ترامب والنفط الفنزويلي: الرئيس لا يكذب لكنه لا يقول الحقيقة
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يكذب عندما يتحدث عن « صفقة النفط الفنزويلي. فمعظم الأرقام التي يستخدمها تستند إلى معطيات موجودة في الاتفاق. ولكن التدقيق بالأرقام والمعطيات يظهر سريعاً أن الرئيس لا يقول الحقيقة كاملة في كل جملة ورقم. بدءاً من «سيطرة أميركا على 65 مليار برميل لمدة 100 عام». مررواً برقم «ضخ استثمارات بنحو 100 مليار دولار». وصولاً إلى الالتباس الكبير المتعلق بعدم توقيع الاتفاق مع شركة النفط الوطنية، بل مع شركة فنزويلية خاصة NABEP، واجه رئيسها تحقيقات جنائية في أميركا وعدة دول أوروبية بتهم الاختلاس وغسل الأموال، وهو مطلوب حالياً بمذكرة توقيف دولية من السلطات السويسرية.
بين الحقائق الغامضة والمراوغة الواضحة
اتهام رئيس الولايات المتحدة بأنه لا يقول الحقيقة كاملة لا يحتمل العموميات، ويستدعي الانتقال فوراً إلى وضع أقواله على محك الوقائع والحقائق، بأكبر قدر من الصراحة والدقة. وذلك ما بدأته فعلاً بعض الصحف الأميركية وأن ببعض التحفظ حتى الآن.
إقرأ أيضاً: «غزوة» فنزويلا: اختزال الأسباب بالنفط يطمس جوهر صراع النفوذ
وقبل استعراض هذه الحقائق، ولتسهيل توضيح الملابسات التي سنتحدث عنها، تجدر الإشارة إلى الإطار العام للاتفاق، الذي يصح وصفه بأنه «ترتيب» سياسي تعاقدي من ثلاث طبقات منفصلة هي:
- اتفاق سياسي عام بين الحكومة الأميركية والسلطة المؤقتة في فنزويلا لتطوير واستغلال الموارد النفطية.
- عقود قديمة وبعضها مستجد خلال العام الحالي، للتطوير والإنتاج في 17 حقلاً، بين شركة النفط الوطنية الفنزويلية وشركة «نورث أميركان بلو إنيرجي بارتنرز» NABEP.
- العقد الذي أعلنه ترامب والقاضي بحصول الحكومة الأميركية على حصة 35% في الشركة الأم لـNABEP ، عبر حقوق شراء أسهم بسعر رمزي penny warrants. إضافة إلى حق شراء 20% من الإنتاج بسعر التكلفة، والأولوية في شراء الـ 80% المتبقية.
ونشرح باختصار تفاصيل ملابسات الاتفاق بين أقوال الرئيس والحقيقة:
أولاً: هل سيطرت أميركا فعلاً على 65 مليار برميل؟
كلام الرئيس: الصفقة منحت الولايات المتحدة «السيطرة» على نحو 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المثبتة في فنزويلا لمدة 100 عام. تضاف إلى حوالي 46 مليار برميل من الاحتياطيات المثبتة داخل الأراضي الأميركية.
الحقيقة: القانون الفنزويلي يحظر تملك الموارد الطبيعية وخاصة النفط والغاز من قبل شركات أجنبية. وهو يسمح بنموذجين: شركات مشتركة تستطيع حجز الاحتياطيات لمدة 25 عاماً. أو عقود تقاسم إنتاج لمدة غير محددة من دون حقوق ملكية، أسوة بما هو معتمد في غالبية الدول النفطية في العالم. وذلك ما أكدته الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز بقولها: “الاتفاق الأميركي-الفنزويلي مدته 25 عاماً ويحفظ سيادة فنزويلا على مواردها“.
وأعلن بعض خبراء القانون مثل عميد كلية الحقوق في الجامعة المركزية في فنزويلا أن الاتفاق سيكون موضع طعن دستوري وقانوني، خاصة في الجوانب المتعلقة بغياب المزايدة التنافسية، وعدم نشر العقود، وعدم وضوح الموافقات المؤسسية. إضافة إلى انخفاض الإيرادات الضريبية والإتاوات عما يفرضه القانون.
كلام الرئيس يجافي الحقيقة بأن الاتفاق يضيف 65 مليار برميل إلى الاحتياطي الأميركي
ثانياًً: من هو شريك أميركا في الصفقة:
كلام الرئيس: توقيع «أكبر صفقة نفط في التاريخ» مع الحكومة الفنزويلية، وتولى وزيرا الخارجية والدفاع إنجاز الاتفاق بالتعاون الوثيق مع ديلسي رودريغيز.
الحقيقة: أضطر البيت الأبيض إلى إصدار بيان يعلن فيه أن العقد ليس مع الحكومة الفنزويلية، بل مع شركة خاصة.
الحقيقة الأكثر غرابة أن الجانب الأميركي في العقد هو مكتب رأس المال الاستراتيجي في البنتاغون، أما الجانب الفنزويلي فليس شركة النفط الفنزويلية حتى، بل شركة «نورث أميركان بلو إنيرجي بارتنرز» NABEP. ولتظهر الحقيقة الصادمة ان رئيس هذه الشركة هو الملياردير الفنزويلي أليخاندرو بيتانكور، الذي خضع لتحقيقات جنائية في قضايا اختلاس وغسل أموال في الولايات المتحدة وإسبانيا وسويسرا. ومع أن السلطات السويسرية طلبت من وزارة العدل الأميركية اعتقاله تنفيذا لمذكرة توقيف دولية، لكن السلطات الأميركية منحته تأشيرة دخول متعددة الزيارات للاجتماع بكبار المسؤولين وتوقيع الاتفاقية.
وكانت وكالة رويترز قد كشفت أن بيتانكور قدم معلومات للسلطات الأميركية ساعدت في إحكام الحصار على الصادرات النفطية وفي الإطاحة لاحقاً بحكم نيكولاس مادورو.
الرئيس يخفي حقيقة شركاء الصفقة وعدم الاتفاق مع شركة النفط الوطنية
ثالثاً: استثمار 100 مليار دولار… «من أين لك هذا»؟
كلام الرئيس: يتحدث ترامب عن خطة لاستثمار 100 مليار دولار في تطوير الحقول والبنية التحتية وزيادة الإنتاج.
الحقيقة: الإبهار المقصود بضخامة الرقم، يتضاءل عند التدقيق به:
- العبارة الصحيحة في الاتفاق هي “ما يصل إلى 100 مليار دولار”، ما يعني أنه قد يكون أقل من ذلك بكثير.
- خطة الاستثمار موزعة على 10 سنوات، ما يعني حوالي 10 مليارات دولار سنوياً وهو رقم عادي في الصناعة النفطية العالمية، وتحديداً في دولة مثل فنزويلا.
- الأهم من ذلك كله يوضح التدقيق ان الحكومة الأميركية ستحصل على حصة 35% من خلال ما يعرف بـ penny warrants. وهو يعني «بالعربي المشبرح» التملك دون ضخ رأسمال يتناسب مع حجم الحصة.
- يوضح بيان البيت الأبيض أن شركة NABEP ستجمع رأس المال المطلوب من مستثمرين أميركيين. وعلينا ان نتساءل من هو المستثمر المقامر او “فاعل الخير”، الذي يستثمر أمواله في دولة عالية المخاطر السياسية، وفي مشروع نفطي بعوائد طويلة الأجل، وفي شركة رئيسها ملاحق بتهم فساد. والأهم بموجب عقد ينص على بيع الانتاج بسعر التكلفة.
استثمار 100 مليار دولار، أشبه «بإعلان نوايا طيبة» وليس خطة استثمار قابلة للتنفيذ
رابعاً: أين شركات النفط الأميركية؟
كلام الرئيس: إكسون موبيل وشيفرون وشركات النفط الكبرى الأميركية تتجه إلى الاستثمار في فنزويلا. اما بيان البيت الأبيض فقد “فسر الماء بعد الجهد بالماء”، إذ ذكر في معرض شرحه للاتفاق، بأنه يشبه نموذج الأعمال الذي تعتمده شركة شيفرون في فنزويلا.
الحقيقة: إذا كان الرئيس يصف الصفقة بأنها “الأكبر في تاريخ صناعة النفط” ، فلماذا لا تشارك فيها أكبر شركات النفط الأميركية التي يقول إنها تتجه إلى الاستثمار في فنزويلا؟
إقرأ أيضا: من فنزويلا إلى إيران وروسيا: عودة النفط إلى صلب الاستراتيجية الأميركية
هذه نقطة يصعب الالتفاف عليها، رغم محاولة الرئيس افتعال الجمع في روايته السياسية بين صفقة NABEP والشركات النفطية الأميركية. فهذه الشركات لديها مسار منفصل تماماً عن الصفقة، فشركة شيفرون التي كانت الوحيدة التي لم تغادر فنزويلا، لديها خططها الخاصة لاستثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال خمس سنوات. في حين أعلنت إكسون موبيل إرسال وفد إلى فنزويلا لدراسة إمكانيات الاستثمار، بعد ان رفضت سابقاً العودة إلى فنزويلا رغم إلحاح الرئيس ترامب آنذاك.
شركات النفط الأميركية غير مهتمة بالاتفاق، فلديها خططها الخاصة للنفط الفنزويلي

خامساً: وهم “هدية فنزويلا” لبناء الاحتياطي الاستراتيجي؟
كلام الرئيس: سيتم استخدام النفط الفنزويلي وهو “هدية فنزويلا إلى الشعب الأميركي” لإعادة بناء الاحتياطي الاستراتيجي، الذي هبط إلى أدنى مستوياته منذ عقود.
الحقيقة: الحقول الـ 17 موضع الاتفاق، والموجودة في غرب فنزويلا، تنتج النفط الثقيل جداً، فيما أقر وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بأن الخام الفنزويلي الثقيل لا يلائم مواصفات الاحتياطي الاستراتيجي، وطرح بيعه لشراء خام متوسط أو خفيف لاستخدامه في المخزون.
وفي حال بدأت عمليات تطوير الحقول الفنزويلية اليوم، فإن تحقيق زيادة فعلية في الانتاج تحتاج إلى عدة سنوات، وبالتالي فإن الحديث عن بيع النفط الفنزويلي الثقيل و”المجاني” لشراء نفط متوسط لبناء المخزون الاستراتيجي يصبح نوعاً من «العبث الاستراتيجي».
استخدام النفط الفنزويلي لبناء المخزون الاستراتيجي يجافي الحقيقة أصلاً وفرعاً
سادسا: لغز شراء النفط «بسعر التكلفة»
كلام الرئيس: يحصل الجانب الأميركي على حق شراء 20% من إنتاج NABEP الحالي والمستقبلي «بسعر تكلفة الإنتاج»، إضافة إلى الأولوية في شراء الباقي.
الحقيقة: تبدو الصفقة مغرية جداً، خاصة من الناحية السياسية قبيل الانتخابات النصفية. ولكن السؤال البسيط: ما هي التكلفة وكيف سيتم احتسابها؟
معروف أصلاً ان النفط الفنزويلي يصنف بين أعلى النفوط تكلفة في الانتاج عالمياً. وخصوصاً خامات حزام أورينوكو الثقيلة التي تحتاج إلى التخفيف والمعالجة، فضلاً عن الحاجة لاستثمارات بعشرات مليارات الدولارات لتطوير الحقول والبنية التحتية المتهالكة بعد سنوات من تراجع الاستثمار والصيانة. فهل تشمل «التكلفة» نفقات التشغيل فقط، أم يضاف إليها الإنفاق على إعادة تأهيل الحقول واسترداد الاستثمارات والإهلاك والضرائب والإتاوات؟
والمسألة ليست تفصيلاً محاسبياً. فطريقة احتساب التكلفة تحدد السعر الحقيقي الذي ستدفعه الولايات المتحدة للبرميل، كما تحدد أين تظهر الأرباح وكيف تتوزع بين المنتج والدولة والمستثمرين.
الرئيس لا يكذب بالحديث عن «سعر التكلفة»، لكنه لا يقول الحقيقة كيف ستُحتسب
الخلاصة
صفقة النفط الفنزويلية حقيقية وضخمة، وكذلك معظم الأرقام التي يستخدمها الرئيس ترامب. لكنه يطوع الأرقام لتقديم صفقة تؤكد نجاحه كرجل أعمال، ثم يعيد تطويع الأرقام مرة ثانية لصياغة رواية سياسية تؤكد نجاحه كسياسي.
الرئيس لا يكذب، ويكفيه أن يأخذ جزءاً يسيراً من الحقيقة، ويتجاهل الأجزاء التي تكشف الحقيقة كاملة.
وهذا هو الفارق بين الكذب وعدم قول الحقيقة.



