السعودية ـ أميركا: شراكة استراتيجة لإعادة تشكيل نظام الطاقة العالمي
زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة جاءت تتويجاً لمسار طويل من التحولات العميقة في السياسة والطاقة والاقتصاد. ومع أنّ الاهتمام الإعلامي انصبّ على الجوانب السياسية والعسكرية للزيارة، إلا أنّ الجوانب المتعلقة بالمعادن الحرجة والطاقة الأحفورية والنووية قد تكون أكثر أهمية. لأنها ترسخ مرحلة «السعودية ـ أميركا: شراكة استراتيجية لإعادة تشكيل نظام الطاقة العالمي». والتي قد تشمل دولة الإمارات وقطر وسلطنة عمان. ولتحل هذه الشراكة محل «تفاهم الحماية مقابل النفط».
في خلفية المشهد، يبرز متغير أساسي يتمثل في أن العالم يتجه إلى صراع طويل على الموارد التي تقود اقتصاد المستقبل. واستناداً إلى هذا المتغير، يمكن قراءة أهمية الزيارة والاتفاقيات التي تم توقيعها، والتي ستساهم في تكريس دور السعودية، ليس كأكبر منتج للنفط، بل كمحور إقليمي ـ دولي لإنتاج وتكرير المعادن الحرجة، وتطوير الطاقة النووية والغاز المسال، وإعادة هندسة أسواق الطاقة المتقدمة.
إقرأ أيضا: أميركا والخليج: من الحماية إلى الشراكة الاستراتيجية
ويمكن رصد هذه الشراكة على ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: لاعب رئيسي في المعادلة العالمية للمعادن الحرجة
شكّلت المعادن الحرجة والنادرة محوراً رئيسياً في المحادثات والاتفاقيات، وذلك في ضوء دورها الحاسم في صناعات الدفاع والطاقة المتجددة والرقائق الإلكترونية التي تدخل في صناعة كل المنتجات. من أجهزة الرادار والتوجيه إلى الغواصات النووية وصواريخ توماهوك ومقاتلات F-35. إضافة إلى دورها الحاسم في صناعة السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والبطاريات والمغناطيسات إلخ…
ومعروف أن الصين تهيمن على نحو 92 في المئة من تكرير هذه المعادن. وتتوزع النسبة الباقية بين ماليزيا وأستراليا والولايات المتحدة ودول أخرى. وبدأت الصين باستخدام هيمنتها كورقة ضغط جيوسياسية. لذلك تحركت واشنطن بسرعة في السنوات الأخيرة لبناء سلاسل توريد بديلة. وجاءت السعودية في طليعة الدول المؤهلة لقيادة هذه البدائل.
وبذلك يمكن القول إنّ الاتفاق الجديد بين الرياض وواشنطن يتجاوز فكرة الاستثمار في التعدين، ليشمل سلسلة القيمة كاملة من الاستخراج إلى التكرير وصولاً إلى التصنيع المتقدم. وفي صلب هذا التوجه، برز مشروع إقامة مصفاة سعودية لتكرير العناصر الأرضية النادرة. وتعود ملكيتها لشركة «معادن» السعودية بنسبة 51 في المئة. في حين التزمت وزارة الحرب (الدفاع سابقاً) بتمويل حصة الجانب الأميركي بالكامل وقدرها 49 في المئة، على أن تتولى شركة MP Materials الأميركية توفير الخبرة التقنية، كما ذكر تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
مصفاة لتكرير المعادن النادرة، واحتياطي ضخم
ويشار هنا إلى أن السعودية تمتلك احتياطيات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة. إذ تقدّر وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية أن مكمن «جبل صايد» وحده يضم رابع أكبر احتياطي في العالم من حيث القيمة. ويحتوي على 552 ألف طن من العناصر النادرة الثقيلة مثل الديسبروسيوم والتيربيوم. إضافة إلى 355 ألف طن من العناصر النادرة الخفيفة مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم.
وبهذا المعنى، فإن المصفاة ليست مشروعاً تقنياً واستثمارياً فقط، بل خطوة جيوسياسية ودفاعية لمواجهة معضلة الارتهان للصين. خاصة وأنّ السعودية تعتبر بديلاً موثوقاً وتمتلك قدرات مالية وسياسية واستقراراً اقتصادياً.

لماذا تتجنب الدول الكبرى إنشاء مصاف للتكرير؟
قد يثار سؤال مشروع هنا وهو، لماذا لم تبادر أميركا والدول الصناعية الكبرى إلى إنشاء مصافٍ لتكرير العناصر الأرضية النادرة؟.
السبب ببساطة يكمن في ارتفاع تكاليفها واستهلاكها المرتفع للطاقة ومخلفاتها المضرّة بالبيئة. فتكرير المعادن الحرجة عملية شديدة التعقيد وتتطلب تصفية كميات هائلة من الأتربة عبر مئات المراحل المتتالية من الاستخلاص بالمذيبات والمعالجة الحمضية. وتشير دراسات تقنية إلى أن استهلاك الطاقة في التكرير يفوق ما يحتاجه الاستخراج الأولي بين 9 و 13 مرة.
أقرأ أيضا: معضلة المعادن النادرة: إطفاء الطاقة المتجددة وإشعال الإضطرابات (1 من 2)
فضلاً عن أن محطات التكرير التقليدية تنتج كميات ضخمة من المخلفات؛ فكل طن من أكاسيد العناصر النادرة المكرّرة قد ينتج ما يصل إلى نحو 2000 طن من النفايات الصلبة والسوائل السامة الملوّثة، بما في ذلك مخلفات حمضية ومحتوى إشعاعي منخفض من الثوريوم واليورانيوم.
هذا المزيج من التعقيد التقني وارتفاع استهلاك الطاقة والتحديات البيئية والتنظيمية كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت معظم الدول الغربية إلى الخروج من نشاط التكرير وتركه عملياً للصين خلال العقود الماضية.
وعليه، فإن أي منشأة تكرير كبيرة تُقام خارج الصين لا تضيف طاقة إنتاجية فحسب. بل تعيد موازنة الخريطة الاستراتيجية لصناعة التكرير نفسها وتمنح الدول الغربية منفذاً عملياً لتقليل اعتمادها على بكين في أخطر حلقة من حلقات سلاسل الإمداد. وفي المقابل تستفيد السعودية من هذا الدور المستجد لتنويع اقتصادها وتأسيس صناعات عالية القيمة. وكذلك ترسيخ ريادة صناعية مرتبطة بصناعات وتقنيات مستقبلية. إضافة إلى تعزيز مكانتها في تحالفات الطاقة الغربية في مرحلة تشهد إعادة تشكّل لنظام الطاقة العالمي.
ثانياً: شريك نووي في المفاعلات والوقود
التعاون في المجال النووي شكّل ركناً أساسياً في زيارة ولي العهد. وجاء ذلك بعد سنوات طويلة من المحادثات حول رغبة الرياض بتطوير برنامج نووي لتوليد الكهرباء وتحلية المياه ودعم الصناعات الثقيلة. وتكمن أهمية الاتفاق ليس في موافقة أميركا على دعم هذا البرنامج من خلال شركات أميركية وحسب، بل في تطورين مهمّين هما:
- التعاون في مجال المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs). والتي يتوقع أن تشهد نمواً كبيراً في السنوات المقبلة. إضافة إلى إمكانية تصنيع بعض مكونات هذا النوع من المفاعلات في السعودية. ما يعني دخول المملكة في صلب سلسلة تصنيع المفاعلات المعيارية وترسيخ موقعها في قطاع الطاقة النووية المتقدمة.
- إنشاء مسار للتعاون في إنتاج الوقود النووي منخفض التخصيب وتطوير كوادر وطنية سعودية ودراسة مشاركة الشركات الأميركية في هذه الأنشطة. وتكمن أهمية هذا الجانب في تحول السعودية إلى لاعب رئيسي في جهود فك ارتهان أميركا وغالبية الدول الغربية لروسيا في توفير الوقود النووي لمحطات الكهرباء وحتى للغواصات النووية.
إقرأ أيضا: عصر المفاعلات النووية الصغيرة
وتمتلك السعودية ورقة قوة مهمة في هذا المجال. تتمثل في احتياطات كبيرة من اليورانيوم في جبل صايد تُقدّر بنحو 31 ألف طن. ما يمنحها موقعاً فريداً لتطوير دورة الوقود النووي ولتصبح مورّداً متوقعاً للولايات المتحدة بعد دخول قانون حظر واردات اليورانيوم الروسي حيّز التنفيذ في عام 2027.
ثالثاً: إحياء تحالف النفط بوجه جديد
رغم الجدل العالمي حول مستقبل النفط، فإن واشنطن والرياض أظهرتا رؤية مشتركة تقوم على أن الوقود الأحفوري سيبقى مكوّناً أساسياً في مزيج الطاقة العالمي لعقود قادمة. إضافة إلى دور متعاظم الأهمية للغاز الطبيعي المسال. وظهرت هذه الرؤية من خلال الاتفاقات التي وقّعتها شركة «أرامكو» السعودية لتطوير مشروعات الغاز المسال في أميركا. وكشفت وكالة رويترز عن التوجه لاستثمار أكثر من 30 مليار دولار موزعة على 17 اتفاقاً.
إقرأ:مبادرة مستقبل الاستثمار في السعودية: التطوير المتوازي للنفط والطاقة المتجددة
هذه التحركات تكشف عن تطورين مهمين. يتمثل الأول بتكامل استراتيجي بين أكبر دولتين منتجتين للنفط والغاز. والثاني بصياغة علاقة جديدة بين النفط والطاقة المتجددة تقوم على التدرّج في التحول الطاقي، بما يكفل استقرار أمن الطاقة وإمدادات كافية من النفط والغاز.
تحالف يعيد رسم الجغرافيا السياسية للطاقة
بدون تحميل الأمور أكثر مما تحتمل. يمكن وصف زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن بأنها نقطة تحول في معادلة الطاقة العالمية. حيث تحولت المعادن النادرة والطاقة النووية والنفط والغاز إلى «مثلث القوة» الجديد في العلاقات السعودية ـ الأميركية، بوصفها ركائز الأمن القومي للطرفين.
وبهذه المعادلة، تتحول السعودية وكذلك دولة الإمارات وقطر إلى محور استراتيجي للطاقة الأحفورية والنووية والمتجددة. والزيارة كانت إعلاناً واضحاً عن ولادة هذا الواقع الجديد.



