أميركا وأوروبا «تنزلان عن شجرة» الحرب التجارية باتفاق غير قابل للتنفيذ

رغم الضجيج الإعلامي الذي رافق إعلان الاتفاق التجاري بين أميركا وأوروبا، فإن فرص تنفيذه تبدو محدودة جداً، إن لم تكن معدومة. خاصة في الجانب المتعلق بـ الوقود الأحفوري والنووي بقيمة سنوية تبلغ 250 مليار دولار. فالاتفاق الذي حددت مدته بثلاث سنوات فقط، أي حتى نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب، هو أقرب إلى حملة دعائية تهدف إلى ترميم صورة “التحالف الغربي”، من كونه التزاماً تجارياً قابلاً للتنفيذ.

يعكس الاتفاق حاجة سياسية لدى طرفيه لإيجاد مخرج أو «سلماً للنزول عن شجرة» الحرب التجارية. فهو يرفع عن أوروبا «سيف» الرسوم الجمركية ليس فقط بتجنب رفعها بل أيضاً بتخفيضها من 27 إلى 15 في المئة. وهي نسبة تتحملها الصناعة الأوروبية. كما يوفر غطاءً خطابياً يوازن بين الطموح المناخي والواقع الاقتصادي. أما بالنسبة لأميركا فيحقق لها «نصراً» ولو نظرياً، هي بأمسّ الحاجة إليه لاستكمال التسويات في الحرب التجارية التي شنتها على كل دول العالم.

أرقام لا تصمد أمام التدقيق

تعدّ القيمة المعلنة للاتفاق، 250 مليار دولار سنوياً ولمدة ثلاث سنوات، غير واقعية بمقاييس السوق الحالية. سواء من حيث قدرة الاتحاد الأوروبي على الاستيراد. أو قدرة الولايات المتحدة على التصدير. إذ لم تتجاوز واردات الطاقة الأوروبية من الولايات المتحدة 80 مليار دولار خلال عام 2024. وذلك بالرغم ظروف الحرب في أوكرانيا والبحث الأوروبي المحموم عن بدائل للغاز الروسي.

إقرأ أيضاً: الغاز المسال: أميركا وأوروبا تقسمان الأسواق و«الأرزاق»

أما من جهة الولايات المتحدة، فإجمالي صادراتها من مصادر الطاقة (نفط، غاز، منتجات مكررة، وفحم) إلى جميع أنحاء العالم بلغ حوالي 330 مليار دولار عام 2024. وبذلك يصبح من الصعب تصور قدرة واشنطن على رفع صادراتها إلى أوروبا وحدها إلى مستوى 250 مليار دولار سنوياً. دون إحداث خلل كبير في توازنات العرض والطلب وفي تلبية التزاماتها مع بقية شركائها.

لا يخلو الاتفاق من الطابع السياسي ـ الدعائي الذي يتجلى في تحديد مدته بثلاث سنوات فقط. وهي المدة التي تتزامن بدقة مع نهاية ولاية الرئيس ترامب. وهذا التحديد الزمني لا يشي فقط بانعدام الرغبة في إبرام اتفاق طويل الأجل، بل يعكس أيضاً إدراكاً ضمنياً بعدم قدرة الجانبين على ترجمة البنود إلى خطوات تنفيذية.

من أين وإلى أين؟

تشكل الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية، رغم تخفيضها إلى 15 في المئة، مشكلة كبيرة بالنسبة لبناء مرافق تسييل الغاز في أميركا. إذ ستؤدي إلى زيادة التكلفة وتؤخر موعد الإنجاز. وبالتالي، فإن الجدول الزمني لاستلام الطاقة الأميركية سيتأخر بالضرورة. ويصعب تصور حدوثه ضمن نطاق السنوات الثلاث المحددة.

إقرأ أيضاً: أوروبا «المدمنة» على الغاز الروسي تطلب المزيد من «الجرعات»

من التبعات المثيرة للتساؤل أن بعض شحنات الغاز الأميركية إلى أوروبا قد يتم بيعها مجدداً إلى دول مثل مصر والعراق والكويت. خاصة وأن العديد من الدول الأوروبية زادت اعتمادها خلال العامين الماضيين على الغاز الروسي المسال الرخيص نسبياً. وهذا النوع من العمليات يؤثر سلباً على استقرار الأسواق. ويطرح علامات استفهام حول الجدية الأوروبية في تنفيذ التزامات لشراء الطاقة بهذا الحجم.

مأزق أوروبا بين البيئة والاقتصاد

تمثل القيود البيئية الأوروبية عقبة رئيسة أمام تنفيذ الاتفاق. فالمعايير الأوروبية تعتبر صارمة بخصوص نوعية الغاز المسال والنفط، من حيث انبعاثات الكربون والمحتوى الكبريتي ومصدر الاستخراج. وهي تختلف جذرياً عن الممارسات المعتمدة في الولايات المتحدة. لا سيما مع عودة الاتجاهات المحافظة إلى البيت الأبيض واحتمال التراجع عن عدد من التزامات خفض الانبعاثات. وكان لافتاً أن الاتفاق لم يتناول أي آلية لحل هذه المشكلة، أو الالتزام بمراجعة المعايير البيئية من قبل الطرفين.

إقرأ أيضاً: أوروبا أمام الخيار المؤلم: مقايضة الأمن بالمناخ

وفي السياق ذاته يعكس الاتفاق التناقض الكامن في السياسات الأوروبية بين التزامات المناخ الطموحة، التي تقتضي الابتعاد عن الوقود الأحفوري، وبين الضرورات الاقتصادية التي تدفع نحو الاستيراد المكثف من الفحم والغاز الأميركي. وبينما تحاول أوروبا الإبقاء على سردية «تحول الطاقة»، فإن الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والاحتياجات المتزايدة للتدفئة والتبريد تفرض شروطها وتعيد أوروبا إلى أرض الواقع. وهكذا تجد بروكسل نفسها مضطرة للعودة إلى مصادر تعتبرها “غير نظيفة”، لأنها لا تملك بديلاً عنها حتى الآن.

خلاصة: الفرق شاسع بين الطموح والواقع

ما جرى الاتفاق عليه شيء، وما يمكن تحقيقه شيء آخر تماماً. فالاتفاق بين أميركا وأوروبا، رغم زخمه الإعلامي، يفتقر إلى المقومات التجارية، القانونية، واللوجستية التي تجعله قابلاً للتطبيق. لا الجانبان يملكان القدرة على تنفيذ ما اتفقا عليه. ولا الأسواق مؤهلة لاستيعاب الأرقام الواردة فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى