الطاقة بين الضرورات المناخيّة والحاجة الاقتصادية

في الوقت الذي تشغل الطاقة المتجددة وتطوراتها اهتمام المعنيين بالتغير المناخي وسلامة البيئة، يستمر استخدام الوقود الأحفوري جنباً إلى جنب مع الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء. وعلى أهمية الحد من انبعاثات غازات الدفيئة المسببة لارتفاع حرارة الأرض وما يستتبعه ذلك من تغير مناخي، لا يزال الاعتماد كبيراً على الوقود الأحفوري، من فحم ونفط وغاز، نظراً لكثافة الطاقة المنتجة، مما يجعله خياراً لا بد منه للصناعات الثقيلة التي تحتاج إلى إمدادات كبيرة ومستقرة من الطاقة. بحيث لا يزال الوقود الأحفوري يستحوذ على أكثر من 70 في المئة من مزيج الطاقة العالمي، بحسب وكالة الطاقة الدولية، بينما تتجاوز مساهمته في توليد الكهرباء نحو 60 في المئة.

ويوضح تقرير شركة إيني للطاقة العالمية  (Eni’s World Energy Review 2024)، أن أربعة أخماس الطلب العام الماضي على الطاقة تمت تلبيته من الوقود الأحفوري، الذي حقق نمواً بمعدل نسبته 2 في المئة تقريباً، ما يمثّل قرابة80  في المئة من الطلب على الطاقة. حيث استأثر النفط بنسبة 30 في المئة في مزيج الطاقة، والفحم بنسبة 28 في المئة، والغاز بنسبة 23 في المئة، على الرغم من ارتفاع حصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، التي جاءت أقل من 3 في المئة.

إقرأ أيضاً:أمن الطاقة وأمن المناخ: بين فضيلة الدمج ورذيلة الفصل (2 من 2)

أما الطاقة النووية فلا تزال توفر نحو 10 في المئة من الكهرباء التي يحتاجها العالم، وتُعد ثاني أكبر مصدر للكهرباء منخفضة الكربون، على الرغم من المخاطر البيئية الناتجة عن نفاياتها المشعة التي تتطلب تقنيات متطورة وتدابير صارمة لضمان سلامة تخزينها ومعالجتها.  وتسهم الطاقة النووية في تخفيف آثار ظاهرة التغير المناخي، نظراً لكونها مصدراً للطاقة الحرارية منخفضة الانبعاثات. الأمر الذي يجعل من تحقيق أهداف إزالة الكربون التي حددتها اتفاقية باريس للمناخ أمرًا غير ممكن بدونها.

شركات التكنولوجيا واللجوء إلى الطاقة النووية

ومن اللافت أن الاهتمام الذي يلقاه إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة النووية لا يقتصر على الدول، بل يشمل الشركات الخاصة، لا سيما منها شركات التكنولوجيا العملاقة وشركات الذكاء الاصطناعي التي أعلنت عن حاجتها إلى الطاقة النووية، لتلبية احتياجاتها الهائلة والمتزايدة من الكهرباء. وقد شكل تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتطلب حواسيب بقدرات هائلة لمعالجة المعلومات المتراكمة في قواعد البيانات الضخمة، سبباً رئيسياً في زيادة حاجة هذه الشركات لإمدادات إضافية من الطاقة.

وقد وقّعت كل من شركة “مايكروسوفت” و”غوغل” و”أمازون” – وفي أقل من شهر – عقوداً لتوريد الطاقة بقدرة إجمالية بلغت 2.7 غيغاواط، وهو ما يكفي لتوفير الطاقة لأكثر من مليوني منزل، وستُخصص هذه القدرات بكاملها لتلبية الاستهلاك المتزايد للمراكز المخصصة لتخزين البيانات  (Data Centers) وتندرج مساعي شركات التكنولوجيا العملاقة في إطار تحقيق الحياد الكربوني، حيث تعهدت كل من شركة “غوغل” و”مايكروسوفت” بالوصول إلى هذا الهدف في العام 2040، فيما وعدت شركة “أمازون” بتحقيق الحياد الكربوني بحلول العام 2030.

