اتفاق الغاز بين مصر ولبنان: الغاز مصري إنتاجاً أو شراء… والعبرة بسرعة التنفيذ
- يمثّل توقيع مذكرة تفاهم لشراء الغاز بين مصر ولبنان خطوة ضرورية على طريق إصلاح قطاع الكهرباء. غير أنّ نجاح هذه الخطوة يبقى مرهوناً بسرعة إنجاز الإجراءات التنفيذية. وتحويل المذكرة إلى اتفاقية ملزمة، بما يشمل إعادة تأهيل خط الغاز العربي. وذلك لتحقيق هدفين؛ الأول تأمين وقود أنظف وأقل كلفة لتشغيل معامل إنتاج الكهرباء. والثاني تجنّب تحويل الملف إلى ساحة جديدة للتجاذب السياسي وربما التخوين، بدعوى أنّ مصدر الغاز قد يكون إسرائيلياً، ربطاً بالاتفاقية الموقّعة أخيراً بين مصر وإسرائيل.
ورعى توقيع مذكرة التفاهم رئيس الحكومة نواف سلام، ووقّعها وزير الطاقة اللبناني جو صدي، ووزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي.
وأكد الوزير صدي أنّ استراتيجية لبنان تقوم أولاً على الانتقال التدريجي من الفيول إلى الغاز الطبيعي، وثانياً على تنويع مصادر التزود بالغاز براً أو بحراً، مشيراً إلى أن الغاز الطبيعي أقل كلفة وأقل ضرراً بيئياً مقارنة بالفيول المستخدم حالياً.
التشكيك والتخوين… بين التوقع والوقائع
ورغم أهمية التوقيع، يبقى التحدي الأساسي في سرعة الانتقال من مذكرة تفاهم غير ملزمة إلى اتفاقية تنفيذية واضحة، تحدد الكميات، وآلية التسعير، وجدول التوريد، وتؤمّن الغطاء القانوني والمالي لبدء أعمال التأهيل والتنفيذ.
الاتفاقية ستوقع مع الدولة المصرية، وبالتالي سيكون الغاز مصرياً ولا معنى لإجراء «التحاليل» لمصدره و «تركيبته الجينية»
كما تضمن سرعة التنفيذ، التصدي المبكر لحملات التشكيك التي تربط استيراد الغاز من مصر بالاتفاقيات الموقّعة أخيراً بين القاهرة وإسرائيل. وتذهب إلى حد الادعاء بأن الغاز المستورد قد يكون إسرائيلي المصدر.
وللتوضيح، وقبل أن يسبق تدفق التشكيك والتخوين تدفق الغاز:
- مصر تنتج يومياً نحو 4.2 مليارات قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ما ينفي الحاجة لربط التوريد إلى لبنان باستيراد غاز إسرائيلي.
- من مصلحة مصر الاقتصادية تسييل الفائض من الغاز الإسرائيلي وتصديره عبر محطتي إدكو ودمياط، لأن ذلك يحقق عائداً أعلى من تصديره كغاز جاف عبر الأنابيب.
- الاتفاقية موقّعة مع الدولة المصرية، والغاز يُعد مصرياً سواء أكان منتجاً محلياً أو مُشترى، ولا حاجة لإجراء «تحليل دم» لمعرفة «التركيبة الجينية» للغاز.
خط الغاز العربي: بنية قائمة وتجربة سابقة
يعيد هذا التطور إحياء مشروع خط الغاز العربي، وهو ليس مشروعاً نظرياً أو مقترحاً جديداً، بل بنية تحتية إقليمية أُنشئت في مطلع الألفية الجديدة ونُفذت على مراحل متعاقبة. فقد بدأ تشغيل الخط بين مصر و**الأردن** عام 2003، ثم امتد إلى سوريا عام 2008، قبل أن تُنجز الوصلة بين سوريا و**لبنان** خلال الفترة 2008–2009.
وتبلغ الطاقة التصميمية لخط الغاز العربي نحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً، في حين تُقدَّر قدرة الوصلة السورية–اللبنانية بنحو 2 إلى 3 مليارات متر مكعب سنوياً، وهي كمية تفوق حاجات لبنان الحالية لتشغيل معامل الكهرباء القائمة، وفي مقدمها معمل دير عمار.
وبالفعل، بدأ ضخ الغاز المصري إلى لبنان عام 2009 عبر الأراضي السورية، واستخدم لتشغيل محطة دير عمار في شمال البلاد، مسجلاً أول تجربة فعلية للبنان في توليد الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي بدلاً من الفيول.
التأهيل قبل التشغيل
توقف ضخ الغاز إلى لبنان عملياً عام 2011، على خلفية اندلاع الحرب في سوريا، وتعرض أجزاء من الخط لأعمال تخريب وإهمال، إضافة إلى غياب الصيانة الدورية وتعقيدات العقوبات الدولية، وليس بسبب عيوب تقنية جوهرية في البنية الأساسية.
ومنذ ذلك الحين، بقي الخط خارج الخدمة، ولم يكن بإمكان لبنان أو سوريا الاستفادة منه في ظل العقوبات المرتبطة بقانون قيصر، قبل أن تبادر الإدارة الأميركية أخيراً إلى وقف العمل به.
ورغم أن البنية الأساسية لا تزال موجودة، إلا أن إعادة تشغيل الخط تتطلب إجراء فحوص تقنية شاملة تشمل سلامة الأنابيب، ومحطات القياس والضغط، وأنظمة المراقبة والتحكم، للتأكد من مطابقتها لمعايير السلامة الدولية بعد أكثر من عقد من التوقف. وهذا ما يفسّر تأكيد وزير الطاقة أن “الأمر سيأخذ وقتاً لأن الأنابيب بحاجة إلى إعادة تأهيل”.



