27 يوليو: انفجار أزمة خط أنابيب كركوك-جيهان أم بداية توافق عراقي-تركي؟
هل ينجح الاجتماع المرتقب في نهاية شهر يوليو، بين الرئيس التركي ورئيس الحكومة العراقية في وضع الملفات الخلافية على سكة الحل، وفي مقدمتها مصير اتفاقية خط أنابيب كركوك-جيهان، ومشروع طريق التنمية؟ وهو ما يسمح بتوقع فتح صفحة جديدة في العلاقات السياسية ربطاً بالتطورات المتعلقة بالعلاقة مع إيران، وبالمحور الإقليمي الناشئ (تركيا-مصر-السعودية-باكستان). مع التنويه بأن الربط بين المشروعين والتطورات السياسية ليس مفتعلاً، فهما في صلب هذه التطورات.
كيف تفجرت أزمة خط أنابيب كركوك-جيهان؟
تفجرت أزمة اتفاقية خط أنابيب كركوك-فيشخابور-جيهان الموقعة عام 1973، في 21 يوليو من العام الماضي. حين وقع الرئيس رجب طيب أردوغان قراراً بوقف العمل بالاتفاقية، على أن يسري الوقف في 27 يوليو 2026. ما يعني أن الاجتماع المرتقب بين الزيدي وأردوغان، إن انعقد قبل هذا الموعد، سيكون أشبه بمفاوضة تحت ضغط الساعة الأخيرة.
إقرأ أيضا: خط الأنابيب العراقي: هل يرسم دور لبنان الجديد كمركز إقليمي للطاقة؟
وكانت الحكومة التركية قد أرسلت مسودة اتفاقية جديدة إلى العراق تتضمن تعديلين أساسيين: الأول والأهم، يقضي بزيادة الصادرات عبر الخط من 200 -300 ألف برميل يومياً إلى 1.5 مليون برميل يومياً. ما يعني ربط حقول الجنوب والوسط بالخط التركي، وهو الأمر الذي يرفضه العراق تاريخياً. والثاني، زيادة رسوم العبور من 1.5 إلى 3 دولارات للبرميل.
وقد تماهلت الحكومة العراقية في الرد، وطالبت بتمديد العمل بالاتفاقية لمدة عام واحد، لإفساح المجال أمام حل المشاكل العالقة. علماً أن الاتفاقية تم تجديد العمل بها في العام 2010.
جذور وأبعاد الأزمة
أسباب الأزمة عديدة ومتشابكة بين السياسة والنفط والعلاقة الملتبسة بين العراق من جهة وإقليم كردستان وتركيا من جهة، خاصة في مجال إدارة إنتاج وتصدير نفط الشمال. ولكن يمكن إيجاز الأسباب والأبعاد في ما يلي:
- حرص العراق على إخراج نفطه من الفخ المزدوج الذي صنعته الجغرافية والسياسة. والمتمثل بأن إنتاج حقول الجنوب والوسط هو رهينة دائمة لمخاطر مضيق هرمز. أما إنتاج حقول الشمال فهو رهينة «موسمية» للعلاقة المتقلبة مع إقليم كردستان وتركيا. ولذلك رفض العراق، طوال العقود الماضية المطالب التركية بإضافة وصلة لخط الأنابيب الاتحادي إلى حقول الجنوب والوسط.
- التراجع الكبير في إنتاج حقل كركوك وحقول الشمال عموماً، ليصل إلى حوالي 300 ألف برميل يومياً في حين بلغ إنتاج النفط العراقي حوالي 4.1 مليون برميل يومياً. وانخفضت تبعاً لذلك حصة حقول الشمال من الصادرات العراقية إلى أقل من 3 في المئة، تبعاً لبيانات شركة “سومو”. فقد بلغ إجمالي الصادرات في الأشهر العشرة الأولى من العام 2025، حوالي 1.03 مليار برميل، كانت حصة حقول الشمال منها أقل من 25 مليون برميل.
- الخلافات المستعصية مع إقليم كردستان وتركيا، بشأن تصدير إنتاج الحقول الموجودة في الإقليم والذي يفترض أن تتولاه حصراً الحكومة الاتحادية عبر شركة “سومو“. وتفاقم الخلاف حين وافقت أنقرة على ربط خط الأنابيب الاتحادي عند نقطة فيشخابور بخط جديد تم استحداثه داخل إقليم كردستان من قبل شركات النفط الأجنبية العاملة في الإقليم، من دون موافقة الحكومة العراقية. وجاء ذلك بعد التخريب المتعمد للخط الاتحادي داخل الأراضي العراقية.
وتمكنت الحكومة العراقية في شهر مارس 2023 من وقف العمل بالخط المستحدث، بموجب دعوى تحكيم أمام غرفة التجارة الدولية في باريس. وقضى الحكم بتغريم تركيا مبلغ 1.5 مليار دولار لـ «مخالفتها» أحكام اتفاقية خط أنابيب كركوك-جيهان.
إقرأ: العراق: هل يمهّد إلغاء عقد السكك الحديدية لإعادة إطلاق «طريق التنمية»؟
تجميع أوراق التفاوض
يبدو واضحاً أن البلدين يعملان على تجميع أوراق القوة لوضعها على طاولة التفاوض التي لا بديل عنها في نهاية المطاف. كما ينشطان في تبادل رسائل التهدئة والتصعيد، من خلال مواقف وتصريحات لكبار المسؤولين حيناً، وإطلاق مشاريع جديدة أو وقف مشاريع قائمة حيناً آخر. ونكتفي بالإشارة إلى أهمها:
العراق: إجراءات مؤلمة غير مباشرة
اعتمد العراق سياسة المواجهة غير المباشرة ولكن بإجراءات مؤلمة أبرزها:
- مبادرة حكومة الزيدي إلى إلغاء العقد المتعلق بالسكة الحديد في إطار مشروع «طريق التنمية». الذي يربط ميناء الفاو بالأراضي التركية. وهو مشروع استراتيجي وحيوي بالنسبة لتركيا لأنه يشكل الحلقة الجنوبية من الممر التركي الذي أعيد إحياؤه بعد تشغيل الحلقة الشمالية كنتيجة لمعركة ناغورنو كارابخ وفتح ممر زنغزور. وقد وصف الرئيس أردوغان الممر بأنه «طريق الحرير التركي». ورغم حرص الحكومة العراقية على الإعلان بأن سبب وقف المشروع مع مشاريع أخرى، هو وجود “شبهة فساد”. إلا ان الرسالة كانت واضحة، وقد وصلت إلى العنوان في أنقرة.
- إعلان الحكومة العراقية عن استدراج عروض الشركات للبدء بتنفيذ مشروع خط أنابيب البصرة-حديثة، الذي يفترض أن يستكمل بوصلة نحو بانياس وطرابلس أو نحو العقبة. ومع أن بعض المسؤولين العراقيين أعلنوا عن إمكانية الربط مع خط كركوك-جيهان عبر استحداث وصلة حديثة-بيجي، إلا أن المسؤولين الأتراك يدركون أن المشروع يجسد سياسة عراقية ثابتة بإيجاد منافذ بديلة لنفط الجنوب بعيداً عن مضيق هرمز وعن تركيا.