إقرأ أيضاً: أوروبا أمام الخيار المؤلم: مقايضة الأمن بالمناخ

وتجدر الإشارة إلى أن شركات التكنولوجيا الثلاث المشار إليها أعلاه، لا تزال تعتمد على الطاقات المتجددة إلى جانب الوقود الأحفوري. إلا أن كون الطاقة المتجددة متقطعة، فيما تحتاج مراكز معالجة البيانات إلى طاقةٍ يمكن الوثوق بها على مدار الساعة، جعل اللجوء إلى الطاقة النووية خياراً لا بد منه. غير أنه من المستبعد أن تُصبح الطاقة النووية في متناول هذه الشركات قبل العام 2027، فيما من الأرجح أن تمتد المهلة الزمنية إلى العام 2030، الأمر الذي يجعل استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري لإنتاج الكهرباء مسألة حتمية.

الدول النفطية والطاقة النووية

في المقابل، يتصاعد اهتمام الدول الخليجية المنتجة للنفط باستخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، حيث بدأت الإمارات العربية المتحدة إنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة النووية في آب/أغسطس من العام 2020، وهي تدرس حالياً بناء مفاعلات إضافية، تقليدية ومفاعلات صغيرة، وحتى الاستثمار دولياً. فيما بدأت إيران باستخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء في العام 2013، من مفاعل بوشهر النووي الذي بنته روسيا في الشمال الشرقي من ساحل الخليج.

وتسعى المملكة العربية السعودية، منذ العام 2010، إلى امتلاك الطاقة النووية المدنية. وقد عمدت منذ العام 2022 إلى استدراج عروض من شركات حكومية من كل من روسيا والصين وفرنسا وكوريا الجنوبية، لبناء أول مفاعل نووي لها، وقد استأنفت المناقشات في نيسان/أبريل الماضي.

وتجدر الإشارة إلى أن من الدول النفطية الرائدة في استخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، الولايات المتحدة، التي تمتلك 92 مفاعلاً نووياً تحصل منها على 19.6  في المئة من احتياجها للكهرباء، وروسيا التي تنتج نحو 20 في المئة من حاجتها للكهرباء بواسطة 37 مفاعلاً نووياً في العام 2021.

مصادر الطاقة والتوازن المطلوب

ومن المفارقات أن الانتقال إلى الطاقة المتجددة والنظيفة، وعلى الرغم من الدعم الذي يلقاه من معظم الحكومات على المستوى العالمي، لا يزال يواجه منافسة حادة من الوقود الأحفوري، الذي تلقى جرعة دعمٍ هائلة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بينما يعود الاهتمام بالطاقة النووية، التي تعتبر تكلفتها متدنية نسبياً بالمقارنة مع الطاقة المتجددة، خاصةً مع بروز تقنية مفاعلات الجيل الجديد الصغيرة الحجم، والتي تُعرّف باسم المفاعلات النمطية الصغيرة (Small Modular Reactors – SMR).

إقرأ أيضاً: أميركا تنسحب من اتفاقية المناخ و «تحاكم» IEA… فهل يأتي دور IRENA؟

وعلى الرغم من التراجع النسبي لحصة النفط والفحم في مزيج الطاقة العالمي، مقابل الزيادة في حصة الغاز، يظل الوقود الأحفوري هو المهيمن، في مقابل مصادر الطاقة النووية والمتجددة. ويحتفظ كل من النفط والغاز بحصّة تتجاوز 53 في المئة، مقابل تراجع ملحوظ في حصة الفحم، الأمر الذي يؤكد الحاجة الماسّة لكل أنواع الوقود وحتى إشعار آخر، لتلبية نمو الطلب العالمي على الطاقة، لا سيما الكهرباء.

الخاتمة

في ضوء المعطيات والتوجهات الراهنة، يتّضح أن مستقبل الطاقة لن يكون محصوراً بمصدر واحد، بل مرهوناً بتوليفة متوازنة في مزيج الطاقة تراعي متطلبات النمو الاقتصادي، والعدالة في توزيع الطاقة، والالتزامات البيئية. فبين ضغوط التغير المناخي، واحتياجات الاقتصاد الرقمي والصناعات الثقيلة، وبين طموحات الحياد الكربوني وتحديات أمن الإمدادات، بات من الضروري تطوير نموذج طاقوي متعدد الأبعاد، يدمج بين الطاقة المتجددة والنووية والوقود الأحفوري بأساليب أكثر كفاءة واستدامة.

وإذا كان المستقبل يتجه نحو مزيد من الاعتماد على الكهرباء، فإن أمن هذا التحول يتطلب قرارات استراتيجية جريئة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتعاوناً دولياً لتقاسم المعرفة والتكنولوجيا.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحًا أمام البشرية جمعاء: كيف نوازن بين الاستهلاك والاحتياجات من جهة، وبين حماية الكوكب واستدامة الحياة عليه من جهة أخرى؟

باحث في الشؤون الاقتصادية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى