أزمة مضيق هرمز: من يديرها ومن يجني مكاسبها؟ ـ قراءة «خارج الصندوق» لـ أنس الحجي
نعرض فيما يلي ملخصاً لمقال الخبير في أسواق النفط والغاز د. أنس الحجي، يتضمن قراءة مختلفة لخلفيات وتطورات أزمة مضيق هرمز وتداعياتها على أسواق الطاقة العالمية، مع إعادة طرح أسئلة أساسية حول طبيعة الصراع، والجهات المستفيدة.
نشر هذا الملخص لا يعني بالضرورة تبنّي «طاقة الشرق» لكامل ما ورد فيه من استنتاجات، بل يأتي في إطار عرض وجهات نظر لخبراء يتمتعون بالكفاءة والخبرة، وإثراء النقاش حول أمن الطاقة والجغرافيا السياسية.

يطرح المقال قراءة غير تقليدية لأزمة مضيق هرمز، من خلال مقاربتين رئيسيتين لفهم طبيعة الصراع وتداعياته على إمدادات النفط والغاز المسال. المقاربة الأولى تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بوصفه محور التوتر، حيث يُفهم التصعيد في هذا الإطار على أنه محاولة لاحتواء هذا البرنامج أو تحييده. وفي هذه الحالة، يُفترض أن تكون التداعيات محدودة زمنياً على أسعار النفط وأسواق الطاقة.
أما المقاربة الثانية، وهي الأوسع، فترى أن إيران ليست سوى جزء من مشهد جيوسياسي أكبر، وأن ما يجري يندرج ضمن استراتيجية أميركية أشمل لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، عبر أدوات متعددة تشمل الحروب التجارية، والعقوبات، والسيطرة على الممرات الحيوية، والتدخل في مناطق استراتيجية حول العالم. ووفق هذا المنظور، فإن الأزمة لا تقتصر على تداعيات آنية، بل قد تؤدي إلى تحولات طويلة الأمد في أنماط التجارة والاستثمار وتوازنات القوة.
من يقود التصعيد؟
يناقش المقال فرضيتين أساسيتين حول الجهة التي تقود التصعيد في مضيق هرمز. الأولى تفترض أن الولايات المتحدة هي من يدير المشهد، بحيث تكون إيران جزءاً من استراتيجية أوسع، إما كعامل محفّز أو كذريعة لتحقيق أهداف جيوسياسية أكبر. أما الفرضية الثانية فتفترض أن إيران هي المحرّك الرئيسي، ما يعني، بحسب المقال، أن الاستراتيجية الأميركية فشلت في احتواء التصعيد أو توجيهه بما يتوافق مع مصالحها.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى أن الاستراتيجية الأميركية المعلنة تؤكد أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وضمان تدفّق الطاقة، ما يجعل فرضية فقدان السيطرة الأميركية على مسار الأحداث موضع تساؤل.
الغاز المسال والممرات البحرية في قلب المعادلة
يولي المقال أهمية خاصة لدور الغاز الطبيعي المسال في تفسير سلوك الأطراف المختلفة، ويعتبر أن هذا القطاع بات عنصراً مركزياً في السياسة الخارجية الأميركية. ويشير إلى أن تغطية وسائل الإعلام الغربية لاحتمال إغلاق المضيق خلال النزاعات السابقة ركزت بشكل كبير على السيناريوهات السلبية، رغم غياب تهديدات مباشرة واضحة من الجانب الإيراني في تلك اللحظات.
الربط بين تطورات الخليج وسعي أميركا للسيطرة على الممرات البحرية، كجزء من استراتيجية التحكم بتدفقات الطاقة والتجارة
التأمين والإعلام: آلية التأثير غير المباشر
يربط الكاتب بين التغطية الإعلامية وبين تحولات عميقة في سوق الغاز، خاصة مع سعي مستوردين آسيويين إلى تأمين عقود طويلة الأجل. فحالة عدم اليقين الناتجة عن السياسات التجارية الأميركية دفعت بعض هؤلاء المستوردين إلى التوجه نحو موردين أكثر استقراراً، مثل قطر والإمارات.
ومن هنا، يرى المقال أن تضخيم مخاطر المضيق قد يكون ساهم في إعادة توجيه هذه الخيارات، عبر إبراز هشاشة الاعتماد على طرق الشحن عبر الخليج، وتعزيز جاذبية الغاز الأميركي كبديل.
