الممرات الآمنة: خريطة أميركية لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة (2 من 2)

ورشة أميركية غير مسبوقة لبناء التحالفات وتوقيع الاتفاقيات

أوضحنا في الجزء الأول طبيعة المعضلة التي تواجهها أميركا وبقية الدول الغربية في مجال توفير المعادن النادرة. وهي تتمثل بالنمو الهائل في الطلب على تلك المعادن، من ناحية. والهيمنة شبه الكاملة للصين على تعدينها وتكريرها وعلى سلاسل إمدادها من ناحية أخرى. إضافة إلى ميل الصين إلى استخدام هيمنة كأداة لممارسة الضغوط السياسية.

واشنطن واستراتيجية «تقصير السلسلة»

تعتمد واشنطن استراتيجية مُثلَّثة الأضلاع لكسب معركة العناصر الأرضية النادرة، وتحديداً لردم الفجوة بين الإنتاج والتكرير، وهي:

  1. ممرات المعادن الآمنة:

تستهدف بناء شبكة من التحالفات الدولية. ومن أهمها «الممر المعدني الآمن»، وهو مشروع مشترك بين واشنطن وسيول وطوكيو تم طرحه في 2024، ويستهدف بناء قدرات تكريرية في أستراليا وكندا وماليزيا. وتم قبل ذلك في العام 2022 إطلاق استراتيجية المعادن الحرِجة التي تهدف إلى تقليص الاعتماد على الصين خلال عقد واحد. وركزت إدارة بايدن على بناء «تحالف المعادن» مع كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. إلى جانب مبادرة شراكة أمن المعادن (Minerals Security Partnership) التي تضم 13 دولة. وجوهر الفكرة هو «تقصير السلسلة» عبر نقل عمليات التعدين والمعالجة إلى دول صديقة. وإنشاء احتياطات استراتيجية من العناصر الحساسة كالنيوديميوم والليثيوم. وطورت إدارة ترامب هذه المقاربة لتشمل التوسع في إبرام الاتفاقيات مع دول صديقة (راجع الجدول).

 تسعى أميركا لردم الفجوة بين الإنتاج والتكرير عبر إنشاء ما يُعرف بـ «ممرات المعادن الآمنة»

2. الاتفاقيات مع دول وشركات:

نكتفي بالإشارة إلى أبرز الاتفاقيات التي تمت خلال العام الحالي والتي تحمل دلالات مهمة على عمق التوجه الأميركي لكسر الهيمنة الصينية:

  • أكتوبر 2025: وقّع الرئيس الأميركي خلال جولته الآسيوية اتفاقين مهمين في كوالالمبور مع كلٍّ من ماليزيا وتايلندا لتطوير قدرات المعالجة وتوريد العناصر الأرضية النادرة.
    أكتوبر 2025: أعلن الرئيسان الأميركي والصيني الاتفاق على إطار أولي لمدة عام يقضي بقيام الصين برفع القيود عن تصدير العناصر الأرضية النادرة. والتعهد بإعادة شراء فول الصويا من الولايات المتحدة. وذلك مقابل خفض واشنطن للتعريفات الجمركية على السلع الصينية من نحو 57 إلى 47 في المئة.
  • أكتوبر 2025: شهد البيت الأبيض توقيع اتفاق ضخم بقيمة 5 مليارات دولار بين الولايات المتحدة وأستراليا. وشمل ذلك إنشاء مشاريع تعدين وتكرير مشتركة للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية.
  • أكتوبر 2025: التقى الرئيس ترامب في كوالالمبور الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، لبحث شراكة تعدين جديدة، بعد مفاوضات أولية شملت كندا والبرازيل كمحطات محتملة للمرحلة المقبلة من توسّع التحالف المعدني الأميركي. وسيشكل انضمام البرازيل منعطفاً مهماً بسبب ضخامة إنتاجها وقدراتها على بناء معامل ضخمة للتكرير.
  • أكتوبر 2025: تسلمت أميركا أول شحنة من المعادن النادرة الباكستانية، تنفيذاً لاتفاق بقيمة500  مليون دولار أبرم بين باكستان وشركة US Strategic Metals الأميركية في سبتمبر 2024 لتطوير مشاريع استخراج معادن حيوية ونادرة.

الصين تهيمن على الإنتاج والتكرير… وأميركا تُعيد رسم الخرائط عبر تحالفات وتمويل دفاعي مباشر

  • أبريل 2025: وقّعت أميركا اتفاقاً مع أوكرانيا يمنح الشركات الأميركية أولوية الوصول إلى أكثر من مئة موقع للمعادن النادرة داخل الأراضي الأوكرانية، في خطوة عُدّت محاولة لتقويض النفوذ الروسي في موارد أوروبا الشرقية. وبالمقابل عرضت موسكو توقيع اتفاق مماثل لتقاسم استثمارات التعدين مع واشنطن، لكن المبادرة لم تكتمل سياسياً.
  • يونيو 2025: رعت واشنطن اتفاقاً لتسوية النزاع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، ما ضمن لها موطئ قدم في استغلال ثروات كينشاسا المعدنية، ولا سيما الكوبالت. كما تجري مباحثات لإنشاء صندوق استثماري بقيمة 5 مليارات دولار لتمويل مشاريع التعدين في الدول الصديقة.

3. السياسات الصناعية والاستثمارات:

اعتمدت أميركا سياسة تتسم بالمرونة لتشجيع الاستثمارات الخاصة. غير أن التطور الأهم كان إقرار البنتاغون في يوليو 2025 ضخ نحو 400  مليون دولار في شركة MP Materials الأميركية العاملة في إنتاج العناصر الأرضية النادرة، في خطوة وُصفت بأنها تحول استراتيجي في السياسات الصناعية الأميركية.

معوقات داخلية وخارجية

تواجه الولايات المتحدة معوقات كثيرة قد تعرقل تحقيق أهداف هذه المبادرات، سواء لتطوير عمليات التعدين والتكرير داخل أميركا أو تنفيذ الاتفاقيات والتحالفات. ومن أهمها محدودية حجم وعدد المناجم داخل أميركا، والضوابط البيئية الصارمة، وصعوبة الحصول على تراخيص التعدين. إضافة إلى ارتفاع تكاليف بناء منشآت التكرير.

وفي الخارج ستواجه الشركات الأميركية مصاعب كبيرة في تعزيز وجودها في الدول التي تمتلك موارد ضخمة من المعادن بسبب الوجود الصيني الراسخ والقديم. ولا يُستبعد في هذا السياق حدوث تغييرات سياسية أو انقلابات في بعض الدول بما يُسهِّل فوز الشركات الغربية الخاصة بحصة أكبر من الموارد الطبيعية على حساب الشركات الصينية الحكومية.

السعودية والإمارات تدخلان سباق المعادن النادرة

تبنت السعودية والإمارات خلال السنوات الأخيرة نهجاً جديداً يقوم على اعتبار التعدين القطاع الثالث في منظومة الطاقة بعد الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة. وأطلقت الرياض الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتعدين التي تستهدف رفع مساهمة القطاع إلى  64 مليار دولار سنوياً بحلول العام 2035. مع التركيز على النحاس والنيكل والليثيوم والعناصر النادرة والحرِجة. كما تستهدف جذب استثمارات بحوالي  32 مليار دولار بحلول العام 2030.

النمو الهائل في الطلب على العناصر الأرضية النادرة جعل السيطرة على المناجم والمصافي مسألة أمن قومي للدول الكبرى

أما الإمارات فأنشأت شركة أبوظبي للمعادن. وبدأت استثمارات في أفريقيا وأستراليا لشراء حصص في مناجم ومعامل معالجة. كما اختارت التركيز على مسار المعالجة والتدوير. إذ تستثمر «مبادلة» و«أدنوك» في إعادة تدوير البطاريات وتأسيس مركز بحثي للمعادن الثانوية في أبوظبي. لكن هذا المسار يصطدم بعقبة التمويل بسبب ضخامة التكاليف أولًا والتقلبات الحادة في أسعار المعادن النادرة والحرِجة. إذ هبط سعر الليثيوم مثلاً بنسبة 60  في المئة عام 2024 بعد طفرة 2022. وتراجعت أسعار الكوبالت بنسبة 40  في المئة. وهو ما يجعل الشركات الخاصة تتهيب الاستثمار والتمويل طويل الأمد.

ولذلك بدأت الصناديق السيادية مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي و«مبادلة» الإماراتية دراسة إنشاء صندوق عربي للمعادن الحرِجة. على أن يشارك في مشاريع عالمية لتأمين الإمدادات وبناء احتياط استراتيجي شبيه باحتياطي النفط.

فضاء واسع للدول النامية

إلى جانب السعودية والإمارات، هناك دول عربية تمتلك إمكانات جيولوجية واعدة؛ مثل المغرب وموريتانيا (حديد وفوسفات ومعادن نادرة)، ومصر والسودان (ذهب ونحاس ومنغنيز). لكن القيمة الحقيقية لا تأتي من التعدين وحده، بل من التكرير والمعالجة الصناعية. وهنا يمكن أن تلعب السعودية والإمارات وبقية دول الخليج دور الوصلة المفقودة بين المنتجين الأفارقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا، مستفيدةً من موقعها الجغرافي ومن توازن علاقاتها الدولية.

هل تكون الدول العربية طرفاً فاعلاً في نظام المعادن العالمي، لا مجرد ساحة تنافس جديدة بين الشرق والغرب؟

في المقابل يتجه العالم إلى نظام ثنائي القطب في مجال الطاقة يشبه ما كان عليه في حقبة النفط، لكن هذه المرة حول المعادن: كتلة صينية – آسيوية تمتلك الإنتاج والمعالجة، وكتلة أميركية –غربية تمتلك التكنولوجيا والتمويل وتحاول اللحاق بالإنتاج. وبين الكتلتين فضاء واسع من الدول الصاعدة التي يمكنها أن تلعب دور الجسر، ومنها السعودية والإمارات وإندونيسيا وجنوب أفريقيا والبرازيل.

من ينجح في امتلاك حلقة واحدة على الأقل من سلسلة القيمة — من التعدين إلى التكرير إلى التصنيع — سيتمكن من حجز مقعد مريح في اقتصاد القرن الحادي والعشرين. فهل تنجح الدول العربية في أن تكون طرفاً فاعلاً في نظام المعادن العالمي، لا مجرد ساحة تنافس جديدة بين الشرق والغرب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى