«أسطول الظل»: بين تهريب النفط والاستخدام الأميركي للتحكم بالإمدادات والمفاوضات

لم يعد «أسطول الظل» مجرد شبكة سرّية من ناقلات النفط لخرق العقوبات. بل تحوّل إلى أداة فاعلة في الاستراتيجية الأميركية للموازنة بين الردع الاقتصادي والسياسي لخصومها وبين ضبط استقرار أسواق النفط وأسعاره.

فهل يصح اعتبار الاستهداف المدروس والانتقائي لأساطيل الظل مؤشراً على التوجهات الجيوسياسية الأميركية، وعلى المساومات والمفاوضات الجارية؟ فتشهد المرحلة المقبلة التركيز على محاصرة الأسطول الفنزويلي لإجبار كراكاس على التراجع أو تغيير النظام. مقابل استمرار التساهل مع الأسطول الروسي طالما يُباع النفط بحسومات كبيرة وفي ظل التفاهم الضمني بين واشنطن وموسكو. وليبقى التعامل مع الأسطول الإيراني مرهوناً بتطور العلاقة مع أميركا باتجاه التسوية أو المواجهة.

الجواب… نعم، استناداً إلى جملة حقائق على مستويين. الأول معطيات ووقائع تؤكد التساهل المدروس في تطبيق العقوبات ومحاربة أسطول الظل. والثاني طرائق عمل هذا الأسطول التي تؤكد استحالة ممارسة نشاطه ونموه المطّرد من دون التغاضي المحسوب من قبل أميركا وحلفائها.

أولاً: بين سردية العقوبات ووقائع التساهل

شهد أسطول الظل نمواً هائلاً خلال السنوات الأخيرة. وتشير تقديرات متطابقة إلى أن عدد السفن يتراوح حالياً بين 1200 و 1600 ناقلة من مختلف الأحجام. أي ما يشكل نحو خمس الأسطول العالمي الشرعي. كما تشير إلى أن النفط المُهرَّب عبر هذه السفن يبلغ خمس تجارة النفط العالمية. وبناء هذا الأسطول الضخم، سواء عبر شراء السفن القديمة التي خرجت من الخدمة أو حتى السفن الحديثة، لا يمكن أن يتم بسرية كاملة. وينطبق ذلك على تشغيل هذه السفن التي تتجمع في نقاط معروفة قرب سواحل اليونان وماليزيا وبحر البلطيق وبحر عمان لنقل النفط من سفينة إلى أخرى واستصدار شهادات منشأ قانونية.

إقرأ أيضاً: غسيل النفط الروسي: «مصابغ» صينية و«سفن أشباح» إيرانية (1 من 2)

ويعني ذلك أنه، على الرغم من كثافة خطاب أميركا حول مكافحة الالتفاف على العقوبات واستهداف بعض سفن أساطيل الظل، تُظهِر الوقائع أن واشنطن لا تتعامل مع الملف بمنطق المنع الشامل، بل بمنطق إدارة استقرار أسواق وأسعار النفط من ناحية، وكأداة ضغط تفاوضية من ناحية أخرى.

سفن وشركات «أشباح» في الدول الحليفة

وذلك ما يفسر تغاضي أميركا عن الدور المتنامي في تملك وتشغيل «أسطول الظل» لشركات تعمل في دول حليفة لها بدوافع تجارية بحتة وليس سياسية. فقد ساهمت شركات خاصة في مراكز بحرية رئيسية بتملك وإدارة عشرات الناقلات التي تنقل النفط الروسي والإيراني.

فقد اتهم مثلاً تقرير لمنظمة (UANI) United Against Nuclear Iran ماليزيا بأنها باتت «الممر الصامت» لأسطول الظل الإيراني، من خلال «غضّ النظر» عن عمليات نقل النفط من سفينة لأخرى داخل مياهها البحرية. كما كشف تحقيق نشرته محطة YLE  الفنلندية الحكومية أن شركات مقرها في الخليج تملك أو تدير حوالي 55  ناقلة ضمن أسطول الظل الروسي. من بينها شركة واحدة تملك 24  سفينة خاضعة للعقوبات.