ويطرح المقال تفسيراً مختلفاً لما جرى في مضيق هرمز، إذ يرى أن تعطل حركة الملاحة لم يكن نتيجة إغلاق عسكري مباشر، بل حصيلة تفاعل معقّد بين التغطية الإعلامية وارتفاع مخاطر التأمين على السفن. فقد أدّت التحذيرات المتداولة وتصاعد التقارير عن تهديدات محتملة إلى قيام شركات التأمين برفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب أو إلغائها، ما انعكس مباشرة على حركة النقل البحري.
إقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفط: أسطورة الإغلاق ودرس حرب الناقلات في الثمانينيات
فبعد تداول تحذيرات مجهولة المصدر، وتصاعد التقارير الإعلامية عن تهديدات للسفن، قامت شركات التأمين بإلغاء أو رفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل كبير. ونتيجة لذلك، توقفت حركة عدد كبير من السفن، ليس بسبب منع مادي من العبور، بل لغياب التغطية التأمينية اللازمة.
ويشير إلى أن السبب المباشر لم يكن مرتبطاً بأحداث داخل المضيق أو الخليج، بل بقيام البحرية الأميركية بإغراق فرقاطة إيرانية في المحيط الهندي قبالة سواحل سريلانكا. ويبرز المقال مفارقة التزام الرئيس ترامب الصمت حيال إجراءات شركات التأمين، ويعتبر أن هذا الصمت تجاه إجراءات تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط يثير تساؤلات حول الدوافع الكامنة أو التوجهات في نهج الإدارة تجاه الأزمة.
ويرى الكاتب أن هذا النمط من التضخيم الإعلامي يسهم في رفع المخاطر المتصورة، وبالتالي التأثير على قرارات شركات الشحن والتأمين، ما يؤدي إلى تقليص الإمدادات ورفع الأسعار، ويخدم أهدافاً سياسية واقتصادية متعددة، من بينها تبرير التصعيد العسكري وتعزيز تقلبات السوق.
من المستفيد من إغلاق مضيق هرمز؟
يرى الكاتب أن فهم أزمة مضيق هرمز لا يكتمل من دون تحديد الجهة المستفيدة من تعطيل الإمدادات، سواء انطلقت الأزمة من استهداف مباشر لإيران أو جاءت في إطار استراتيجية أميركية أوسع.
بقاء النظام الإيراني قد يخدم مصالح أميركا، عبر تبرير الوجود العسكري الدائم، وضمان التحكم بالممرات الاستراتيجية
ففي كلا الحالتين، يخلص إلى نتيجة متشابهة: أكبر المستفيدين من إغلاق المضيق هما الولايات المتحدة وروسيا، وإن كانت المكاسب الأميركية أكثر شمولاً وتنوعاً.
ويطرح المقال فرضيتين: الأولى تفترض أن إيران هي الهدف المباشر، وفي هذه الحالة يؤدي إغلاق المضيق إلى تحقيق مكاسب استراتيجية لواشنطن عبر تعزيز موقعها في أسواق الطاقة العالمية. أما الفرضية الثانية فترى أن إيران تُستخدم كأداة ضمن خطة أميركية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية، وهو ما يربطه الكاتب بما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في نوفمبر 2025.
مضيق هرمز وإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية
يضع الكاتب إغلاق مضيق هرمز في سياق سياسة أوسع اتبعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة ترتيب النظام الاقتصادي العالمي، من خلال أدوات غير تقليدية، أبرزها التحكم بتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد.
إقرأ أيضا: من فنزويلا إلى إيران وروسيا: عودة النفط إلى صلب الاستراتيجية الأميركية
فمن جهة، سعت واشنطن إلى ترسيخ موقعها كمركز مهيمن في أسواق النفط والغاز، عبر دفع الدول الآسيوية، وخاصة كبار المستوردين، إلى توقيع عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال الأميركي وزيادة الاعتماد على النفط الأميركي.
ومن جهة أخرى، يؤدي تعطيل الإمدادات عبر الخليج إلى رفع المخاطر والتكاليف المرتبطة بالاعتماد على نفط وغاز المنطقة، ما يعزز القدرة التنافسية للصادرات الأميركية.
