعة والاطلاع، ونكاد نجزم أن عدداً كبيراً من المسؤولين والوزراء والنواب تقتصر متابعتهم على «قراءة عناوين» بعض المقالات والأخبار.
إقرأ أيضا: خط الأنابيب العراقي: هل يرسم دور لبنان الجديد كمركز إقليمي للطاقة؟
وذلك يقود إلى المطالبة بتحرك عاجل وجدي على كافة المستويات، يستلهم جدية المقاربة العراقية والسورية لترسيخ أهلية لبنان لاستضافة المشروع، على أن يتم وفق مسارين متلازمين: حشد الدعم السياسي وإثبات الجدوى التجارية.
المسار الدبلوماسي:
يستهدف حشد التأييد السياسي من الدول الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ومن ثم سوريا لترسيخ حقيقة التكامل بين بانياس وطرابلس وليس المفاضلة والتنافس. وصولاً إلى العراق لتأكيد حرص لبنان على استضافة مشروع التكرير والتخزين واستعداده لتقديم التسهيلات اللازمة. وهناك من يرى ضرورة إدراج المشروع صراحةً على جدول أعمال المفاوضات اللبنانية-الأميركية. ويُسجل في هذا السياق لوزير المال ياسين جابر مبادرته لطرح إمكان إعادة تشغيل مصفاة طرابلس لاستجرار النفط العراقي وتكريره وتصديره، مع نائبة المبعوث الأميركي مورغان أورتاغوس.
المسار الاقتصادي:
هو إثبات الجدوى التجارية، خاصةً أن المرجّح أن تتولى شركات نفطية واستثمارية تنفيذ المشروع، وهو ما يستلزم تهيئة شروط تمكينية عدة، تتصدرها ثلاثة أسئلة معلّقة:
- كيف يشارك لبنان في المشروع؟ هل تُباع منشآت طرابلس للشركات المنفّذة، أم تؤجَّر، أم تُقيَّم وتُعتبر حصة لبنان في المشروع؟
- ما الإطار القانوني الأنسب؟ هل تُعلَن منطقة المنشآت «منطقة اقتصادية خاصة»، لإخراجها من الزواريب القانونية والإدارية اللبنانية المعقّدة؟
- متى يُنظَّف السجل القانوني للمنشآت من التعاقدات القائمة. وأبرزها العقد الموقّع مع شركة «روسنفت» الروسية الذي سقط قانوناً بسبب إخلالها بالتنفيذ. لكن الشركة تحوّطت لذلك بإعلان القوة القاهرة الناجمة عن العقوبات عليها؟
الخلاصة: نافذة تضيق
يمتلك لبنان، نظرياً، موقعاً متقدماً لاستضافة هذا المشروع الاستراتيجي، خاصة إذا ترافق ذلك مع تحريك ملف استكشاف النفط والغاز في البر والبحر. أما عملياً فقد يفقد فرصته إذا لم يبادر إلى مواكبة سرعة التطورات وشمولية التسويات. والمأمول أن يتحمل المعنيون في مؤسسات الدولة وبخاصة «جيش المستشارين» مسؤولياتهم بإعداد ملفات متكاملة لهذا المشروع الاستراتيجي، الذي يسهم في بلورة دور جديد للبنان كمركز إقليمي للطاقة.
النافذة الزمنية، على قابليتها للاتساع نظرياً، تضيق عملياً مع كل أسبوع تمر فيه القرارات الكبرى بعيداً عن بيروت.