استقراء التطورات

ان  كثافة الخطاب الأميركي لا تخفي الوقائع بأن واشنطن لا تتعامل مع الملف بمنطق المنع الشامل. وتتّضح هذه البراغماتية الأميركية عبر نمط انتقائي في التشدد مع أسطول الظل، يختلف من دولة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى لكل دولة كما يلي:

فنزويلا: نحو تشديد الحصار

كانت فنزويلا أول من استخدم «سفن الأشباح» لخرق العقوبات. وقد تغاضت الولايات المتحدة لفترة طويلة عن نشاط تهريب النفط الفنزويلي لتجنب أي نقص في الإمدادات. لكن الوضع تغير جذرياً مع توجه واشنطن إلى التصعيد السياسي وربما العسكري مع فنزويلا، بهدف تغيير النظام.

إقرأ: «أركتيك 2» الروسي يسيل غاز القطب الشمالي والعقوبات الأميركية «تجمده»

وتم بموجب هذا التوجه اعتماد إجراءات غير مسبوقة شملت مصادرة ناقلات نفط وقصف سفن تجارية بحجة تهريب المخدرات. إضافة إلى تشديد العقوبات على الشركات المصدرة والمستوردة للنفط. والتضييق على وسطاء يستخدمون موانئ الكاريبي كنقاط عبور أو نقل من سفينة إلى أخرى. ويتوقع المراقبون أن يتحول الاستهداف المباشر بالقصف أو بالاحتجاز والمصادرة إلى سياسة ثابتة في التعامل مع فنزويلا.

إيران: تشدد أو تساهل… وفق مسار التفاوض

كان التغاضي عن نشاط أسطول الظل الإيراني هو السمة البارزة للسياسة الأميركية طوال السنوات الماضية، باستثناء فترات محدودة تم التشدد فيها في تطبيق العقوبات. وذلك ما يفسر أن متوسط الصادرات الإيرانية ظل بحدود 1.5  مليون برميل يومياً. ويرجع ذلك إلى سببين: الأول والأهم هو عدم وجود قرار أميركي بإسقاط النظام، وتواصل المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين الجانبين. والثاني هو ضمان الحد المقبول من وفرة الإمدادات وعدم رغبة واشنطن بتأزيم العلاقة مع الصين التي تستورد الجزء الأكبر من الصادرات الإيرانية.

لكن هذا الوضع المريح لكافة الأطراف قد يتغير جذرياً إذا رفضت طهران العودة إلى المسار الدبلوماسي استناداً إلى الشروط الأميركية. إذ يتوقع أن تتحرك واشنطن في هذه الحالة نحو معاقبة شركات الواجهة في آسيا والخليج وكذلك المصافي التي تستورد النفط الإيراني. إضافة إلى استهداف مباشر لأسطول الظل الإيراني ومصادرة بعض الناقلات.

روسيا: تساهل «موضوعي»

مع أن أسطول الظل الروسي هو الأكبر والأكثر تنظيماً، إلا أنه الأقل عرضة للاستهداف من قبل أميركا وحتى أوروبا. والسبب أن العقوبات لا تمنع أصلاً تصدير النفط الخام، بل تفرض سعراً أقل للتصدير. كما أنها لا تستهدف المنتجات المكررة. وتستخدم روسيا سفن الأشباح للتصدير بأقل قدر ممكن من الحسومات. ولذلك فإن وزارة الخزانة الأميركية تركز على معاقبة الشركات والوسطاء حين يتجاوزون السقف السعري فقط.

إقرأ أيضا: واردات الصين من النفط الروسي والإيراني: أرقام قياسية بموافقة أميركا!