الهيليوم وأشباه الموصلات: التأثير غير المباشر
يلفت المقال إلى دور عناصر أقل تداولاً في النقاش العام، مثل الهيليوم المستخرج من الغاز في دولة قطر، والذي يمر جزء كبير من صادراته العالمية عبر مضيق هرمز.
ويشير إلى أن تعطيل الإمدادات قد لا ينعكس فوراً، لكنه قد يؤثر لاحقاً على الصناعات الآسيوية، وخاصة المرتبطة بصناعة أشباه الموصلات، ما يندرج ضمن سياق أوسع لإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية داخل الولايات المتحدة.
الأسمدة والزراعة: حلقة مترابطة
يتوسع المقال في تحليل تأثير الإغلاق على قطاع الأسمدة، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات الأسمدة الخليجية عبر المضيق باتجاه الأسواق الآسيوية، لا سيما الهند.
إقرأ أيضاًً: هل تسعى أميركا للتحكم بتجارة الغاز المسال وتوزيع الأسواق و«الأرزاق»؟
ويؤدي تعطل هذه الإمدادات إلى تراجع الإنتاج الزراعي في تلك الدول، ما يزيد من حاجتها إلى استيراد المنتجات الزراعية.
ويربط الكاتب هذا التطور بالسياسات التجارية الأميركية، معتبراً أن نقص الأسمدة وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي في آسيا قد يفتح المجال أمام زيادة الصادرات الزراعية الأميركية، بما يخدم المنتجين الأميركيين.
الطاقة والذكاء الاصطناعي: معادلة الهيمنة
يربط المقال بين التحكم بأسواق الطاقة والطموح الأميركي للهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن التفوق في هذا المجال يتطلب توفر طاقة رخيصة ووفيرة لتشغيل مراكز البيانات والصناعات المرتبطة به.
ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً – نتيجة تعطيل الإمدادات – يضعف الدول المستوردة، في حين يعزز الموقع النسبي للولايات المتحدة كمنتج للطاقة.
ويستشهد بفوارق الأسعار بين الأسواق الآسيوية وخام غرب تكساس، التي تعكس هذا الاختلال.
السيطرة على الممرات البحرية
يضع المقال مضيق هرمز ضمن شبكة أوسع من الممرات الحيوية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها عليها، بما في ذلك قناة بنما، والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب، إضافة إلى الممرات الشمالية المرتبطة بالقطب الشمالي.
ويرى أن السيطرة على هذه الممرات تتيح التأثير على تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، ورفع تكاليف المنافسين، وهو ما ينسجم مع أهداف السياسة الأميركية في إعادة تشكيل النظام الدولي.
فنزويلا وإعادة توزيع الإمدادات
يتطرق المقال إلى دور النفط الفنزويلي، مشيراً إلى أن تخزينه في الموانئ الأميركية قد يكون جزءاً من استراتيجية لتعويض أي نقص في الإمدادات الناتج عن تعطيل مضيق هرمز، خاصة مع التشابه في خصائص النفط.
ويستنتج الكاتب أن هذه الخطوات تعكس استعداداً مسبقاً أو إدراجاً فعلياً لاحتمال الإغلاق ضمن التخطيط الأميركي.
النتائج الاستراتيجية
وفي ضوء ما سبق، يخلص الكاتب إلى مجموعة من النتائج الاستراتيجية الأساسية:
- أن تعطيل مضيق هرمز، سواء كان نتيجة مباشرة للصراع أو جزءاً من استراتيجية أوسع، يؤدي إلى تعزيز موقع الولايات المتحدة في أسواق الطاقة العالمية.
- أن ما يجري يتجاوز أزمة جيوسياسية عابرة، وقد يشكل نقطة تحول في النظام الاقتصادي العالمي، ويؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية.
- أن التداعيات الاقتصادية للأزمة تتوزع بين كلفة قصيرة الأجل، تتمثل في ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو ومخاطر الركود التضخمي، ومكاسب طويلة الأجل تشمل إعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الموردين المنافسين.
- أن التباين بين الكلفة الفورية والمكاسب المؤجلة يُعد سمة أساسية في التحولات الاقتصادية الكبرى، لكنه في الوقت نفسه يفسر حالة الارتباك في تقييم هذه التطورات بين الخبراء وصناع القرار.
- أن استمرار النظام الإيراني قد يخدم المصالح الأميركية، عبر توفير مبرر لوجود عسكري دائم في المنطقة، بما يضمن استمرار النفوذ على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.