معركة ناغورنو كاراباخ تفتح ممر زنغزور،فهل تطلق قناة التنمية العراقية والخط التركي؟
تركيا: ضغوط مباشرة ورفع سقف المواجهة
الإجراءات التركية تميزت بأنها كانت موجعة ومباشرة. وبلغت أوجها بالإصرار على وقف العمل باتفاقية تصدير النفط رغم المطالبات العلنية من قبل المسؤولين العراقيين بتأجيل التنفيذ. وكان آخرها اتصال رئيس الحكومة علي الزيدي بالرئيس أردوغان، كما أعلن بيان صادر عن مكتبه بتاريخ 23 يونيو. ومعروف أن العراق يحتاج بشدة إلى تصدير نفط الشمال لأنه يشكل المصدر الرئيسي لتمويل حكومة كردستان وحتى لدفع رواتب الموظفين. خاصة وأنه لا يوجد أي بديل له إلا نقل بعض الكميات بالشاحنات. أما التصريحات المتعلقة بإحياء خط كركوك-بانياس فهي أقرب إلى الضغوط الكلامية في ظل الكلفة المرتفعة لإعادة التأهيل وانتفاء الجدوى منه بوجود خطين قائمين إلى تركيا.
كما شملت الإجراءات التركية تحريك ملف مياه الفرات وفتح السدود. ما أدى إلى فيضانات مدمرة في عدة مناطق عراقية. وهي خطوة اعتبرها بعض المسؤولين ووسائل الإعلام، رسالة واضحة بأن ورقة المياه حاضرة على الطاولة متى اقتضت الحاجة.
إقرأ أيضا: هل تكفي «وثيقة أميركية» غير موثقة لإحياء خط كركوك-بانياس؟
السيناريوهات المحتملة للتسوية
المرجح أن تشهد مشكلة خط أنابيب كركوك-جيهان، حلاً قريباً وربما خلال الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى تركيا. ويبدو أن الحل المتوقع يقوم على تقديم تنازلات متبادلة تشمل ما يلي:
- موافقة تركيا على تمديد العمل بالاتفاقية لمدة عام واحد بالشروط ذاتها. وقد يتعزز هذا الاحتمال إذا حمل الزيدي معه “مباركة أميركية” عقب زيارته إلى واشنطن.
- بالمقابل، يفترض أن يوافق العراق على مطلبين رئيسيين لتركيا: الأول وعد جدي بإنشاء وصلة لربط حقول الوسط والجنوب بخط كركوك-جيهان. والثاني القبول بإعادة النظر بتنفيذ قرار التحكيم المتعلق بتغريم تركيا مبلغ 1.5 مليار دولار. يضاف إلى ذلك قيام العراق بإعادة تأهيل حقول الشمال لزيادة إنتاجها، وضخ استثمارات جديدة في عمليات الاستكشاف والتنقيب. وكان لافتاً في هذا السياق، إعلان وزير النفط باسم محمد خضير بتاريخ 20 يونيو الجاري، المباشرة بحفر بئر استكشافية ضمن قضاء آمرلي في محافظة صلاح الدين، ليكون أول بئر يحفر في المحافظات الشمالية منذ 50 عاماً تقريباً.
خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: إغلاق ملتبس ومشاريع غير قابلة للتنفيذ (1 من 2)
الخلاصة: التوافق ممكن رغم الاستعصاء الظاهر
رغم الاستعصاء الظاهر للقضايا العالقة، يمكن القول إن البلدين محكومان بالتوافق. خصوصاً في ظل التطورات المتسارعة على صعيد إعادة تموضع العراق التدريجي والجزئي حالياً، بعيداً عن النفوذ الإيراني. وفي هذا السياق يكتسب المحور الإقليمي الناشئ (تركيا-مصر-السعودية-باكستان) أهميته، ويعطي فرصة التقارب زخماً يتجاوز حسابات النفط إلى معادلات التوازن الإقليمي.
وذلك يسمح بالاستنتاج أن خط أنابيب كركوك-جيهان، معطوفاً على مشروع طريق التنمية قد يتحول من قضية خلافية إلى عنصر توافق. وربما يصبح مستقبلاً فرصة استثمارية مجدية جداً للبلدين، في ظل اهتمام العراق بإقامة مصاف للتكرير ومراكز للتخزين على سواحل المتوسط وعدم الاكتفاء بتصدير النفط الخام.