وعليه، يتوقع استمرار التساهل النسبي مع أسطول الظل الروسي، في ظل حالة التناغم الموضوعي والتفاهمات السياسية بين أميركا وروسيا في ملفات أوكرانيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ولكن بشرط ألا يتم خرق السقف السعري، بحيث يتواصل الضغط على الاقتصاد الروسي. وتشير التقديرات إلى انخفاض العائدات المالية الروسية بحوالي 30  في المئة مقارنة بما كانت عليه قبل غزو أوكرانيا.

ثانياً: ما هو أسطول الظل؟

يُقصد بـ «أسطول الظل» شبكة من ناقلات النفط، غالباً قديمة وتجاوزت عمرها الافتراضي، يُعاد تشغيلها لنقل وتهريب النفط من دول خاضعة للعقوبات الدولية.

ظهرت النواة الأولى لهذه الشبكات مع محاولات إيران وكوريا الشمالية الالتفاف على العقوبات في العقد الأول من الألفية. ثم توسّعت بعد العقوبات الأميركية على فنزويلا عام 2019. غير أن التحول المفصلي جاء عقب غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، حين اضطرت موسكو إلى تطوير مسارات بديلة لتصدير نفطها خارج منظومة السقف السعري التي فرضتها مجموعة السبع.

ما هو حجمه وكيف يتوزع بين الدول؟

يصعب تحديد رقم دقيق بسبب طبيعة الأسطول القائمة على الإخفاء، إلا أن تقاطعات التقارير المستقلة تشير إلى أننا أمام مئات السفن. وتذهب بعض شركات المخاطر البحرية إلى أن شبكات أساطيل الظل الروسية والإيرانية والفنزويلية تضم حوالي 1600  ناقلة، ما يعكس تحوّل «اقتصاد الظل النفطي» إلى منظومة عالمية قائمة بحد ذاتها.

وتمثل روسيا مركز النمو الأكبر، إذ تشير تقديرات معاهد أبحاث غربية إلى استخدام حوالي 450  ناقلة لتهريب النفط الروسي خارج آليات الرقابة، تشمل ناقلات خام وناقلات منتجات.أما إيران فتمتلك أسطولاً مستقراً ومتجدداً. ويُقدَّر عدد السفن المنخرطة بشكل مؤكد في نقل النفط الإيراني بأكثر من 500  ناقلة، من بينها عدد كبير يُستخدم كمخازن عائمة، خصوصاً قبالة السواحل الماليزية.

كيف يعمل أسطول الظل؟

يعتمد أسطول الظل على مجموعة من الأساليب غير القانونية وشبه القانونية للالتفاف على العقوبات، أبرزها:

  • إخفاء الملكية الحقيقية عبر طبقات متعددة من شركات الواجهة المسجّلة في دول جزرية صغيرة أو مراكز مالية حرة.
  • العمل خارج منظومة التأمين العالمية، والاكتفاء أحياناً بوثائق تأمين صورية أو محدودة لدى شركات صغيرة وغير معترف بها دولياً.
  • التهرب من الرقابة البحرية من خلال إطفاء جهاز التتبع الآلي (AIS)، وتزوير بيانات الموقع، وتغيير أسماء السفن وأعلامها بشكل متكرر.
  • النقل من سفينة إلى أخرى  (STS) ، وهي الحلقة الأهم في «غسل» النفط، حيث تُنقل الحمولة من ناقلة «مظلمة» إلى ناقلة أخرى تحمل علماً «نظيفاً» في نقاط محددة، أبرزها قبالة السواحل الماليزية، وقرب السواحل اليونانية، وفي بحر البلطيق.

خلاصة

أسطول الظل لم يعد ظاهرة هامشية لتهريب النفط والتهرب من العقوبات، بل بات قاعدة تشغيلية لنحو خمس تجارة النفط العالمية وتوازن الإمدادات، كما بات مكوناً مهماً في استراتيجية أميركا ومجموعة دول السبع في التعامل مع الخصوم، إما بحرمانهم من تصدير النفط، وإما بحرمانهم من العائدات المالية عبر إجبارهم على البيع بحسومات عالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى